تحت عنوان رواية السجن العربي يذكر التقرير العربي الثاني للتنمية الثقافية الصادر عن مؤسسة الفكر العربي أسماء خمس روايات عربية صدرت في عام 2008 تدور فضاءاتها في/ أو حول عالم السجن، خمس روايات في عام واحد تتناول الموضوع نفسه مؤشر مهم حول أهمية السجن كمكان يعبر عن أفكار عدة يريد المبدع توصيلها إلى المتلقي، وربما توضح إلى أي مدى يتعاطى المثقف العربي مع هذا المكان والذي تحول في الكثير من المنتج الروائي العربي إلى أفق يطرح من خلاله مفاهيم عن التحرر والتعاطي معم أنواع السلطة كافة: اجتماعية كانت أم سياسية.

في رواية فرج لرضوى عاشور تورد الرواية حكاية عن امرأة إسبانية اعتقلت أثناء حكم فرانكو وحبست في سجن انفرادي، نشأت بين هذه المرأة وذبابة صداقة جعلتها تحكي للذبابة عن نفسها وزوجها وأولادها.

ما يميز رواية عاشور محاولتها تحويل السجن إلى ملحمة مقدرة على المثقف العربي، الرواية تناولت ثلاثة أجيال: الأب اليساري الذي يعتقل في مصر الستينيات، الابنة الراوية تسجن في عهد الرئيس السادات لتمسكها بالأفكار الناصرية، الأخ وهو بمثابة الابن للبطلة يدخل السجن نتيجة لاشتراكه في تظاهرات تندد بالغزو الأمريكي للعراق.

الأجيال هنا معاقبة والأفكار مختلفة ولكن السجن قائم بذاته في الرواية، لا مفر منه حتى لو عبر الإنسان عن مشاعر قومية يمس بها من دون أية خلفيات إيديولوجية نموذج الأخ الأصغر. الرواية تتجاوز الخيال إلى الواقع، ربما قرأنا خلالها عن تجارب معروفة لمثقفين مصريين قضوا سنوات طويلة في هذا السجن أو ذاك، وأحياناً نفاجأ باسم مشابه لاسم أحد المثقفين ونعرف من حكايته أنه المثقف الذي تقصده رضوى عاشور بالتلميح.

بطلة الرواية ندى عبدالقادر تحلم بتأليف كتاب يرصد أبرز تجارب السجن في العالم بأكمله، فبالإضافة إلى الرمز الدال الذي تورده عن حديث المرأة الإسبانية مع الذبابة في السجن، سنجد شهادات وتجارب لمثقفين آخرين، عرباً وفرنسيين، حول تجربتهم مع السجن، القليل منهم استطاع العودة إلى ممارسة حياته الطبيعية، أما الأكثرية فأصيبت بالاكتئاب والانسحاب من العمل العام وربما الانتحار، وحتى البطلة نفسها تظل بعد تجربة السجن عاكفة على تربية أخويها الصغيرين، عازفة عن الزواج.

اسم الرواية فرج يرتبط بحكاية توردها عاشور في الفصل الأخير، في أحد السجون العربية يستقبل السجناء سرباً من الحمام البري الذي يبني له أعشاشاً في سقف السجن، تمور داخل السجناء مشاعر متضاربة، فالحمام لدى البعض رمز السلام والسكينة، بينما أشار فريق آخر إلى أن الحمام البري لا يسكن سوى المقابر والأطلال والأماكن المهجورة، أما الفريق الثالث فتوجس خيفة من أن تجذب أفراخ الحمام الثعابين، بعد فترة يهجر الحمام أعشاشه تاركاً أحد الفراخ الصغيرة ولم يعد يشغل السجناء إلا تربية هذا الفرخ وإطعامه وتعليمه الطيران، ومن ثم إطلاقه من السجن، ولكنه لا يلبث أن يعود بعد فترة ويبني عشاً جديداً له في السقف، ويخلف أجيالاً أخرى من الحمام.

وإذا كان السجن في رواية عاشور مكان غير مرغوب فيه ورمزاً للطغيان والاستبداد، فإنه لا يكتمل إلا بسجن آخر يكمل الشق الثاني من المعادلة التي يراوح حولها الفكر العربي الحديث، ونعني به الاستعمار. في رواية معذبتي لبنسالم حميش يجد البطل حمودة نفسه في أحد السجون من دون أية جريرة، إنه سجن تشرف عليه امرأة أمريكية يقع في قطر عربي، من دون تحديد، نجد فيه نماذج من المثقفين العرب من شتى الاتجاهات، فضلاً عن مقاومين لأمريكا ومئات من البسطاء، ترتكب فيه أفعال تذكرنا بسجن أبو غريب في العراق.

الرواية المكتوبة بلغة كلاسيكية ساخرة والتي تمتلئ بمشاهد وحوارات تذكرنا بغازي القصيبي، تحاول أن تكون ناقدة وجارحة للواقع العربي، فحمودة يطلق سراحه من دون أي سبب وجيه، حمودة هنا يمثل شخصية العربي العاديد المتحذلق والذي هو كثيراً يفهم كل شيء والمعرض للغزو والاعتقال في أي وقت.

فرج ومعذبتي نموذجان يتكرران كثيراً في رواية السجن العربية، الصوت في الأولى يعبر عن المثقف بصورة مباشرة، وفي الثانية نلمح صوت حميش كامنا وراء حمودة، في فرج السجن ناتج عن الاستبداد الدائم، رفض للرأي المعارض أياً كان توجه السلطة أو الشعارات التي ترفعها، وفي معذبتي كل عربي هو عرضة للاعتقال نتيجة للغزو، السجن في هاتين الروايتين وعشرات غيرهما نفي للآخر، ولكن بإمكاننا التأكيد على سمات محددة للسجن كمكان في الذائقة الروائية العربية.

السجن في الرواية العربية غالباً ما يتم تناوله من خلال أطروحات فكرية تناقش الاستبداد وتأثيره السلبي في المجتمع أو في البطل، ولذلك سنجد اللغة الغالبة في هذه الروايات مؤدلجة وربما صارخة وزاعقة، السجن نفسه مكان لا يهتم بتفاصيله الكاتب العربي كثيراً، الأهم تصوير الألم الناتج عن الضغط النفسي أو حتى التعذيب البدني، والأهم مرة ثانية تصدير السجن للقارئ كحاجز يمنع أفكار المسجون من الوصول إلى الجمهور، بعد انتهاء حالة السجن المادي يخرج البطل إلى الواقع ليجده قد تغير في اتجاه يتناقض جذرياً مع أفكاره التي دخل السجن من أجلها، إنها حالة من محاربة طواحين الهواء الدونكيشوتية في لباس معاصر.

رواية السجن العربية، رواية مثقفين بامتياز، البطل مأزوم دائماً ومحمل بأفكار مكتملة دائماً، السجن في هذ الحالة ليس تجربة جديدة أو مكاناً للتأمل أو مراجعة المعتقدات، إنه مكان لتكرار الآراء وتأكيد صحتها ومعياريتها، وحالة حوارية مع السجناء الآخرين الذين غالباً ما يكونون من المثقفين.

يقول عزيز نيسين في رواية سرنامة: المكان المدعو زنزانة رطب، وساكن إلى حد أن هواءه عفن وصدئ. لو قبضت بكفك على هواء المدعو زنزانة والذي لم يجف في أي وقت وعصرته لقطر ماء. إذا استنشق الإنسان هواء هذا المكان المدعو زنزانة، المختلطة قذارته مع صدئه، وما يشربه مع ما يتبوله، وما يأكله مع ما يتبرزه، فلا بد أن يختنق تسمماً. البقاء في هذا المكان المدعو زنزانة أكثر من شهر يحول الإنسان من الأحمر إلى الأصفر، ومن الأصفر إلى بياض القيح، وفي النهاية تسقط على وجهه شباك الموت.

السجن في سرنامة، وتعني كتاب الفرح، يتضمن شخصيات حقيقية من لحم ودم، نماذج بشرية تنتمي إلى شرائح المجتمع كافة، مسجونة لأسباب عدة ونتيجة لجرائم مختلفة. بطل الرواية، خيري الحلاق، موقوف في السجن انتظاراً لتنفيذ حكم الإعدام كعقاب استحقه على جريمة بشعة، في السجن يرتكب جرائم أخرى ولكنه يتعرف إلى مجموعة من المثقفين ومن دون أي حوارات تؤدلجه تتحول نظرته إلى الحياة من أطروحة قائمة على الصراع والبقاء للأقوى إلى السلام الداخلي مع النفس ومساعدة الآخرين.

أنتم الآن تشنقون إنساناً آخر، وخيري آخر على أنه مجرم، مونولوج داخلي يورده نيسين في مشهد الإعدام الأخير في الرواية، الإعدام نفسه يتم في مكان عام، وخلال صفحات قليلة نجد أنفسنا أمام سرد مكثف يختصر المجتمع التركي بأكمله، المجتمع نفسه لم يتغير، والسجناء أيضاً، ورفاق خيري كذلك، إن أربع سنوات قضاها هذا الأخير في السجن من دون أفكار مقولبة أو لغة زاعقة أو صراع نفسي مأزوم حولت بطلنا إلى إنسان آخر.

في رواية قلم النجار لمانويل ريفاس هناك رسام يرسم بوابة كاتدرائية سنتياغو دي كومبو ستيلا (إسبانيا) في صيف عام ،1936 ولكن بدلاً من وجوه القديسين المنحوتة في البوابة يرسم وجوه رفاقه في السجن.

يوم في حياة إيفان ديسنوفيتش رواية لالكساندر سولجنستين، وبرغم أنها تمت إلى عالم رواية المثقفين إلا أنها تتضمن تفصيلات إنسانية عذبة، صوراً تحول السجن إلى مكان للتأمل في العالم بعيداً عن السمة الفكرية الفجة المميزة لرواية السجن العربية. نماذج عديدة بإمكاننا تذكرها هنا لا تبدأ ب فراشة هنري شاريير ولا تنتهي ب ذكريات من منزل الأموات لدستويفسكي، تؤكد أن السجن ليس فضاءات لاختبار الأفكار المكتملة والجاهزة والمعلبة التي يحملها السيد المثقف، ولكنه أيضاً مكان لاكتمال التجربة الإنسانية الأبعد نظراً والأكثر تأملاً في الوجود من حولنا، وهو شرط لن يتحقق إلا بنشأة جيل جديد من المبدعين العرب قادر على التخلص من الأزمات الفكرية المركبة للمثقفين العرب، والأهم قادر على كتابة رواية عن بشر حقيقيين يعيشون بيننا.