هناك اعتقاد لدى بعض العوام، وخاصة في المجتمع النسائي أن الزواج في شهر المحرم حرام، وبعضهم يكره الزواج في شهر صفر أيضاً، ومثل هذا الاعتقاد لا شك انه أقرب الى الخرافة والبدعة، اذ لا أصل له في الشريعة الاسلامية، ولعل مصدره العهد الفاطمي في مصر الذي جعل شهر المحرم شهر حزن ونواح كما يقول الإمام القرضاوي.

وإلا كيف لا يصح عقد النكاح في شهر المحرم، وهو من الأشهر الأربعة التي خصها الله سبحانه وتعالى بالتعظيم والتشريف، فحرم فيه كل ما كان إثماً وعدواناً، لا ما كان طاعة وقرباناً؟

- إن الزواج هو سنة من سنن الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن تزوج فقد أحرز شطر دينه، فكيف يحرمه الله ورسوله في يوم من الأيام، أو في شهر من الشهور مع العلم بأن الشهور كلها أيام الله ومواسمه، مبسوطة لعمل الخير فيها؟ قال تعالى: إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله، يوم خلق السماوات والأرض، منها أربعة حرم، ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم (الآية 36 من سورة التوبة).

- خص الله من هذه الشهور أربعة أشهر تعظيماً لها، ومنها شهر محرم الحرام الذي كانت العرب تتوقف فيه عن الحرب تعظيماً له، وأقر القرآن ذلك التحريم، لكن التحريم لم يشمل عقد النكاح وهو سرور مشروع.

- لكن الذين ابتدعوا بدعة حرمة عقد النكاح في محرم، ربطوا المحرم بحادث عاشوراء الذي وقع في العاشر من محرم، فحرموا الأفراح في ذلك اليوم الذي يعدونه يوم حزن.

- ويوم عاشوراء عظمّه الرسول صلى الله عليه وسلم بأن سن فيه صيامه، وقد جعله يوم فرح لا حزن، فعندما قدم الى المدينة ووجد أن اليهود يصومونه، سألهم عن السبب فقالوا إنه يوم نجى الله فيه موسى وأغرق فيه فرعون، فصامه موسى شكراً لله، فقال عليه الصلاة والسلام: نحن أحق بموسى منكم، لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسوعاء والعاشوراء.

- إذن لا صحة لما يروونه عن حرمة الزواج في المحرم، ولا صحة لما قيل عن شهر شوال وصفر أيضاً، لأن عائشة رضي الله عنها قالت: تزوجني رسول الله في شوال وبنى بي في شوال (رواه البخاري) وقد كان عقد زواج علي لفاطمة رضي الله عنهما في شهر صفر وفي رواية في أوائل محرم.

وفي الحديث الصحيح عن الرسول صلى الله عليه وسلم لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر (رواه البخاري).

- ذكر العلماء في تفسير قوله: ولا صفر ثلاثة أقوال، ولعل أرجح الأقوال ان المراد به ابطال التشاؤم بشهر صفر، وقد كان ذلك التشاؤم عادة أهل الجاهلية، فالذي تشاءم بصفر كالذي تشاءم بيوم الاربعاء زعماً منه بأن قوله تعالى في يوم نحس مستمر يراد به يوم الاربعاء بناء على حديث لم يصح، بل حديث موضوع حيث نسب الى ابن عباس انه قال: قال الرسول صلى الله عليه وسلم: آخر أربعاء في الشهر يوم نحس مستمر، وقد تشاءموا منه اكثر اذا وافق آخر أربعاء من شهر صفر المشؤوم في زعمهم.

- وذكر محمد الطاهر بن عاشور مفتي تونس في مقال له في المجلة التربوية ان أهل تونس يتشاءمون بصفر أشد التشاؤم، حيث أنهم يسمونه ربيب العاشوراء ويتجنبون فيه الأعراس والحفلات، وآخر أربعاء فيه يسمونه الأربعاء الكحلاء أي السوداء.

- أقول: كنا في السابق ننتظر الأفراح من سنة الى سنة، حيث ان الأعراس كانت قليلة، ولكن في مثل زماننا، حيث تكثر الأعراس وتكتظ الأراضي بسكانها، والناس يقيمون حفلاتهم في الفنادق والقاعات العامة.

- في مثل هذه الأيام كيف تكون حال الناس، لو ضيقنا عليهم بأن حرمنا أياماً وحللنا أياماً؟ ألا يقعون في حرج، وأيام السعد تكون قليلة مقارنة بالأيام الأخرى؟

- وبالفعل نلاحظ اليوم ان ليالي الأسبوع كلها محجوزة في الفنادق لإقامة حفلات الأعراس، ورغم ذلك يكون الحجز قبل موعد الحفل بأشهر، وإلا لن تكفي الأيام والليالي.