مدينة ترسو على شاطئ الخور تحدها الجبال وتلف مناطقها أشجار النخيل، عاش أهاليها على البحر وعلى النخل، كل له مهنته، يتحالفون يتعاونون في الشتاء والصيف يتبادلون الانتاج، السمك للمزارع والتمر للصياد، أجيال تلو أجيال . . النوخذا يعلم ابنه وحفيده، وكذلك المزارع ما أدى إلى تداول تلك المهن إلى الآن ولم تتعرض للإندثار ما بقيت الحياة على حد قول أهاليها، ولم تتغير الأحوال سوى أنهم هجروا منازلهم القديمة، وبقيت أطلالاً على أطلال، وسكنوا بالقرب منها .

الرمس، القادم إليها يشعر وكأنه قادم لمدينه الشعراء والملهمين، الزوارق ونسيم البحر وطيوره تستقبل الزوار، ولا تزال رائحة الماضي تعبق بين جدران منازلها العتيقة، السكيك الضيقة تعكس حميمية العلاقات الاجتماعية الماضية، كيف كان أطفالها يلعبون بين السكيك الموصلة لصف من المحال التجارية ذات الأبواب الخشبية الموشحة بالحديد ذي الأشكال الهندسية . لا يزال برج الرمس ومربعتها واقفين دون حراك، والعلم يرفرف على قميتيهما، لم يحظيا بأية صيانة، ورغم مرور تلك السنوات لا يزالان واقفين شامخين، الأول يستقبلك في بداية الرمس، والمربعة بين المنازل الطينية القديمة .

كتب عنها ج .ج لويمر في دليل الخليج في القسم الجغرافي أنها قرية على ساحل رأس الخيمة وتبعد 8 أميال عن شمال شرق مدينة رأس الخيمة، وتقع على الجانب الجنوبي لخور صغير ومدخله جاف في المياه المنخفضة، وتوجد مستنقعات حول الشاطئ وهناك خور يبعد ميلين جنوب غرب الرمس مفتوح من البحر، ولا توجد أشجار في الرمس ذاتها، وتتكون من 400 منزل معظمها من الطين والحجارة وبعضها من فروع الأشجار .

أما الدكتور عبدالله علي الطابور فكتب عنها في كتابه جلفار عبر التاريخ أنها مدينة مشهورة في التاريخ، وذلك لقربها من مدينة جلفار ولموقعها الفريد على الساحل، وتقع الرمس على خط العرض 25 .52 شمالاً، وخط الطول 56 .01 شرقاً، وكان الاسم القديم للرمس رعمة، وقد ورد ذكرها في التوراة، وربما هي رجمة بوليس التي وردت في الكتابات القديمة، والانجليز يسمونها رامس، أما عن أصل كلمة الرمس فقيل الرمش شاهد القبر، وهي قد تكون كلمة مستمدة من المرامس، أي المجالس، حيث كان الصيادون يجتمعون في هذا المكان ويتبادولون أطراف الحديث .

ناصر محمد المنصوري (58 عاماً، نحال ومزارع، من أهالي الرمس)، يقول كانت الرمس تنقسم إلى 3 أجزاء، الفريج الشرقي والغربي، وفريج الميان، أي الذي يتوسط الفريجين الغربي والشرقي، وكان في كل فريج مسجد جامع وفي فريج الميان مسجد صبور من أقدم المساجد في المنطقة يقدر عمره بمئة عام .

عبدالرحمن أحمد الحرش (70 عاماً)، حياتنا الماضية كانت عنواناً للتعاون فحين يأتي موسم الشتاء ترى المزارع يفزع للصياد ويمدده بالتمور، وفي الصيف ترى الصياد يقدم للأهالي والمزارعين السمك، وحتى صالونة السمك حين يعلم الجار بأن جيرانه لا يمتلكون الإيدام فتتوزع الصالونة عليهم البيت تلو الآخر حتى تكفي كل الجيران تقريباً .

وأوضح عبدالرحمن محمد حنبلوه (85 عاماً) قائلاً إنه منذ أن يبلغ الطفل منا 7 سنوات نجده في البحر أو المزارع يساعد والده ويتعلم منه المهنة، وكنا نحن في البحر، وكل طريقة في الصيد لها أصحابها، فأصحاب العوامل مفرد العاملة، وهي طريقة لصيد الأسماك يستخدم فيها القوارب مثل الشاحوف والبقارة والبيلي، وهي قوارب محلية الصنع كان الجلاليف مفرد جلاف، وهم المختصون بصنع القوارب، يصنعون من خشب الساي المستورد من الهند أو من حطب القرط الموجود محلياً القوارب المختلفة، وتختلف أسماء حطب شجر القرط فمنها السلمان، ومنها العطفة ومنها الميل الصدري . وأصحاب العوامل لا يبتعدون عن الشاطئ كثيراً من كيلومتر إلى كيلومترين عن الشاطئ، وأعدادهم في كل قارب تصل إلى 15 أو 20 شخصاً . ويضيف: اشتهر في المنطقة أبناء الشاعر كجلاليف منهم، حسن ومحمد وعبدالله الشاعر، ومن المعروفين من أصحاب العوامل، فهم بن حمود وغردقة ومنصور ويوسف الشحي وأحمد حنبلوه وعبيد الهنياوي ومحمد خميس الزعابي وعلي محمد بالش وعلي بديوي وجاسم الحبيشي، ومن أصحاب الاسكار، وهو طريقة صيد تستخدم في الخيران فقط، ومرتبطة بالعوامل، ومنهم عبد الرحمن الخراز وعلي بالش وعبدالرحمن حنبلوه .

أما أصحاب القراقير، أي الذين يستخدمون القراقير في صيد الأسماك، وقواربهم ذات شراع ودقل، والدقل عبارة عن خشبة طويلة تشد في وسط السفينة، ويمد عليها الشراع، فمنهم أحمد علي ناصر وسالم جمعة ومايد، ويتكون كل قارب من شخصين إلى 3 أشخاص ويتعمقون في البحر على بعد 15 كليومتراً من الشاطئ، وكل له مهنته بحيث لا يستخدم أصحاب القراقير مهنة العوامل والعكس، أما حالياً فالكل يأخذ مهنة الآخر .

ويقول حنبلوه، أستطيع أن أخمن كم هي أعداد الأسماك في قاع البحر، حسب طريقة تحرك السمك حين تقفز على سطح البحر، ونسمي تحركها بالشيح، فإذا تحركت على شكل مائل ومتكور فيعني أنها مستقرة في المكان، أما إذا كانت تقفز إلى الأمام فيعني أنها غير مستقرة، وفي طريقها للتقدم أكثر، وكذلك يختلف حسب الموسم، فإذا تحركت 10 من الأسماك في الصيف فيعني أن أعدادها قليلة أو تلك الأعداد فقط، أما إذا تحرك ذلك العدد في الشتاء فيعني أن في تلك البقعة أعداداً كبيرة من الأسماك تصل إلى ألف سمكة . ويضيف تختلف الأسماك حسب وجودها في البحر، فمنها الأسماك القاعية، وهي الهامور والشعري والفرش والكوفر والسمان والمعوز والقين والطنبره والبزيمي والصافي والفايض والبدح واليماه والشخيبي، أما الأسماك السطحية، وهي غالباً ما تكون مهاجرة، وتسمى أيضاً الشحاي، أي التي تتحرك كثيراً على سطح البحر، والتي يمكن اصطيادها بالميدار أي السنارة، فهي القباب والكنعد والخباط والجندواح، والضلع والصدا والدردمانة وأنواع الجش مقل الفرو والنعيمية والقرامة والحمام والقرفة .

صالح محمد الشاعر 70 عاماً، وعلي محمد علاو 54 عاماً، قالا إن البحر وأهواله كان يصنع رجالاً، وأغلب أفراد الأسرة كانوا يعملون مع الرجال حيث بعض النساء كن يطرقن، أي يحكن الليخ أي الشباك، وكان يستخدم فيه الغزل الهندي أو الغضف أو الليخ، وكان الصياد يقضي معظم وقته في البحر، ويعود في أول ساعات المساء، أما إذا كان الصيد مساء فيذهب المغرب ويعود في ساعات الفجر الأولى . ويضيف صالح، كان البعض من النواخذة التجار يصدرون التمر ويستوردون الأرز والقهوة والحطب من السواحل الإفريقية، ومن الهند وباكستان، كان أغلب النواخذة يذهبون أولاً إلى عمان حيث يستأجرون رباناً ليدلهم على الطريق باستخدام النالية والديرة، وهي أسماء للبوصلة والخرائط البحرية .

أما عن حدود الرمس فقال علاو: إن من الشمال يحدها البحر ومنطقة خورخوير، ومن الجنوب منطقة ضاية، ومن الشرق منطقة كبدة، ومن الغرب شعبية الشريشة، وكانت تصل حدودها لمنطقة الأقمار الاصطناعية .

وعن الفنون الشعبية التي تمارس في المنطقة فكانت العيالة والآهل، فالعيالة فهي فن شعبي معروف يؤدى في المناسبات الاجتماعية كالأفراح والأعياد، وحين يتم التقاء حاكم أو زوار للمنطقة، أما في الأعراس فيبدأ الرجال فيها منذ العصر إلى بعد صلاة العشاء، وبعدها يبدأ فن الآهل الذي لا يؤدى إلا في الأعراس دون المناسبات الأخرى، ويتكون من صفين من الرجال ينشدون أناشيد أو ما يسمى بالمقامات، وهم وقوف ويظل كل شطر من الرجال يقول قصيدة ويتبادلون الادوار بعدها والبعض يبقى إلى ساعات الفجر الأولى . وقد إندثر ذلك الفن حديثاً، ولم يعد كالسابق .

ومن الذين اشتهروا بالآهل أحمد عبدالرحمن شرباك، وأحمد بن جمعة، وعبدالله عبدالرحمن جمعة، وأحمد البديوي، وعبيد بن سيف، وصالح بن سلطان وصالح الباهي . ا

ما في العيد فقد كان الأهالي بعد صلاة العيد سواء كان عيد الفطر أم عيد الأضحى، يركبون الشاحوف بملابس العيد، ويؤدون يرات الهلمان أي يؤدون حركات جر الشباك ويتغنون بالهلمان، ولكن فقط حركات دون صيد الأسماك، وبعدها يعزمهم النوخذة على قدر من خبيص، وهو نوع من الحلويات الشعبية .

عبدالله محمد الشاعر مواليد ،1935 من أهالي الرمس، وأحد الذين اشتهروا بمهنة الجلافة أو القلافة، يقول: كنت أنا وعائلتي من فريج الميان في الرمس نصنع السفن، ومن الفريج الشرقي محمد إسماعيل، وكان صنع السفن يعتمد اعتماداً كبيراً على نوعية الخشب الذي كان الساي أفضله، ثم خشب المنطيج، ومعظمه يأتي من السواحل الإفريقية، ويضيف، كانت السفن الكبيرة تحتاج إلى عام كامل كصناعة البوم والى أكثر من 5 أساتذة، أما بقية السفن الصغيرة فتحتاج إلى 4 أشهر إلى 5 أشهر، وتتكون من عدة أجزاء رئيسية منها البيص، وهو الحد السفلي للسفنية، والجانب الأمامي من ذلك الحد يسمى الميل الصدري، والخلفي يسمى الميل التفري، وبعد ذلك الحد يأتي المالج أو المالك، وبعده الثاني والثالث إلى أن تكتمل السفينة، وآخر الحد العلوي منها يسمى الشانته والزبدرة، ومن خلف السفينة تأتي الرقعة التي يوضع عليها السكان، وهو عبارة عن قطعة خشب تتصل بمقود يحركها السكوني، وهو المتخصص بقيادة السكان أي المقود، أما الدقل فهي الحطبة التي توضع بشكل طولي بمنتصف السفينة ليضع عليها الشراع، وتعرض عليها حطبة أخرى تسمى الفرمن، أما سطح السفينة فيسمى السطاح يوجد عليه الجاني، وهو غطاء للمخزن أو بطن السفينة، ويسمى خن المحمل الذي يخزن فيه المواد التي تحمل للتجارة .

وتوجد على سطح السفينة بشكل معترض خشبة تسمى المرد، وهي تشكل حاجزاً لمياه الأمواج وعلى جانبيها فتحات يخرج منها مياه الأمواج التي تصعد السفينة كالمرازيب من جهتي السفينة .