الزكاة من فرائض الإسلام وأركان الدين، قال صلى الله عليه وسلم «بني الإسلام على خمس، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان» (رواه البخاري).
ولأنها صدقة مفروضة فأداؤها أفضل في الأجر وأعظم في الثواب من صدقة التطوع، قال صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي «وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه» (رواه البخاري).
فرض الله عز وجل الزكاة في أموال الأغنياء حقاً للفقراء، قال تعالى «والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم» (المعارج 24-25)، وقال صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل لما أرسله قاضياً وأميراً إلى اليمن «وأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم». (رواه البخاري)
ويحرم منع الزكاة بخلاً أو معصية ولو مع التصديق بفرضيتها، قال تعالى «والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم، يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون» (التوبة 34-35)، فإذا منعها قوم عجل الله تعالى لهم العقوبة الشاملة في الدنيا لارتكابهم كبيرة من الكبائر الموبقة، قال صلى الله عليه وسلم عنهم «.. ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا» رواه ابن ماجة، وأما من منعها منكراً لوجوبها فهو كافر تجري عليه أحكام المرتد، لأنه أنكر معلوماً من الدين بالضرورة، إلا إن كان جاهلاً بها لحداثة عهده بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة عن وسائل الاتصال والمعرفة، فيعرف بوجوبها ولا يحكم بكفره لأنه معذور في ذلك.
ويحرم التحايل لإسقاط الزكاة، ومن فعل ذلك فقد ارتكب إثماً عظيماً، لأن فيه إضراراً بالفقراء، ولا تبرأ ذمة المتحايل ولا تسقط عنه الفريضة، فقد عاقب الله تعالى «أصحاب الجنة» على تحايلهم لإسقاط حق الفقراء فقال سبحانه «فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون، فأصبحت كالصريم» القلم 19-20، والمتحايل في العبادة خادع لنفسه قبل خداع غيره، قال تعالى «يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون» (البقرة 9).
وتختلف الزكاة كثيراً عن الضرائب التي تفرضها الدولة على مواطنيها، فيتهرب من دفعها كثير من الأغنياء وأصحاب الجاه والنفوذ، ولا يعفى منها الفقراء رغم حاجتهم الماسة، أما الزكاة فيسارع اليوم كثير من الأغنياء إلى دفعها مع أن أحداً لا يلزمهم بها، إنما يقومون بها تديناً لله تعالى.
وبما أن الدولة لا تقوم اليوم بجمع الزكاة وتوزيعها على مستحقيها، فعلى المزكي دفعها بنفسه إلى مستحقيها لأن تقصير الدولة في ذلك لا يسقط فرضيتها عنه، وعليه استحضار النية الخالصة لله تعالى فيؤديها تقرباً إليه وطاعة لأمره لا طلباً للحمد والثناء، فهي كغيرها من العبادات تفتقر إلى النية، قال صلى الله عليه وسلم «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» (رواه البخاري).
وللزكاة أثر عظيم على المجتمع المسلم، إذ إنها تحقق كثيراً من المصالح:
1- تطهر النفس من الأنانية والأثرة ومن الشح والبخل، وترغبها بالزهد الذي يحميها من العبودية للمال، وترققها بتنمية مشاعر المودة والمحبة بين الناس، والمشاركة في إقالة عثراتهم ودفع حاجاتهم وتلبية رغباتهم.
2- وتطهر المال من حق الفقراء وغيرهم قال تعالى «خذ من أموالهم صدقةً تطهرهم وتزكيهم بها» (التوبة 103)
3- وهي بذلك تحمي المجتمع من مفاسد الفقر وذل الحاجة ومشاعر الحقد والحسد والضغينة على الأغنياء.
4- وفيها إصلاح للمال وإنماء له، قال تعالى «يمحق الله الربا ويربي الصدقات». (البقرة 276)
5- وفيها فائدة عظيمة للأمة، فإنها تحقق التوازن المالي بين الناس، وتدفع أصحاب الأموال المكنوزة إلى إخراجها لتسهم في الاستثمار والتنمية وتنشيط التجارة وإنعاش الاقتصاد، قال صلى الله عليه وسلم «ألا من ولي يتيماً له مال فليتجر فيه ولا يتركه حتى تأكله الصدقة» (رواه الترمذي).
6- ويستفاد من هذا الحديث أيضاً أن الزكاة واجبة في مال المسلم ولا يشترط لها التكليف، فتجب في أموال فاقدي الأهلية كالمجنون مثلاً، ويؤديها عنه وليه أو وصيه لأنه يقوم مقامه في أداء ما عليه من حقوق، فإن لم يؤدها عنه فإنه يؤديها بنفسه إذا أصبح مكلفاً.
* قاضي قضاة فلسطين سابقاً