كلمة الحلي تطلق على كل ما يتحلى به الإنسان من الذهب والياقوت والمرجان أو ما يحلى به السيف وما شابه ذلك، ثم أصبحت الكلمة تطلق على حلي النساء فقط . وقد أباح الإسلام للنساء حلي الذهب والفضة والجواهر وكل ما جرت عادتهن بلبسه مثل: السوار والخلخال والقرط والخاتم وما يلبس في أعناقهن وأيديهن وأرجلهن وآذانهن وغير ذلك . فأما ما لم تجر العادة بلبسه فهو محرم كاتخاذ مفارش الذهب أو الآنية وغير ذلك، واختلف الفقهاء في حكم الزكاة على حلي النساء وهل تجب أم لا؟ وهناك قولان في هذه المسألة:

القول الأول: ذهب إليه الحنفية وبعض الشافعية والظاهرية: وهؤلاء يرون وجوب الزكاة على الحلي .

القول الثاني: ذهب إليه المالكية والحنابلة والقول الثاني للشافعية: وهؤلاء يرون عدم وجوب الزكاة في الحلي إذا كان معدًا للاستعمال، والسبب في اختلاف الفقهاء في هذه المسألة يرجع إلى اختلافهم في تردد الشبه بين العروض والحلي . فمن قال: إن الذهب والفضة فيهما منافع الأصل فيها النماء، قال بوجوب زكاة الحلي . ومن قال: إن الحلي ليس فيه منافع كالعروض، قال بعدم وجوب الزكاة .

أدلة الفريق الأول

استدل القائلون بجوب الزكاة على الحلي بما يأتي:

أولاً: القرآن الكريم: استدلوا بما جاء في سورة التوبة في قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ .

فهذه الآية الكريمة تدل على أن الله - سبحانه وتعالى - توعد الكانزين للذهب والفضة بالعذاب الأليم، وهذا لا يكون إلا بسبب ترك أمر واجب، ولهذا فإن زكاة الحلي واجبة .

ثانياً: استدلوا بما رواه الإمام الترمذي بسنده أن زينب امرأة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قالت: خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا معشر النساء تصدقن ولو من حليكن فإنكن أكثر أهل جهنم يوم القيامة .

وعن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم ومعها ابنة لها وفي يد ابنتها مسكتان من ذهب فقال لها: أتعطين زكاة هذا؟ قالت لا: قال: أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار؟ فألقتهما . وعن أم المؤمنين السيدة عائشة - رضي الله عنها - أنها دخلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرأى في يدها فتخات من ورق والفتخات هي حلقات لا فص لها تجعلها المرأة في أصابعها، فقال: ما هذا يا عائشة؟، فقالت صنعتهن أتزين لك يا رسول الله، قال: أتؤدين زكاتهن؟، قالت: لا . قال: هن حسبك من النار . وقالت امرأة لعبدالله بن مسعود: لي حلي . فقال لها: إذا بلغ مئتين ففيه الزكاة . ومن كل هذه الأدلة السابقة يتبين لنا أن زكاة الحلي واجبة لأنها لو لم تكن واجبة لما ترتب على عدم إخراج زكاتها العذاب الأليم . واستدلوا أيضاً بالمعقول بالقول: إن الله جعل الذهب والفضة ثمناً للأشياء وتبادل المنافع بين الناس .

الرأي المخالف

أما الذين قالوا بعدم وجوب الزكاة على الحلي المستعمل، وهم المالكية والحنابلة وبعض الشافعية، فهؤلاء استدلوا بأدلة متعددة، منها ما روي عن جابر بن عبد الله، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ليس في الحلي المباح زكاة، وهذا معناه أن الحلي المباح لا تجب فيه الزكاة، أما غير المباح فإن الزكاة تجب فيه، وهو غير المستعمل، وقد روى مالك عن نافع أن عبدالله بن عمر كان يحلي بناته الذهب ثم لا يخرج عن حليهن الزكاة، ومعلوم أن سيدنا عبدالله بن عمر صحابي جليل من خيرة أصحاب سيدنا رسول الله صلى الله عيه وسلم ومعروف بالصلاح والتقوى، فلو كانت الزكاة في الحلي واجبة ما ترك إخراجها، فدل هذا على عدم وجوبها .

أخرج الإمام مالك في الموطأ أن السيدة عائشة - رضي الله عنها وأرضاها - زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت تلي بنات أخيها اليتيمات في حجرها، فلا تخرج عن حليهن الزكاة .

ووجه الدلالة من هذا الأمر ظاهر في تصرف أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها وهي زوجة سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التي كانت تلي بنات أخيها اليتيمات في حجرها فلا تخرج عن حليهن الزكاة، فلو كانت زكاة الحلي واجبة لأخرجت الزكاة عن بنات أخيها، ولكنها لم تفعل ذلك، والصحابة الكرام علموا بما كانت أم المؤمنين تفعله ولم ينكر عليها أحد، لأن أحد الصحابة لو كان قد أنكر عليها لثبت ذلك، ولكن ذلك لم يثبت، فدل على أن ما فعلته كان صحيحاً، واستدل القائلون بعدم وجود الزكاة في الحلي بالمعقول، فقالوا: إن الله سبحانه وتعالى أوجب الزكاة في الذهب والفضة، لأنه مال معد للنماء، بخلاف الحلي، فإنه مبتذل وليس فيه نماء، فيكون حكمه كحكم الثياب بجانب الانتفاع في كل منهما، وهذا معناه أنه لا خلاف بين الحلي الذي يتحلى به الناس، فهو وإن كان مالاً إلا أن هذا المال الذي تستعمله النساء مال غير نامٍ، ومن شروط وجوب الزكاة أن يكون المال نامياً أو يكون معداً للنماء، ولهذا لم تكن الزكاة واجبة فيه، وقد تبين لنا من خلال عرض أدلة أئمة المذاهب الفقهية التي استدلوا بها أنها أدلة لها مكانتها .

والفقهاء الأجلاء اختلفوا في ما بينهم تبعاً للاستدلال بالأدلة الواردة في كتاب الله وسُنّة سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أي أنهم استندوا إلى أدلة اطمأنت إليه القلوب وارتاحت إليها النفوس، فإذا اطمأن الإنسان إلى ما ذهب إليه الحنفية وبعض الشافعية والظاهرية الذين قالوا بوجوب الزكاة في الحلي مطلقاً فلا حرج عليه، لأن أدلة هؤلاء صحيحة ما دام قد استفتى قلبه فوجد نفسه مستريحاً لهذا القول الفقهي الذي له مكانته وأثره في التشريع الإسلامي، أما من أخذ بما قاله المالكية والحنابلة وبعض الشافعية الذين قالوا بعدم وجوب الزكاة في الحلي المستعمل ولم يخرج الزكاة عن الحلي استناداً إلى الأدلة التي استند إليها هؤلاء، وهي أدلة صحيحة، فلا إثم عليه ولا حرج في ما أخذ به في هذه المسألة، وللإنسان أن يتخير أحد القولين ما دام قد نظر إلى الأدلة واستفتى قلبه فمال إلى قول من الأقوال المعتمدة على دليل شرعي .

* أستاذ الفقه المقارن في جامعة الأزهر