بغداد ــ زيدان الربيعي:
شهدت الرواية العراقية بعد عام 2003 والتي وصلت أو اقتربت من 500 رواية لكتّاب قدامى أو لروائيين جدد برزوا بعد العام المذكور أن تقترب من الأحداث والمتغيرات التي حصلت في الشارع العراقي، وخير دليل على ذلك حصول رواية «فرانكشتاين بغداد» للروائي العراقي أحمد سعداوي على المرتبة الأولى لجائزة «البوكر» العربية لعام 2014، فضلاً عن بروز أسماء بعض الروائيين العراقيين في الساحة العربية.
«الخليج الثقافي» استطلع آراء بعض الروائيين العراقيين وأحد النقاد حول الرواية العراقية ومتابعتها لمستجدات المتغيرات في العراق.
ترى الروائية أطياف سنيدح أن الرواية العراقية مرت بمراحل مهمة جداً خلال السنوات الأخيرة، وقدمت نماذج مهمة وناجحة من الأعمال المؤثرة محلياً وعربياً، وقالت إن الروائيين العراقيين قدموا للثقافة العراقية أعمالاً مهمة في مجال الرواية وهناك تفاوت نسبي بين رواية وأخرى، وبين كاتب وآخر، لأن هناك بصمات واضحة وكبيرة لبعض الكتَّاب في مجال الرواية، حيث يوجد نوع من التعددية عند الكاتب العراقي في مجال الرواية والتي من خلالها تمكن من إثبات مكانته وجدارته لاسيما أن الظروف الحالية جعلته يستطيع تقديم الأفضل، وذلك بسبب اختفاء الرقيب السلطوي.
وأضافت أن الرواية العراقية دائماً تقدم نماذج جديدة ومهمة ولكن ما يحسب عليها أنها ما زالت مختنقة بدخان الحرب، وكذلك بالاختناقات السياسية التي تغطي على الأمور الاجتماعية التي يفترض أن تركز عليها الرواية العراقية الآن، وأيضاً في المستقبل حتى يطلع المتلقي العراقي وكذلك العربي على حياة العراقيين بمختلف مفاصلها.
ودعت سنيدح الروائيين العراقيين إلى أن يسلطوا الضوء على الحياة الاجتماعية في العراق بدلاً من تركيزهم على الحرب وويلاتها الكثيرة، «لأن هناك كثافة واسعة من الكتاب في مجال الرواية، ولديهم القدرة في الكتابة عن المجتمع العراقي، لكن هؤلاء أخذوا يبتعدون عن الحديث عن المجتمع العراقي وركزوا في كتاباتهم على الأشياء التي تخدم الساحة العربية أكثر من كتابتهم عن السلطة العراقية، لأنهم يبحثون عن الشهرة في الساحة العربية، كونها ساحة مميزة وتجعلهم في تنافس مع الروائيين العرب».
وشددت سنيدح على أن الرواية العراقية كلما ناقشت الوضع الاجتماعي في العراق وابتعدت عن الحرب والإرهاب والعنف كانت أفضل ووصلت إلى المتلقي العراقي والعربي بشكل جيد.
وأشارت إلى أن الأعمال الروائية العراقية التي صدرت بعد عام 2003 كانت شريكة للمؤرخ العراقي في توثيق تلك السنوات العجاف التي مرت على العراقيين، والدليل على ذلك حصول رواية زميلنا الروائي العراقي احمد سعداوي على جائزة «البوكر» العربية في عام 2014 عبر رواية «فرانكشتاين بغداد» وهذه الرواية وثقت بعض ما جرى للعراق بعد عام 2003.
وقالت: «إن صدور نحو 500 رواية عراقية بعد عام 2003 دليل على أن الرواية العراقية كانت حاضرة ومؤثرة في مناقشة وتوثيق ما جرى للعراق من أحداث مختلفة، ولكن أغلب الروايات طغى عليها تناول الحرب والتهجير والإرهاب والقتل».
وقال الروائي حميد الربيعي: «الرواية العراقية استطاعت بعد التغيير الذي حصل في العراق بعد عام 2003 أن تؤكد نفسها من خلال التصاقها المباشر بالحدث العراقي اليومي أو بالحدث السياسي وكذلك بالحدث الاجتماعي والمتغيرات التي طرأت في هذا الإطار. وعليه أعتقد أن المتغيرات الكثيرة في هذا الإطار، لاسيما ما يخص المتغيرات التي حلت بمعيشة وتحركات وتطلعات الإنسان العراقي، جعلت الروائي العراقي يلاحق تلك المتغيرات ويضعها في سردياته الحديثة والتي تطورت كثيراً في البناءات الفنية والأساليب».
وأضاف الربيعي: «لرواية العراقية بكل تجلياتها سواء كانت تلك التجليات سياسية أو اجتماعية وحتى تلك التي تتعلق بالتاريخ العراقي المباشر أو القريب من خلال الحروب أو النكسات التي لحقت بالمواطن العراقي استطاعت أن تكون قريبة جداً من الحدث العراقي المعاصر، لاسيما تلك الأحداث الجسام التي مرت على العراقيين بعد عام 2003».
وأشار إلى أن الرواية لا يمكن أن تنقل الحدث مباشرةً، ولا يمكن لها أن تنقل الحدث مثلما ينقل التقرير الإخباري اليومي، إنما الرواية تحتاج إلى أن تختمر فيها الأحداث من خلال بعد زمني، من خلال فكر معين ومن خلال هذا الإطار أستطيع الجزم أن الرواية العراقية بدأت تنقل هموم المواطن العراقي وكذلك بعض الأحداث في المدن العراقية، فضلاً عن ذلك هناك أسماء روائية جديدة بدأت تفرض نفسها وتترسخ في ذاكرة المتلقي العراقي وحتى العربي ومن أبرز هذه الأسماء أحمد سعداوي، خضير فليح الزيدي، محمد علوان جبر، سعد محمد رحيم، ضياء الخالدي وغيرهم.
ويرى الروائي والقاص العراقي خضير فليح الزيدي أن الرواية الجديدة في العراق استطاعت إعادة قراءة التاريخ العراقي المعاصر برؤى جديدة، وأيضاً بصياغات أدبية وسردية جديدة، كما حدث للرواية الفرنسية ما بعد الاحتلال الألماني، إذ حدثت ثورة روائية في فرنسا وأعتقد أن العودة إلى تاريخ فرنسا قد أخذ من خلال الرواية الفرنسية الجديدة، والآن الشيء ذاته يحدث تقريباً مع الرواية العراقية الجديدة، لأنها أخذت كل الأحداث التاريخية المعاصرة وقد أعادت قراءتها سردياً، وهذا الموضوع هو الأهم، لأن الرواية استطاعت إعادة قراءة التاريخ سردياً، والتاريخ هو سردية كبرى. لذلك استطاعت الرواية رؤية التاريخ بعين روائية راصدة لكل الأحداث السياسية والاجتماعية، وكذلك تطرقت إلى ما حدث قبل ذلك العام وأيضاً ما بعده، وأعتقد أن الرواية العراقية بانفجارها الكمي فيها الكثير من التاريخ العراقي المنسي أو غير المدون، حيث استطاعت أن تحاكي هذا التاريخ وتوثقه أدبياً وسردياً.
الناقد العراقي علي حسن الفواز قال إن ما يميز الرواية العراقية الجديدة هي أنها اقتربت من اليومي واقتربت من الهامشي، واقتربت من السياسي واقتربت من الأمني بمعناه الإنساني. مشيراً إلى أن هذا الاقتراب خلَّص الرواية من الكثير من النمطية الواقعية «وأعني هنا روايات ستينات وسبعينات القرن المنصرم، فمثلما أن هذه الرواية قد قللت إلى حد ما من هامش التجريب في مشغلها السردي على طريقة رواية الستينات، بدأت هذه الرواية الأقرب إلى الواقع بوصفه أزمة الإنسان، إذ إن الواقع لم يطرح كواقع لصراع اجتماعي أو صراع سياسي بقدر ما أن الواقع قد طرح في هذه الرواية بوصفه مقابلاً لأزمة الإنسان النفسية، أزمة اضطرابه، أزمة خوفه، أزمة اغترابه، أزمة انهيار سردياته الكبرى إن كان على مستوى الوعي القومي أو كان على مستوى الوعي الوطني أو كان على مستوى الوعي الأيديولوجي أو الوعي السياسي».
وأضاف الفواز أن هذه الانهيارات وجد فيها الروائي العراقي بشكل خاص نفسه أمام اغتراب آخر هو اغتراب داخلي، هذا الاغتراب ربما دفعه لأن يبحث عن إيقاعات لم تكن مألوفة والدليل على ذلك عندما نقرأ روايات لعلي بدر، ناظم محمد، أحمد سعداوي، عباس لطيف وحتى الروايات الجديدة لروائيين من الحقبة الستينية مثل أحمد خلف، عبد الخالق الركابي فإننا نجدها تعيش هذا الهاجس، هاجس الملاحقة، هاجس المطاردة، هاجس أن البطل بدأ يصطدم بالواقع ليس بوصفه واقعاً سياسياً مثلماً كان مألوفاً في العراق في العقدين الستيني والسبعيني من القرن المنصرم، بل هو واقع نفسي مأزوم وهذا الواقع بكل انهياراته، بكل تداعياته خلق إيقاعاً سردياً جديداً وأنتج شخصية سردية جديدة، أيضاً أوجد مكاناً وزماناً لسردية جديدة، وربما بدأ الروائي يحاول أن يبحث في التاريخ عن بطل يماثله في التاريخ السردي.
وقال الفواز إن الرواية الأخيرة لأحمد خلف التي صدرت مؤخراً بعنوان «تسارع الخطى» هي أيضاً تبديل كامل في إيقاع روايات أحمد خلف، لأنها تتحدث عن شخصية البطل الملاحق من الأوهام بدلاً ما كان البطل في السابق ملاحقاً من السلطة، أما الآن فهو ملاحق من أشخاص آخرين يحاولون خطفه لأسباب تافهة جداً وهذه الأسباب تكاد تكون شبه يومية في حياة العراقيين وهذا التبدل إلى حد ما يمثل واحداً من الملامح الإيجابية الجديدة في الرواية العراقية، الرواية التي بدأت تفتح آفاقاً جديدة وأظن أن هذا التحول السردي في الرواية وكذلك في وجهات النظر ربما أعطى هوية جديدة للرواية العراقية.