العلاج والتداوي من المجالات التي دخل فيها كثير من البدع والتصرفات غير الشرعية مثل العلاج بالمحرمات كالخمر والمخدر أو التعلق بالدواء والمداوي أكثر من رب الأسباب أو الجري وراء خرافات السحر والجن أو تعليق الأحجبة .

ولكن تظل الرقية واحدة من أكثر الموضوعات إثارة للجدل، حيث اختلط فيها الشرعي بغير الشرعي والصالح بالطالح والحق بالخرافة، كما حول بعض المعالجين بالرقية المسألة إلى تجارة ووسيلة للكسب، وأهمل البعض في التداوي تحت دعوى الاكتفاء بالرقية، بل بدأ البعض يفتح عيادات خاصة للرقية وتجارة الأعشاب، أو يختزلها في آيات تعلق على الصدور أو يتخفى وراءها بعض النصابين ومدمني البدع والخرافات .

الرؤية الإسلامية في هذه التجاوزات تتوقف عند مختلف جوانب المشكلة وتتلمس مصلحة الناس وتستند في الأساس إلى النص الشرعي الذي يحكم الحلال والحرام والحق والخرافة .

من الناحية المبدئية يقول د . صبحي عبدالحميد أستاذ الدراسات اللغوية والشرعية في الأزهر: العلاج بالتداوي مبدأ إسلامي أصيل، فالحق سبحانه وتعالى اعتبر المرض قدراً من أقدار الله وآية من آياته في الكون . يقول القرآن الكريم على لسان إبراهيم عليه السلام: وإذا مرضت فهو يشفين ويقول: ما أصاب من مصيبة فبإذن الله . وفي الحديث: إن لبدنك عليك حقاً وحين سئل عن الأدوية قال عليه الصلاة والسلام هي من قدر الله . وفي رواية أحمد عندما سئل: أنتداوى؟ قال عليه الصلاة والسلام: نعم، فإنه لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء، علمه من علمه وجهله من جهله، وفي حديث البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء وفي هذا المعنى تواردت النصوص الشرعية التي تؤكد هاتين الحقيقتين، وهما أن الداء والدواء من قدر الله، وأن التماس العلاج بأسبابه أمر مشروع ومطلوب .

البلاء والأسباب

والإسلام أيضاً لا يرضى على الإطلاق أن ييأس أي مريض من التماس الشفاء، كما لا يرضى أن يدفعه يأسه إلى الجري وراء الخرافات أو ترك الأسباب أو التعلق بالبدع، فالمؤمن مع مصيبة المرض العضوي أو النفسي حاله مثل حاله مع كل مصيبة: قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون . أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون، وفي حديث الترمذي معنى إيماني رائع، يقول صلى الله عليه وسلم: إن عظم الجزاء مع عظم البلاء وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط .

يرتبط بهذا أيضاً أن التعامل مع قدر الله الداء والدواء لا يمكن أن يكون بغير قدر الله أو بغير شريعته، أي أنه لا يجوز التماس العلاج بأي صنف من صنوف الحرام أو ببدع ومخالفات لا يرضى عنها الله ورسوله والمؤمنون .

إذاً كما يضيف د . صبحي يجب أن يتفهم المسلم مشكلة الداء والدواء على هذا النحو الإيماني الذي يفرض التداوي بالأسباب، وعلى هذا النحو الشرعي الذي يوجب مقاومة البدع والخرافات ويبتعد عن المحرمات، والقاعدة عندنا هي هذا المعنى الذي رواه البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله لم يجعل شفاءكم في ما حرم عليكم .

فكل مخالفة للشرع والدين والعقل والعلم هي من الأمور التي يرفضها الإسلام ويقاومها في تصرفات الناس ومعتقداتهم . وهذا المعنى يقال عن الرقية التي هي من الأمور المشروعة ولكن مشروعيتها لا تبرر أبداً حدوث بعض البدع أو المبالغات التي قد تخرجها من إطار الشرعية إلى البدعة .

مشروعية الرقية

عند هذه النقطة يتوقف د . عبدالحي الفرماوي أستاذ الدعوة المعروف في كلية أصول الدين في جامعة الأزهر: يقول: بالفعل الرقية الشرعية مارسها وتحدث فيها بعض البسطاء وبعض الجهال وبعض الذين لا يحبون للناس أن يعودوا لدينهم وبعض المدعين الدين أساؤوا لهذه الممارسة الشرعية وكاد البعض يعتبرها من مظاهر التزيد على الدين وربما من مظاهر تخلف المسلمين، وأول ما أقرره أنه لابد من التعامل مع الرقية في ضوء الضوابط والنصوص الشرعية .

أول هذه الضوابط يضيف د . الفرماوي أن الرقية عمل مشروع من الكتاب والسنة والعلماء، وهي عبارة عن كلمات أدعية أو آيات تقال في معرض دفع الضرر أو جلب النفع من شخص لشخص ما في موقف ما .

وتباينت أحكام الرقية بين مجيز وممانع حسب اختلاف النوايا وإيمان الراقي وحال المسترقي والأدعية والمناسبة، وقد تقررت شرعية الرقية، ولكن المنع يكون حسب ما قد يخالطها من بدع أو زيادات .

من أدلة الشرعية ما جاء في الصحيحين أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يعوذ بعض أهله ويقول: اللهم رب الناس أذهب البأس، واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقمك .

وفي حديث مسلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر عثمان بن العاص رضي الله عنه عندما اشتكى له وجعاً في جسده فقال له: ضع يدك على الذي تألم من جسدك وقل باسم الله ثلاثاً وقل سبع مرات أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر .

وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم عائشة أن تسترقي من العين، وروى مسلم عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص في الرقية من الحمى والعين والنملة . وغير هذا من الأحاديث النبوية الداعية للرقية .

أنى يستجاب له؟

ثاني هذه الحقائق الشرعية أن الرقية تكون بالأدعية النبوية المأثورة وبأدعية القرآن الكريم وبتجرد كامل لله الضار النافع المحيي المميت .

وفي هذا المجال فإن الرقية أفضل ما تكون بالقرآن الكريم، سواء في الآيات المنصوص عليها مثل حديث الرسول الكريم عن آية الكرسي بقوله: ما تعوذ الناس بأفضل منها، وحث الرسول صلى الله عليه وسلم كما في حديث البخاري على قراءة المعوذتين عند النوم . أو في عموم الرقية بالقرآن كعموم قوله تعالى: وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين وقوله تعالى: يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين .

ثالث هذه الضوابط الشرعية أن عملية الرقية ينبغي أن تتوافر فيها آداب إسلامية، من بينها أن يكون الراقي من أهل التقوى والصلاح، وأن تكون بالآيات والأدعية الجائزة في كتاب الله، وأن يكون المسترقي من أهل الإيمان والاستقامة، وأن يجزم الراقي والمسترقي بالرقية وأن في القرآن شفاء ورحمة .

وهذه الآداب متماشية مع النصوص الشرعية الواضحة . فالرقية دعاء، والدعاء من أهل المعاصي والحرام غير مقبول، وفي الحديث مثلاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يارب يارب، ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك .

فإذا خالط الرقية شيء من الشبهات أو الشركيات فقد صارت عملاً غير مشروع .

ممارسة الجهال

من ذلك، إذا تمت الرقية بكلام خارج عن كمال العبودية لله، أو خالطها دجل أو سحر أو كلام أجنبي غير مفهوم كما يفعل بعض الناس، أو استعان الراقي بغير الله وكلامه وصفاته . ولهذا روى ابن ماجه والحاكم في صحيحيهما أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: إن الرقى والتمائم والمتولة شرك . . قالوا: ما المتولة؟ قال: شيء تصنعه النساء يتحببن إلى أزواجهن، وروى مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك .

إذن فعله التحريم واضحة في الأحاديث . ولهذا حذر العلماء من كثير من التصرفات التي لا يجوز أن تخالط الرقية حتى لا تخرجها إلى حكم عدم الجواز . من ذلك أنه لا يجوز ممارسة الرقية من الجهال الذين ينكرون شرعيتها أو يسيئون إليها أمام العامة، كما لا يجوز إضافة بدع وخرافات لم ترد في الرقية الشرعية إذ هي دعاء والدعاء كالعبادة يجب أن يكون منصوصاً عليه ولا يخرج عن هدف التعبد، كما لا يجوز أن تكون الرقية مناسبة للاختلاط غير المشروع، أو مناسبة للضرب والخنق كما قد يفعل بعض الجهال، أو تتم بالاسترقاء بالجمادات مثل الشجر أو النجوم إذ إن ذلك من الشركيات . كما لا تجوز الرقية لو استغنى بها البعض عن العلاج الطبي أو اعتقد أنها منافية للتوكل الخالص على الله الواحد القهار .

تجاوز غير مقبول

وينتقل د . عبدالحي الفرماوي إلى مسألة شديدة الارتباط بهذا الموضوع وهي ما تعارف البعض عليه تحت مسمى العلاج بالقرآن . ويقول: ما شاع بين العامة من العلاج بالقرآن الكريم هو بناء على ما عرف شرعاً بالرقية، ويجب أن يعيد المسلمون ضبط المصطلح الشرعي، فالرقية بضوابطها الشرعية هي الجائزة أما القول بالعلاج بالقرآن ففيه تجاوزات .

من هذه التجاوزات، أن القول إن القرآن علاج، غير مناسب للقرآن الكريم . فالعلاج ينصب أول ما ينصب على التداوي والاستشفاء بالأدوية والقرآن أعظم وأجل من هذا المعنى الضيق .

ولو لاحظنا السياق الذي وردت فيه الآيات التي تصف القرآن بأن فيه شفاء للناس لوجدنا أن القرآن يتحدث عن رسالة التوحيد الحق في مواجهة الباطل والظلم فوصف الوحي الصفة: وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا .

وفي آيات سورة يونس تركيز واضح على هداية القرآن للصدور: يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين .

ونلاحظ أن القرآن عندما تحدث عن المرض وصفه بمرض القلوب ويقصد الشرك والضلال كما في مثل قوله تعالى: وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً . أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله .