الشارقة - محمد أبو عرب:
لم يتوقف الحديث عن مستقبل المكتبة منذ أن اجتاحت التغيرات التكنولوجية الحديثة العالم العربي، وظل النقاش يطول حول السمات الفارقة بين الكتاب الورقي والإلكتروني، حتى صار الحديث في الموضوع اليوم يحمل ذاكرة وشاعرية عالية، يعود فيها الكثير من الكتّاب إلى ذاكرة الكتاب الورقي، والبحث في أرفف المكتبات وفق أنظمة الفهرسة المعروفة .
المؤكد اليوم، استمرار بقاء الكتاب الورقي، واستمرار المطبعات ودور النشر في العمل، إلا أن هذا لا ينفي تراجع دور المكتبة الورقية، والتحول إلى الكتاب الإلكتروني عوضاً عنها، والآن ومع قدرة الهواتف الذكية، والأجهزة اللوحية على حمل آلاف الكتب، ومنح المستخدم إمكانية تصفح أرفف المكتبات العالمية وهو يستلقي على سريره، إلا أن الكتاب الورقي يظل حاضراً، ويظل له مكانته التي لن تنتهي .
واحدة من أبرز التغيرات التي ظل القارئ العربي يتوقف عندها كثيراً، وتثير له حساسية غريبة تجاه التطورات التكنولوجية الحديثة، هي المعاجم الإلكترونية، فللمعاجم في الثقافة العربية مكانة مرموقة، إذ ظل المثقف العربي يقطع مسافات للوصول إلى المكتبات التي تقتنيها، وظل من النادر أن يقتني قارئ عادي معاجم ضخمة في مكتبته الخاصة، إضافة إلى أنها واحدة من المراجع التي لا تعيرها المكتبات العامة .
هذا الأمر يعد منطقياً، إذ حين يكون معجم لسان العرب لأبن منظور وحده يتكون من خمسة عشر مجلداً، وبعض النسخ تتجاوز هذا العدد، فإن تواجدها في مكتبة خاصة لقارئ عادي يظل صعباً، والأمر ذاته ينطبق على الكثير من المعاجم، والمراجع الضخمة، مثل تاريخ الحضارة لويل ديوراسنت الذي يصل إلى أكثر من عشرين جزءاً، وغيرها الكثير من المعاجم والفهارس .
لذلك كله ظلت فكرة أن تتيح الأجهزة اللوحية للمستخدم إمكانية تصفح عشرات المعاجم عبر شاشة صغيرة لا يبلغ حجمها 8 إنش، نقلة هائلة تغيرت من خلالها الكثير من الأفكار التي تكرست في ذهن القارئ العادي، وباتت الفكرة بحد ذاتها تشكل له خصوصاً قبل عقد من الزمن حالة ذهول ورفضاً في البداية .
ومع مشاريع الرقمنة كما اصطلح عليها مع اعتناق الكثير من الشركات الكبرى مثل "أدوبي" و"مايكروسوفت" لتقنيات رقمنة النصوص وتوزيعها، فإن فكرة المكتبات الرقمية بدأت تنتشر بسرعة، يدعمها في ذلك التطور السريع في تقنيات حفظ المعلومات واستعراضها والبحث فيها، إضافة إلى توفر الشبكات كبنية تحتية يمكن بواسطتها الربط بين المستخدم وبين المكتبات الرقمية المختلفة موفرة بذلك فضاء معلوماتياً رحباً يعادل في أهميته فضاء الإنترنت العام السائد اليوم .
ولا يعد تاريخ الرقمنة حديثاً كما يتصور الكثير في الثقافة العربية، إذ ظهر أول مشروع منذ سبعينات القرن الماضي، على يد الشاب مايكل هارت في عام 1971 عندما قام بإنشاء أول مكتبة رقمية، واختار لمشروعه اسم غوتنبرغ تيمناً بمخترع الطباعة، الذي فتح أفقاً جديداً لإصدار الكتب مؤذناً ببدء عصر التنوير في أوروبا وتمكين المواطن الأوروبي العادي من اقتناء وقراءة الكتب .
تبع ذلك مشروع ظهر في أوائل التسعينات يحمل اسم "واير تاب" وهو موقع يستخدم إلى اليوم تقنية "غوفر" لتداول الملفات عبر الشبكة، ويحتوي على مجموعة هائلة من النصوص الرقمية المتخصصة، كنصوص المعاهدات والقوانين الدولية، والوثائق التقنية والعسكرية وما إلى ذلك .
وفي عام 1993 قام شاب اسمه جون مارك أوكربلوم، وكان طالباً في علوم الحاسوب ويعمل كمدير لموقع إنترنت خاص بجامعة "كارنيغي ميلون"، ببدء العمل على فهرس يضم وصلات إلى جميع الكتب الإلكترونية الموجودة على الشبكة بما في ذلك مشروع غوتنبرغ . وأطلق أوكربلوم على فهرسه هذا اسم صفحة الكتب The Online Books Page .
وفي عام 1998 حصل أوكربلوم على درجة الدكتوراه في علوم الحاسوب وانتقل إلى جامعة "بنسلفانيا" حيث أخذ يعمل على الأبحاث المتعلقة بعلم المكتبات الرقمية في مكتبة الجامعة وقسم علوم الحاسوب، مرتكزا على فهرسه الأساسي الذي طوره في جامعة كارنيغي ميلون والذي أصبح الآن جزءاً من مراجع المكتبات الرقمية لدى جامعة "بنسلفانيا" ويحتوي الموقع اليوم على وصلات لعشرات الألوف من الكتب الإلكترونية المجانية باللغة الإنجليزية أو غير المجانية ولكن سمح مؤلفوها بنشرها عبر الشبكة .
عربياً ظهرت تجارب الرقمنة في العديد من التجارب الفردية، والمؤسساتية، فطرحت بعض المراكز هذه المبادرة، مثل معهد الإمارات للبحوث والدراسات، الذي قام برقمنة جميع نتاجه العلمي باستخدام نظام "نوليدج بايز"، وكذلك الحال في مشروع مكتبة "الوراق" الرقمية والذي قامت شركة "كوزموس" للبرمجيات بإنشائه وتضمينه أمهات الكتب التراثية العربية .
تلت تلك المبادرات العديد من المشاريع، إلا أن أبرزها كان مشروع رقمنة مكتبة الإسكندرية، حيث وقعت المكتبة - وفق دراسة للباحث أحمد يوسف حافظ- اتفاقية شراكة مع أرشيف الإنترنت الدولي، وبناءً على هذه الشراكة قام بروستر كال ممثلاً عن أرشيف الإنترنت الدولي بإهداء مكتبة الإسكندرية نسخة كاملة من أرشيف الإنترنت فضلاً عن المعدات الخاصة بهذا الأرشيف وغيرها من الأجهزة التقنية اللازمة في هذا الشأن، وبات هذا الأرشيف يقدم للعالم من خلال مكتبة الإسكندرية نمطاً جديدًا من المكتبات هو المكتبة الرقمية .
الاستعراض السريع لتاريخ ومراحل تطور مشاريع الرقمنة عربياً، يجعل من موضوع المعاجم ورقمنتها نقطة في بحر التغيرات الثقافية الجارية والمقبلة، فالعشرات من المواقع الإلكترونية اليوم مكرسة لتحويل الكتاب الورقي إلى رقمي، أولاً بأول، منها: "كتابي دوت كوم"، و"مكتبة الجليس"، و"المكتبة العربية"، و"المكتبة الإلكترونية" للمنتدى العلمي الثقافي، و"المكتبة "الإلكترونية المجانية"، و"مكتبة الكتاب العربي"، وغيرها من المكتبات الإلكترونية .
لم يتوقف الحديث عن مستقبل المكتبة منذ أن اجتاحت التغيرات التكنولوجية الحديثة العالم العربي، وظل النقاش يطول حول السمات الفارقة بين الكتاب الورقي والإلكتروني، حتى صار الحديث في الموضوع اليوم يحمل ذاكرة وشاعرية عالية، يعود فيها الكثير من الكتّاب إلى ذاكرة الكتاب الورقي، والبحث في أرفف المكتبات وفق أنظمة الفهرسة المعروفة .
المؤكد اليوم، استمرار بقاء الكتاب الورقي، واستمرار المطبعات ودور النشر في العمل، إلا أن هذا لا ينفي تراجع دور المكتبة الورقية، والتحول إلى الكتاب الإلكتروني عوضاً عنها، والآن ومع قدرة الهواتف الذكية، والأجهزة اللوحية على حمل آلاف الكتب، ومنح المستخدم إمكانية تصفح أرفف المكتبات العالمية وهو يستلقي على سريره، إلا أن الكتاب الورقي يظل حاضراً، ويظل له مكانته التي لن تنتهي .
واحدة من أبرز التغيرات التي ظل القارئ العربي يتوقف عندها كثيراً، وتثير له حساسية غريبة تجاه التطورات التكنولوجية الحديثة، هي المعاجم الإلكترونية، فللمعاجم في الثقافة العربية مكانة مرموقة، إذ ظل المثقف العربي يقطع مسافات للوصول إلى المكتبات التي تقتنيها، وظل من النادر أن يقتني قارئ عادي معاجم ضخمة في مكتبته الخاصة، إضافة إلى أنها واحدة من المراجع التي لا تعيرها المكتبات العامة .
هذا الأمر يعد منطقياً، إذ حين يكون معجم لسان العرب لأبن منظور وحده يتكون من خمسة عشر مجلداً، وبعض النسخ تتجاوز هذا العدد، فإن تواجدها في مكتبة خاصة لقارئ عادي يظل صعباً، والأمر ذاته ينطبق على الكثير من المعاجم، والمراجع الضخمة، مثل تاريخ الحضارة لويل ديوراسنت الذي يصل إلى أكثر من عشرين جزءاً، وغيرها الكثير من المعاجم والفهارس .
لذلك كله ظلت فكرة أن تتيح الأجهزة اللوحية للمستخدم إمكانية تصفح عشرات المعاجم عبر شاشة صغيرة لا يبلغ حجمها 8 إنش، نقلة هائلة تغيرت من خلالها الكثير من الأفكار التي تكرست في ذهن القارئ العادي، وباتت الفكرة بحد ذاتها تشكل له خصوصاً قبل عقد من الزمن حالة ذهول ورفضاً في البداية .
ومع مشاريع الرقمنة كما اصطلح عليها مع اعتناق الكثير من الشركات الكبرى مثل "أدوبي" و"مايكروسوفت" لتقنيات رقمنة النصوص وتوزيعها، فإن فكرة المكتبات الرقمية بدأت تنتشر بسرعة، يدعمها في ذلك التطور السريع في تقنيات حفظ المعلومات واستعراضها والبحث فيها، إضافة إلى توفر الشبكات كبنية تحتية يمكن بواسطتها الربط بين المستخدم وبين المكتبات الرقمية المختلفة موفرة بذلك فضاء معلوماتياً رحباً يعادل في أهميته فضاء الإنترنت العام السائد اليوم .
ولا يعد تاريخ الرقمنة حديثاً كما يتصور الكثير في الثقافة العربية، إذ ظهر أول مشروع منذ سبعينات القرن الماضي، على يد الشاب مايكل هارت في عام 1971 عندما قام بإنشاء أول مكتبة رقمية، واختار لمشروعه اسم غوتنبرغ تيمناً بمخترع الطباعة، الذي فتح أفقاً جديداً لإصدار الكتب مؤذناً ببدء عصر التنوير في أوروبا وتمكين المواطن الأوروبي العادي من اقتناء وقراءة الكتب .
تبع ذلك مشروع ظهر في أوائل التسعينات يحمل اسم "واير تاب" وهو موقع يستخدم إلى اليوم تقنية "غوفر" لتداول الملفات عبر الشبكة، ويحتوي على مجموعة هائلة من النصوص الرقمية المتخصصة، كنصوص المعاهدات والقوانين الدولية، والوثائق التقنية والعسكرية وما إلى ذلك .
وفي عام 1993 قام شاب اسمه جون مارك أوكربلوم، وكان طالباً في علوم الحاسوب ويعمل كمدير لموقع إنترنت خاص بجامعة "كارنيغي ميلون"، ببدء العمل على فهرس يضم وصلات إلى جميع الكتب الإلكترونية الموجودة على الشبكة بما في ذلك مشروع غوتنبرغ . وأطلق أوكربلوم على فهرسه هذا اسم صفحة الكتب The Online Books Page .
وفي عام 1998 حصل أوكربلوم على درجة الدكتوراه في علوم الحاسوب وانتقل إلى جامعة "بنسلفانيا" حيث أخذ يعمل على الأبحاث المتعلقة بعلم المكتبات الرقمية في مكتبة الجامعة وقسم علوم الحاسوب، مرتكزا على فهرسه الأساسي الذي طوره في جامعة كارنيغي ميلون والذي أصبح الآن جزءاً من مراجع المكتبات الرقمية لدى جامعة "بنسلفانيا" ويحتوي الموقع اليوم على وصلات لعشرات الألوف من الكتب الإلكترونية المجانية باللغة الإنجليزية أو غير المجانية ولكن سمح مؤلفوها بنشرها عبر الشبكة .
عربياً ظهرت تجارب الرقمنة في العديد من التجارب الفردية، والمؤسساتية، فطرحت بعض المراكز هذه المبادرة، مثل معهد الإمارات للبحوث والدراسات، الذي قام برقمنة جميع نتاجه العلمي باستخدام نظام "نوليدج بايز"، وكذلك الحال في مشروع مكتبة "الوراق" الرقمية والذي قامت شركة "كوزموس" للبرمجيات بإنشائه وتضمينه أمهات الكتب التراثية العربية .
تلت تلك المبادرات العديد من المشاريع، إلا أن أبرزها كان مشروع رقمنة مكتبة الإسكندرية، حيث وقعت المكتبة - وفق دراسة للباحث أحمد يوسف حافظ- اتفاقية شراكة مع أرشيف الإنترنت الدولي، وبناءً على هذه الشراكة قام بروستر كال ممثلاً عن أرشيف الإنترنت الدولي بإهداء مكتبة الإسكندرية نسخة كاملة من أرشيف الإنترنت فضلاً عن المعدات الخاصة بهذا الأرشيف وغيرها من الأجهزة التقنية اللازمة في هذا الشأن، وبات هذا الأرشيف يقدم للعالم من خلال مكتبة الإسكندرية نمطاً جديدًا من المكتبات هو المكتبة الرقمية .
الاستعراض السريع لتاريخ ومراحل تطور مشاريع الرقمنة عربياً، يجعل من موضوع المعاجم ورقمنتها نقطة في بحر التغيرات الثقافية الجارية والمقبلة، فالعشرات من المواقع الإلكترونية اليوم مكرسة لتحويل الكتاب الورقي إلى رقمي، أولاً بأول، منها: "كتابي دوت كوم"، و"مكتبة الجليس"، و"المكتبة العربية"، و"المكتبة الإلكترونية" للمنتدى العلمي الثقافي، و"المكتبة "الإلكترونية المجانية"، و"مكتبة الكتاب العربي"، وغيرها من المكتبات الإلكترونية .