ربما يكون ضبط المصطلح أهم خطوة يقوم بها أي باحث قبل أن يخط حرفاً في هذا الموضوع أو ذاك، وهذا ما سأقوم به قبل أن أتتبع الملامح الفنية لمصطلح #187;الرواية الجديدة#171; في سياق كلامي عن الرواية الإماراتية، على الرغم من انحصار وجوده تقريباً في بعض أعمال كاتب واحد فقط، أي أنه لا يحضر على المستوى الإبداعي بالدرجة المتناسبة مع هذه المرحلة من عمر الرواية العالمية أولاً، والعربية ثانياً، لكن هذا أدعى لأن نقدم الدراسات النقدية التي من شأنها أن توجه الأدباء والروائيين خصوصاً نحو الطريق الذي يسير عليه نظراؤهم في أنحاء مختلفة من العالم .
يرى بعض النقاد ومؤرخو الأدب أن تاريخ الرواية العربية الحديثة يقدر بمئة عام تقريباً، وهم يميزون في تطوره بين ثلاث مراحل تاريخية، هي: المرحلة الرومانسية: التي امتدت إلى الثلاثينات من هذا القرن، والمرحلة الواقعية: منذ منتصف الثلاثينات، وامتدت إلى منتصف الستينات، ويمثل نجيب محفوظ نموذجها بامتياز . ومرحلة #187;الرواية الجديدة#171;: التي ابتدأت من منتصف الستينات، انطلاقاً من إعادة تقييم لدور الأدب وعلاقته بالأيديولوجيا وبالسياسة المباشرة، لجهة التعامل مع النصوص بذاتيتها وقيمتها ومميزاتها عن بقية الخطابات الأدبية أو السياسية الأخرى (1) . وتذكر مراجع أخرى أن #187;الرواية الحديثة#171; وهو مصطلح إبداعي ونقدي عالمي، عبّر عن اتجاه في الكتابة الروائية ارتبط بجملة من التحولات التي حدثت عالمياً منذ ما يزيد على نصف قرن قد ظهر عربياً منذ ما يزيد على ثلاثين عاماً . وقد أثار هذا المصطلح الكثير من التساؤلات التي تتعلق بمفهوم #187;الجديد#171; الذي يتضمنه، إذ قالوا إنه معيار زمني متحرك، وإن #187;جديد#171; اليوم سيغدو #187;قديم#171; الغد (2) . وإذا كان مصطلح #187;الرواية الجديدة#171; مرتبطاً بطبيعته بالبعد الزمني، فإنه قد تجاوز الزمن الذي كُتبت فيه الروايات التي أطلق عليها، ومن ثم فإنه اقترب إلى أن يعبر عن اتباع نهج أو أسلوب مختلف، أو صيغة مغايرة تقتحم مكونات صيغة الكتابة الروائية السابقة، من أن يعبر عن مرحلة زمنية ألفت فيها تلك الروايات . وليس مقياس النقد استخدام الكاتب تقنيات سردية جديدة، وإنما رؤيته للعالم التي تحطط طريقة استخدام التقنيات السردية وإمكانات الإفادة منها (3) .
وللتخلص من هذه الإشكالية اقترح أحد النقاد استبدال مصطلح #187;الرواية الآن#171; بمصطلح #187;الرواية الجديدة#171;، حيث سيكون أكثر تحديداً من وجهة نظره، ونكون أقدر على تحديد ما إذا كانت هناك سمات وملامح تميزها أم لا (4) . ويبدو لي أن الخوض في تفاصيل الآراء الخلافية بين فريقي (مع و/أو ضد) لن يضيف كثيراً إلى هذه الورقة، وقد سبقني إلى ذلك آخرون، في ما كتبوه غناء .
في ما يتعلق بالتحديد الزمني، يرى بعض النقاد أن هناك من يطلق هذا المصطلح على الروايات التي كُتبت في العشرين سنة الأخيرة، بينما يحلو لفخري صالح أن يطلقه على الروايات التي كُتبت في الستينات والسبعينات! (5) . ومن زاوية أخرى، يرى البعض أنه لا يمكننا أساساً الحديث عن رواية عربية جديدة، إلا إذا كانت المجتمعات العربية قد عرفت كما عرفت المجتمعات الأوروبية في القرن الثامن عشر التقدم العلمي، وتحدي الموروث، ونقض السلطة، والدعوة للاعتقاد بالعقل في التعامل مع الأطروحات الفكرية والاجتماعية والسياسية . ومن ثم، لا يمكن قياس مصطلح الرواية العربية الجديدة، على مصطلح #187;الرواية الجديدة#171; في منتصف القرن الماضي في فرنسا، لأن لتلك زمانها وظروفها وكتّابها وقرّاءها، ولها أيديولوجيتها الخاصة المنبثقة من ذيول الحرب العالمية الثانية (6) .
وهناك إشكالية أخرى، وإن كانت أقل حضوراً من السابقتين، وهي أن هذا المصطلح لا يعبر عن تقنيات سردية بقدر ما يعبر عن فكر الروائي ووعيه، وهما في النهاية غير منفصلين، إلا أن رواد #187;الرواية الجديدة#171; دعوا إلى نبذ النموذج الروائي الذي كان سائداً، الذي كان يوغل كثيراً في تدوين الحدث من خلال السرد التقليدي أو الواقعي، ويميل إلى الفلسفة على حساب الجسد الفني للنص الروائي، وكذلك تبني أفكار ورؤى أنتجتها ثقافة مجموعات أو طبقات لها سطوتها في المجتمع (7) . وعلى الرغم من عدم محاولة رواد #187;الرواية الجديدة#171; إيجاد تقنيات خاصة بها، إلا أن #187;الرواية الجديدة#171; حاولت استخدام عدد من الوسائل كي تحقق هدفها وتتجاورز القصة الواقعية وفن الراوي .
التجربة الإماراتية
في البداية، نؤكد ما ذهبنا إليه أعلاه، من عدم وجود تحديد زمني مُجْمَعٌ عليه لمصطلح #187;الرواية الجديدة#171; عربياً، لكننا إن أخذنا بالرأي القائل إنها الرواية التي صدرت عربياً خلال الثلاثين سنة الأخيرة، نجد أن الرواية الإماراتية في مجملها تقع زمنياً ضمن حدود هذا المصطلح، ولكن هل تحمل الرواية الإماراتية ملامح #187;الرواية الجديدة#171; بحسب ما عرضناه أعلاه، أو شيئاً من تلك الملامح؟ هذا هو السؤال الذي يهمني أن أنطلق منه في تناولي لهذا الموضوع .
سأكون جريئة نوعاً ما وأعلن بداية ورقتي هاته أن الرواية الإماراتية على الرغم من كونها زمنياً تندرج ضمن حدود #187;الرواية الجديدة#171;، إلا أن معظمها، على المستوى الفني، يتوزع ما بين #187;الرواية الرومانسية#171;، و#187;الرواية الواقعية#171; . ليس هذا تجنياً على المنجز الروائي الإماراتي، بل هي محاولة لوضعه في موضعه الصحيح، من دون تزييف أو مجاملة . ولعل هناك استثناء واحداً يمكن أن تمثل بعض أعماله الروائية توجهاً نحو #187;الرواية الجديدة#171;، وهو علي أبو الريش . وقد اخترت هذه الرواية تحديداً لما لمسته من نسب بينها وبين ما يمثله مفهوم #187;الرواية الجديدة#171; من جهة، ومن جهة أخرى، فإن هذه الرواية من الروايات الحديثة لكاتبها، وهذا يعني أنها تمثل بشكل أو بآخر مرحلة متقدمة من مراحل النضج الفكري لديه . أما الكاتب نفسه فقد وقع عليه الاختيار لأنه أغزر كتّاب الرواية الإماراتية إنتاجاً، أي أنه صاحب مشروع فكري وأدبي .
أما رأيي بخصوص وقوف الرواية الإماراتية عند الواقعية من بعد تجاوزها الرمانسية وعدم دخولها مرحلة #187;الرواية الجديدة#171; فهو مبني على أسس واضحة، أهمها أن من يتتبع الإنتاج الروائي الإماراتي، ويقرؤه قراءة ناقدة فاحصة سيجد أنها إما كانت تعود إلى الماضي، تمتد رأسياً فيه، وتقدم التاريخ بقالب حكائي وليس روائياً دائماً أو تبقى في الحاضر، تنتشر أفقياً فيه، وتقدم رأيها وأحياناً نقدها للواقع، أو للإشكالية التي تدور حولها الرواية، لكننا لا نجد غالباً استشرافاً للمستقبل، ووعياً ورؤية جديدة للعالم تتوافق مع التغير الذي يحدث في كل لحظة للعالم من حولنا . وليست الرواية الإماراتية ولا الروائيون الإماراتيون ملومين في ذلك، فعمر الرواية الإماراتية لا يتجاوز الأربعين عاماً، وهي فترة زمنية قصيرة نسبياً مقارنة بعمر الرواية العربية على سبيل المثال، وقصيرة جداً إذا ما قورنت بعمر الرواية العالمية . ومن ثم، لا يمكن أن تصل الرواية الإماراتية في هذه الفترة القصيرة إلى ما وصلت إليها نظيرتها العربية أو العالمية في تلك الفترات الأطول .
وتذهب الباحثة فاطمة خليفة إلى أن بعض الروائيين الإماراتيين حاولوا القفز على المراحل الطبيعية التي يجب عليهم المرور بها حتى تصل نصوصهم إلى الأشكال الفنية المتطورة، مجارين بذلك النقلات السريعة الجارية على مستوى التطوير العمراني والمؤسساتي في وطنهم، فجاءت تجاربهم الروائية غير متناسبة مع طبيعة التطور الفكري والاجتماعي ومستوى الخطاب الثقافي ذاته . وترى أن ظهور الأشكال الفنية، كالرواية التجريبية والرواية الرمزية والرواية المعاصرة، في فترة قصيرة من الزمن جعل الرواية الإماراتية المعاصرة، على الرغم من تعدد أشكالها الفنية، غير ناضجة، حتى داخل أشكالها التي وردت فيها . وكان ممن ذكرتهم في هذا السياق: علي أبو الريش، في #187;نافذة الجنون#171;، و#187;ثنائية مجبل بن شهوان#171; و#187;سلايم#171;، وثاني السويدي في #187;الديزل#171;، ومنصور عبدالرحمن في #187;ابن مولاي السلطان#171;، وكريم معتوق في #187;حدث في استنابول#171; .
ومن جهة أخرى، فإن الرواية هي ابنة المجتمع المديني، ولم يكن مجتمع الإمارات قبل الاتحاد مدينياً، وهذا يعني أنه عندما بدأ المجتمع المديني يظهر ظهرت الرواية (8)، ثم أخذت تتدرج في مراحلها الطبيعية، وسيكون من غير الطبيعي أن تقفز على هذه المراحل أو بعضها، وتواكب ما يحدث شرقاً أو غرباً، وهي في طور ظهورها ونشأتها . كما يمكن أن نزعم أن نموها جاء بطيئاً .
وإلى جانب بطء نمو الرواية الإماراتية، نلاحظ أيضاً شُحاً في الإنتاج من الكتّاب الذين يغلب عليهم إصدار رواية واحدة ثم الصمت المطبق بعد ذلك، أو كما يصفهم أحد النقاد الذي يرى أن هذا تقاعس من جانب الروائيين الإماراتيين ليس له تعليل مقبول، حيث يقول: ونحن إن استثنينا الروائي علي أبو الريش الذي أنتج إحدى عشرة رواية لاحظنا أن الكثرة الكاثرة من الروائيين الإماراتيين من أصحاب الواحدية، أي أحدهم ينتج نصاً روائياً واحداً ثم يصمت عن الإنتاج الروائي . وهذا يصدق على راشد عبدالله نفسه صاحب أول رواية إماراتية فقد أصدر رواية #187;شاهندة#171; عام 1971م، ولم يتبعها بأي نص روائي آخر، بحيث يستطيع الناقد ملاحظة التطور في أدواته الفنية (9) .
إذاً، يمكن أن نزعم أن غضاضة التجربة الروائية في الإمارات، ودعم وجود وعي فكري بالمشهدين الواقعي والروائي لدى الروائيين الإماراتيين، وعدم وعي كثير منهم للفرق بينهما، وعدم امتلاك عدد كبير منهم للغة، ونقصد هنا السلامة اللغوية بالدرجة الأولى، ثم الجمال اللغوي، حيث نجد كثيراً من النصوص الروائية المطبوعة التي لا تمت للغة الأدب بأدنى صلة، وعدم وجود أمور كثيرة، كل ذلك نزعم أنه السبب في بطء نمو الرواية الإماراتية، وبقائها دائرة في فلك النماذج القديمة التي تجاوزتها نظيرتها العربية والعالمية منذ زمن بعيد.
نموذج #187;زينة الملكة#171;
ربما يميل بعض الباحثين إلى تصنيف علي أبو الريش بوصفه كاتباً واقعياً نقدياً قلباً وقالباً، وهذا ما يمكن أن ينطبق بالفعل على عدد من رواياته، حيث يكون مشغولاً فيها بهاجس طاغ يحثه على أن يقدم نصاً روائياً واقعياً حياً، من خلال جملة من الأحداث المستقطبة من ذاكرته الزاخرة بالصور الحياتية والمواقف الإنسانية الشجية غالباً . وقد التزم علي أبو الريش ككاتب، النهجين الفكري والفني اللذين اختارهما لنفسه، وهما ضمن تجربته الإبداعية متداخلان يغذيان بعضهما فكراً وفناً .
وقد وقع الاختيار على رواية #187;زينة الملكة#171; نظراً لما لمسناه من ملامح مشتركة بينها وبين مفهوم #187;الرواية الجديدة#171;، سواء من حيث المضمون أو من حيث الشكل الذي جاء معبراً عن هذا المضمون . وإذا كانت #187;الرواية الجديدة#171; تعبير فني عن حدة الأزمات المصيرية التي تواجه الإنسان، ساعية إلى تأسيس ذائقة جديدة أو وعي جمالي جديد، فإن رواية #187;زينة الملكة#171; خير مثال إماراتي على ذلك، فهذه الرواية تمثل حالة #187;أزمة#171; نفسية تعيشها البطل زينة، التي ترى الكون من خلال خيمتها وساكنيها، وهم زوج فارقها منذ زمن غير بعيد، وبعض القطط، والكلب الوفي (فهد)، الذين تمارس معهم دور الأمومة المفقودة، فتهتم بطعامهم وتتفقد أحوالهم، وتكاد تنسى نفسها وحاجياتها في خضم إنشغالها بذلك الزوج الذي لا يهتم بشأن من شؤون الحياة، وتلك الحيوانات التي لم تعوضها عن أمومتها المفقودة فقط، بل رأت فيها خير بديل عن البشر خارج خيمتها، الذين لم تستطع التآلف معهم قط .
#187;الرواية الجديدة#171; لا تعالج موضوعات محددة، وتختفي فيها البطولة والأبطال، ويكاد يتلاشى الإنسان أو يتحول إلى مجرد اسم أو رقم أو شيء أو صوت أو ضمير، لكنها ترسم من خلال ذلك إشارات الاستفهام الناصحة بالاحتجاج على أوضاع الإنسان العربي المتردية . وهذه سمة متحققة في #187;زينة الملكة#171;، حيث يمكن القول باطمئنان إنه لا يوجد موضوع محدد لهذه الرواية، فهي تطرح أفكاراً عدة في وقت واحد، وبدرجات متفاوتة من العمق، ولا يمكننا الزعم أنها تتحدث عن هذا الموضوع أو ذاك على نحو مطلق، فزينة هذه الشخصية المنسحبة من عالم البشر إلى عالم الحيوان تشعر بنفور فطري من البشر، مما جعلها تنسحب كلياً إلى عوالم حيواناتها الأليفة، محاولة استبدالها فعلياً بالكائنات البشرية المحيطة بها، التي لا تشعر أنها نقية وطاهرة وبريئة ووفية كقططها وكلبها . وفي جانب آخر نجدها تطرح إشكالية التطور العمراني على حساب التخلف الأخلاقي، وتقدم عدة مقارنات بين الأخلاق والمال وتصل إلى عكسية العلاقة بينهما، جاء في الرواية على لسان الرواي مثلاً: #187;ذاكرة زينة خصبة إلى حد النزيف، تنظر إلى بيت #187;أبي أحمد#171; فيأتي النداء ملبياً النداء، مخضباً بزرقة الأيام الخوالي، وحمرة التراب الذي لم يُلوِث بأسمنت اللهاث الأخيرة . .#171; ص ،16 كام تطرح الرواية فكرة الوطن/ الأم، كما في كلامه على يوسف الراوي: #187;رجل التفت إلى زينة وقرأ في ملامحها صورة أمه التي عشقها حتى الوجد، فصارت هذه المرأة بعد غياب أمه سكينته وملاذه#171; ص ،13 كأن الأم هنا هي رمز الوطن، والكثير من الأفكار .
ولكن يلاحظ القارئ أن الأفكار المطروحة في الرواية تنطلق في مجملها من شخصية #187;زينة#171; الأمية، التي لا تكاد تحفظ شيئاً من القرآن، مما يجعل القارئ غير متقبل لهذا التناقض الصارخ بين مستوى الشخصية الاجتماعية والتعليمي، ومستوى لغتها وفكرها . بالطبع يمكن لشخص أمي أن يطرح أفكاراً فلسفية في غاية العمق، من دون أي دراية بالمصطلحات والتصنيفات وغيرها، إنما من خبرته الحياتية فقط، لكن #187;زينة#171; شخصية لم تحتك كثيراً بالبشر، ولم تتح لها فرصة اكتساب خبرات حياتية من أي نوع، سوى تلك المقارنات الفارقة التي تقيمها بين سلوكيات بعض البشر حولها وحيواناتها الأليفة، ويبدو من الظروف الزمانية والمكانية المحيطة بها أن اللغة التي تستخدمها، أو التي كان يستخدمها زوجها يوسف الراوي، غير متناسبة مع هاتين الشخصيتين، فهي لغة تكاد تكون مغرقة في الشعرية، تتضمن الكثير من الصور الفنية من تشبيهات واستعارات وكنايات، وهو ما يمكن أن يكون مقبولاً بحدود معقولة، أما الإغراق فيها فأجده ينقلب إلى الضد .
وإذا كانت شعرية اللغة ملمح مهم من ملامح #187;الرواية الجديدة#171; فإن لغة #187;زينة الملكة#171; تفصح منذ البداية عن شعرية اللغة من جهة، وشعرية الرؤية التي تقدم من خلالها الأحداث والشخصيات من جهة أخرى، كما يكشف السرد الروائي عن مستويين من مستويات الرؤية هما مستوى الراوي المحايد الراوي المشارك، وفي المستوى الثاني نستطيع معرفة الشخصية المحورية/ زينة من الداخل ومعرفة طبيعة سلوكها . كما نجد نوعاً من التطابق بين رؤية الراوي المشارك ورؤية الشخصية المحورية، ونتعرف إلى حقيقة الشخصيات الأخرى من خلالهما كما نعيش معهما الأحداث المروية . ولعل ما يميز وجهة نظر تلك الشخصية المحورية هو ثباتها لا سيما على صعيد علاقتها بالعالم الذي تعيش فيه . وإذا كانت معاناة زينة الحقيقية تبدأ بعد رحيل زوجها يوسف الراوي الذي كان يملأ عالمها بالحب والدفء واللذة والمعاني الإنسانية بسبب ما تتميز به شخصيته من دماثة وانبساط وفحولة على الرغم من فقره الشديد، فإن غياب هذا العزاء يجعلها تنسحب من العالم الخارجي إلى عالمها الداخلي الذي يمور بذكريات الماضي الدافئ والأحلام والمشاعر الحزينة التي تكشف عن علاقة غربة وانقطاع وعداء متبادلة مع المكان الذي فقد ملامحه القديمة مع نشوء العمارات الجديدة .
وقد اعتمدت هذه الرواية على التداعي الحر بدرجة كبيرة، وهو ملمح مهم من ملامح #187;الرواية الجديدة#171;، وقد تراوحت طريقة طرح الأفكار فيها ما بين الحلم، والتذكر أو استدعاء الماضي، والمونولوج الداخلي، ويحضرني هنا قول أحدهم عن رواية (الغرفة 357) لعلي أبو الريش أيضاً، وهو أنها #187;تكاد تكون مونولوجاً داخلياً واحداً من أول الرواية وحتى نهايتها، يفيض بالوعي العام، فتأتي الرواية منطلقة من الوعي ومنتهية إليه#171; (10) . إذ تبدو لي هذ الرواية كأنها مونولوج داخلي متواصل من بدايتها إلى نهايتها . أما الأحلام فقد تنوعت ما بين أحلام حقيقية وأحلام يقظة، ككلامها على النوخذا الذي كان فارس أحلام مراهقتها الساذجة .
وتمثل التداعي الحر كذلك من خلال انثيال الذكريات غير المنتظمة أو المرتبطة ببعضها، وذلك على امتداد الرواية، فهي تتذكر مرة تلك المرأة وابنها المفقود الذي غرق في البحر ورفضت تصديق ذلك، واستعانت بالرجل المشعوذ الذي تظاهر بأنه رجل دين كي ينهب ما تملكه وما استطاعت أن تجمعه من صديقاتها وجاراتها المتعاطفات معها (ص 61) .
كما تذكرت على نحو فجائي عمتها فطوم التي كانت وحيدة، وتعيش على مهنة صعبة على غيرها ولكن يبدو أنها كانت سهلة عليها، وهي رعي أغنام الآخرين، وتذكرت مرض هذه المرأة البائسة، وكيف أن جميع نساء الحي قمن برعايتها حتى تتعافى وتعود سريعاً إلى دورها في رعي الأغنام والهبوط بها ما بين الجبال والشعاب والوديان، وهو الأمر الذي لا تطيقه أي منهن (ص 81) .
ومن خلال هذه الذكريات المتداعية نلاحظ أن العنصر البشري يظهر فيها كلها مشوهاً، قيحاً، ابتداء من رجل الدين المشعوذ الذي لم يكن له أي صلة بالدين، بل كان محتالاً لا هم له سوى جمع المال حتى لو على حساب المرأة
المدفوعة بعاطفة الأمومة التي كانت مستعدة لدفع روحها ثمناً لعودة ابنها، ثم أمها التي ظهرت في هذا الموضع فقط، ولكنها ظهرت كأنها خالية من الرحمة، لم تتأثر بموت قطتها التي كانت تحبها حباً جمعاً، ثم جارات عمتها فطوم اللواتي كن يعملن على رعايتها باهتمام، لكن ليس من أجلها بل من أجل أنفسهن وراحتهن، وإن لم تكن عمتها فطوم تؤدي لهن هذه الخدمة بمقابل طبعاً لما كن اهتممن بها إلى هذا الحد .
الهوامش
* جزء من ورقة مقدمة إلى ملتقى الشارقة التاسع للسرد
** جامعة الإمارات
(1) فاطمة خليفة أحمد، نشأة الرواية وتطورها في دولة الإمارات العربية المتحدة، إصدارات المجمع الثقافي، أبوظبي، ط ،1 ،2003 ص 115 - 116 .
(2) أحمد جاسم الحسين، الرواية العربية الجديدة وخصوصية المكان: قراءة في روايات رجاء عالم، مجلة جامعة دمشق، مج ،25 ع1 و،2 ،2009 ص 110 .
(3) هبة ربيع، الرواية الجديدة بعد كلاسيكيات نجيب محفوظ، الشرق الأوسط، 18/7/2010 .
(4) شوقي عبدالحميد يحيى، الرواية الجديدة في مصر، مقالة إلكترونية، موقع الروائي .
(5) تركي الشتري، مطالعات: في الرواية العربية الجديدة، موقع الإسلام اليوم، 13/5/2012 .
(6) موريس أبو ناضر، محمد برادة يراهن على التجديد الروائي، الحياة، 30/6/2011 .
(7) عزيز التميمي، كلود سيمون والرواية الجديدة، عالم الكتب العربية .
(8) سمر روحي الفيصل، الرواية الإماراتية: تعريف ونقد، مجلة الرافد، الشارقة، ع (27)، مارس ،2012 ص 20 .
(9) سمر روحي الفيصل، الرواية الإماراتية: تعريف ونقد، مرجع سابق، ص 25 .
(10) ممدوح محمد حقي، فضاء الوعي: الغرفة 357 لعلي أبو الريش نموذجاً، مجلة الرافد، دائرة الثقافة والإعلام، الشارقة، 2010 .