أقصد بغير المسلمين هنا أصحاب الديانات السماوية وهم اليوم اليهود والمسيحيون، ومن المعلوم أن اليهودية كانت ملة واحدة، لكنها انقسمت في ما بعد إلى ربانيين وقرائيين.

فالربانيون وهم الأصل، يعتقدون بالتوراة وبالتلمود، أما القرائيون فلا يعتمدون التلمود مصدراً لشريعتهم.

أما المسيحية فإنها كانت ملة واحدة أيضاً، ثم انقسمت بعد اختلاف الكنائس حول طبيعة السيد المسيح، فهي إذن انقسمت الى أرثوذكس وكاثوليك، ثم ظهر البروتستانت بسبب انشقاق الراهب الألماني مارتن لوثر.

ولو درسنا موضوع الزواج عند هؤلاء، لوجدناه على خلاف ما جاء به الاسلام في معظم أحواله، فالمسيحية تتفق مع الاسلام في أن الزواج أمر رباني، لكنها تفضل التبتل على الزواج، في حين ان اليهودية تتفق مع الاسلام في ان الزواج خير من التبتل.

ورد في سفر التكوين - الإصحاح الثاني - الأعداد من 18 - 24 وقال الرب الإله: لا يحسن أن يكون الإنسان وحده، فأضع له معيناً إزاءه، فأوقع الرب الإله سباتا على آدم، فقام فاستل احدى أضلاعه وسد مكانها بلحم، وبنى الإله الرب الضلع التي أخذها من آدم امرأة، فأتى بها الى آدم، فقال آدم ها هذه المرأة عظم من عظامي ولحم من لحمي، وهي تسمى امرأة لأنها من امرئ أخذت، ولذلك يترك الرجل أباه وأمه، ويلزم امرأته فيصيران واحداً.

ويذكر الدكتور رمضان أبو السعود في كتابه الوسيط في شرح أحكام الأحوال الشخصية لغير المسلمين، أن الزواج في الشرائع المسيحية رابطة مقدسة.

والمسيحية لم تجعل الزواج فرضاً، بل التبتل أفضل، والعفاف نوع من الكرامة والكمال، لذلك فإنها تحث على الزواج الأول، أما الزواج الثاني فمكروه في نظر الكثيرين من علماء المسيحية.

يقول الشيخ الصفي بن العسال في كتاب القوانين: ولما كانت الزيجة الثانية غير مندوبة فإن الكنيسة رسمت لها صلاة استغفار لا بركة إكليل.

ويقول أيضاً إن الزيجة الثانية مكروهة، وليس في المسيحية بعدها من زيجة شرعية، والزيجة الثالثة هي علامة الغواية لمن يقدر أن يضبط نفسه، وأما اكثر من الزيجة الثالثة فهي زنى ظاهر، ولا يحسب مثل هذا زواجاً ولا المولودون منه بنين.

أقول: ولكن علماء آخرين انتقدوا ابن العسال، لأن ما قاله لا يتفق مع ما ورد في الانجيل بالتمام وإن آثرت ان تتزوج فلست في ذلك تأثم، وإن تزوجت البكر فليست أيضاً بآثمة.

والزواج في المسيحية تعرفه المادة 14 من مجموعة 1955 للأقباط الأرثوذكس في مصر بأنه سر مقدس يتم بصلاة الاكليل على يد كاهن، طبقاً لطقوس الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، يرتبط به رجل وامرأة بقصد تكوين أسرة والتعاون على شؤون الحياة، ويثبت بعقد يجريه الكاهن.

يلاحظ على هذا التعريف أن الزواج في المسيحية يتفق مع الاسلام في بعض أهدافه كتكوين الأسرة والإنجاب ومداواة الشهوة، لكنه في الاسلام فطرة، وفي المسيحية سر مقدس للآثار الواردة عندهم مثل: ليخضع النساء لرجالهن كما للرب، لأن الرجل هو رأس المرأة، كما ان المسيح هو رأس الكنيسة، أيها الرجال أحبوا نساءكم كما أحب المسيح الكنيسة، فمن أحب امرأته فقد أحب نفسه، هكذا ورد في رسالة بولس الى أهل أفسس.

وكون الزواج سراً مقدساً، يعني أنه يؤهل النفس لنيل نعمة السماء التي يرمز إليها ذلك السر، وذكر حلمي بطرس في أحكام الأحوال الشخصية للمصريين غير المسلمين ص16 أن أسرار الكنيسة عند الأرثوذكس والكاثوليك سبعة هي: المعمودية، التثبيت، العشاء الرباني، التوبة، المسحة، الكهنوت والزواج.

أما البروتستانت فلا يقولون بأن الزواج سر من أسرار الكنيسة، بل رابطة مقدسة فقط وهو أفضل من البتولية، ومن ثم فإنه ليس مانحاً للنعمة بذاته بل أثر من آثار الإيمان لدى الشخص.

ويلاحظ ان الزواج في المسيحية لا يصح الا في الكنيسة وعلى يد كاهن، بخلاف الاسلام فإنه لم يربطه بمكان ولا بعالم، بل يصح شرعاً ان يزوج رجل رجلاً آخر ابنته من غير قاض ولا محكمة لأنه ايجاب وقبول من طرفي العقد وصيغته، إلا ان تعقيدات الحياة ربطت الزواج بالمحكمة والمأذون والقاضي.

والخلاصة ان الزواج في المسيحية تنحصر خصائصه في أنه سر ونظام قانوني وله طابع ديني ونظام وحدوي فلا يجوز للرجل ان يجمع بين زوجتين في آن واحد، فهو اقتران أبدي غير قابل للانحلال إلا بالزنى.