في شمال شرق العاصمة دمشق وعلى الضفة اليسرى لنهر الفرات قبل التقائه نهر البليخ، تقع مدينة الرقة التي تبعد عن مدينة حلب نحو 190 كم وهي من أقدم مدن بلاد الشام التي ما زالت تحتفظ بأوابدها وآثارها وملامحها الجمالية المحاطة بنهر الفرات . وتبلغ مساحتها نحو 620 .19 كم .

يكشف متحف الرقة القديم عن بصمات كل الحقب القديمة، لتشير المدينة إلى استمرار بقائها عبر الأزمنة وتصديها للتغيرات الطارئة، بينما يستمر ترميم بعض آثارها المتهدمة، وأهمها سورها الواسع بإشراف من اليونيسكو .

يعني اسم الرقة الأرض الملساء التي يغمرها الماء ثم ينحسر عنها، وقد ازدهرت المدينة تاريخياً بسبب موقعها على الطرق التجارية المتجهة من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب بين الجزيرة الفراتية والشام والعراق وأرمينيا وآسيا الصغرى والبحر المتوسط .

تاريخ موغل في القدم

ويؤكد المؤرخون أن تاريخ الرقة في العصور القديمة مازال مجهولاً، ولكن من الثابت أنه يعود إلى أزمنة موغلة في القدم، متزامنة مع نشأة المجتمعات البشرية التي عرفت عصور ازدهار في فجر الحضارة الإنسانية . إذ قامت في موقعها في عصر البرونز 2000-3000 ق .م مملكة توتول القديمة (تل البيعة) وازدهرت ازدهاراً كبيراً إلى أن دمرها حمورابي عام 1750ق .م . ومن أهم ما يتميز به تاريخ الرقة أنها كانت مركزاً عسكريا ممتازاً غنياِ بخيراته، وبعدد سكانه وبطرقه البرية والمائية، في العصر الأرامي كانت الرقة عبارة عن إمارة آرامية تدعى (بيت آدين) وكانت عاصمتها تل برسيب وذلك في القرن الحادي عشر والعاشر والتاسع قبل الميلاد، أما في العهد الإغريقي فقد عرفت الرقة باسم (نيكفوريوم) حيث بناها الإسكندر الكبير حين اجتاز الفرات في طريقة إلى أربيل، وسميت (قالينيقوس) في عهد الامبراطور جوليان الذي حولها إلى حصن منيع في وجه الفرس ومركز تجاري مهم، بينما سميت في العهد الروماني ب(كالينيكيوم) نسبة إلى الإمبراطور غلينوس المتوفى سنة 266 بعد الميلاد . وتقع المدينة الرومانية شرقي باب بغداد الذي أقيم في الرقة ولم يبق له أثر . وفي العهد الأموي اهتم بها الأمويون حيث كانت محطة تمون جيوشهم إلى أرمينية وحدود الروم وكانت تشرف على القبائل العربية في الجزيرة الفراتية . واهتم بها الخليفة هشام بن عبد الملك فوصلها بمجموعة من الحصون والقصور لتأمين الأمن ولتكون محطات لراحته وراحة حاشيته بين الشام والجزيرة والحدود البيزنطية التي كان يغزوها بنفسه . وفي العهد العباسي حصلت الرقة على اهتمام كبير حيث كانت أهم مدينة عباسية في بلاد الشام . ويذكر المؤرخون أن المنصور هو الذي أمر ببناء الرقة العربية على طراز خطة بغداد، بعد أن ولي عليها لفترة حيث أعجبه موقعها وطيب هوائها وعذوبة مائها، وبعد استلامه الخلافة أرسل ابنه المهدي ولي عهده إلى الرقة سنة 155ه - 722م وأمره بأن يبني الرافقة على طراز بناء بغداد إلى جانب الرقة، ووصولاً إلى الخليفة هارون الرشيد الذي سكنها طويلاً حيث اتخذها مصيفاً . وأضاف إلى حضارتها العديد من القصور والمواقع المهمة منها قصره العظيم الذي سماه قصر السلام .

الفتح الإسلامي

يذكر ياقوت الحموي في كتابه معجم البلدان أن الفتح الإسلامي للرقة تم سنة 18ه . حيث قام القائد عياض بن غنم وسهيل بن عدي من جيش أبي عبيدة عامر بن الجراح- بفتح الرقة صلحاً، ثم اتخذت قاعدة لفتوحات الجزيرة الفراتية . وكانت الرقة عند فتح العرب المسلمين لها ذات سور وأبواب وغلات متنوعة وسوق عامة . ولم يؤذها العرب وأبقوا لها حرية الاعتقاد كما أبقوا الأراضي بأيدي أهلها واستمرت الرقة في حياتها الاعتيادية تفيد من خصوبة أرضها ووفرة مياهها وموقعها الجغرافي المتميز مما أعطاها أهميتها التجارية بعد وفاة عياض بن غنم فاتح الرقة ووالي الجزيرة، ولى عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) سعيد بن عامر بن خديم سنة 20ه فبنى بها جامعاً من الآجر . وقد سميت بعد الفتح الإسلامي لها (الرقة البيضاء) وسبب التسمية كما يذكر ياقوت الحموي، قيام المنصور وابنه المهدي ببناء أسوار الرقة على هيئة أسوار بغداد، وهي عبارة عن سور داخلي وسور خارجي بينهما فصيل وحفر حول السور الخارجي خندقاً وبلغ سمك السور الرئيسي 5-8 م وعرض الفصيل 20- 80 م وسمك السور الخارجي 4 - 50 م وعرض أعلى الخندق 15 - 90 م وأساس السور من الحجر الكلسي الأبيض . كما جعل للمدينة بابين الأول في الزاوية الجنوبية الشرقية لا يزال قائماً ويسمى باب بغداد اهتمت به مديرية الآثار وغطته بمسانيد حجرية . والثاني في الزاوية الجنوبية الغربية وأطلق عليه باب الجنان وكان بجانب كل منهما برج مستدير، لا يزال الأول موجوداً حتى يومنا هذا، بينما زال الثاني، وكان قد ذكره الرحالة الغربي هركز فلد سنة 1908م، وتحدث أيضاً عن باب ثالث في الجهة الشمالية اسمه باب أورفة .

أرض الخزف

ذاعت شهرة المدينة بصناعة الخزف وكانت تقف بهذه الشهرة إلى جانب مدينة الموصل التي كانت أعظم مركز لصناعة التحف المعدنية المزينة بالفضة والذهب في القرنين السادس والسابع الهجريين . ويذكر المؤرخون أن من بين أنواع الخزف الإسلامي المعروف نوع ينسب إلى مدينة الرقة على نهر الفرات وقد تداولت أيدي التجار السوريين كميات كبيرة منه امتلأت بها الأسواق . وكانت صناعة الخزف والزجاج منتشرة ورائجة مما جعل صناعها في الرقة يتنافسون في إتقانها والتفنن في رسومها وكتاباتها وألوانها وأشكالها . وهناك أنواع عديدة من خزف الرقة ذي البريق المعدني وذي الزخارف وتشتمل الأواني على زهريات وأباريق وسلاطين وكاسات مختلفة الأحجام، تزينها زخارف نباتية وكتابات نسخية أوكوفية، ومن الأنواع الأخرى المعروفة أيضاً نوع رسمت زخارفه باللون الأسود تحت طلاء أزرق فيروزي .

مواقع أثرية

منذ سنوات حصلت مدينة الرقة على جائزة منظمة المدن العربية التابعة لجامعة الدول العربية وذلك تقديراً لدورها الكبير في الحضارة العربية والإسلامية، حيث تنتشر بعض آثار الرقة في كثير من متاحف العالم كمتحف المتروبوليتان في أمريكا وفيه جناح خاص يضم زجاج الرقة وخزفها، ومتحف فريرغاليري في واشنطن، إضافة إلى متاحف باريس وألمانيا .

تعتبر قلعة جعبر التي تربض بشموخ وسط البحيرة أهم آثار الرقة، ومن المواقع الأثرية المهمة أسوار المدينة التي شيدها العباسيون عام 720م، ويبلغ امتدادها خمسة كلم، ولم يتبق من أبراجها ال 74 سوى 6 تم ترميمها، كما تشتهر بتل الممباقة الواقع على الجهة اليسرى من البحيرة، يقابله من الجهة الثانية جبل عرودة وتل حبوبة، وفي العام 1968 اختار الألمان الموقع للبحث الأثري، بعد نداء من منظمة اليونسكو لإنقاذ التلال قبل أن تغمرها مياه البحيرة، ودلت الكتابات المسمارية التي عثر عليها في الموقع، على الاسم القديم للموقع وهو مملكة إيكالتا، وهذه الأخيرة ذكرها الفرعون المصري تحوتمس الثالث في نقش موجود في مصر . ومن الأماكن العريقة أيضاً تل دامر شمال مدينة الرقة بنحو 40 كم . ومدينة الفار أو ما يعرف قديماً بحصن مسلمة بن عبدالملك شمال المدينة بنحو 75 كم، ويتألف من مجموعة من الخرائب والأطلال المتهالكة، وبحسب تفسير المؤرخين فإن العباسيين هم الذين أطلقوا عليه هذا الاسم بهدف تشويه سمعة العائلة الأموية .

ومن أهم الآثار الباقية في المدينة قصر العذارى أو قصر البنات، وأضرحة عدد من رجال الدين المسلمين، منهم الصحابي عمار بن ياسر و أويس القرني، وجامع المنصور ويعرف محلياً بالجامع العتيق وله 11 قنطرة وتعلوه مئذنة شامخة، ويدعمه عشرون برجاً . ويعتبر المسجد درة من درر العمارة العباسية، وقد بنيت على غراره مساجد عدة في العالم الإسلامي، ومنها مسجد أحمد بن طولون في القاهرة، ومسجد الزيتونة في تونس .