كان الزواج في الماضي حدثاً لا يتكرر يومياً ولا يتكرر شهرياً، بل في السنة مرة أو مرتين في عدة بيوت في القرية أو في القبيلة، نظراً لأن الكثافة البشرية لم تكن ممتدة كما هي اليوم.
- وفي الإمارات تميزت مراسيم الزواج بالبساطة اجتماعياً واقتصادياً ودينياً، ولم تكن معضلة من المعضلات كما هي اليوم، لأن أهل العروسين بل الأقارب كلهم، كانوا يتعاونون فيما بينهم، لإنجاح ذلك الرباط الديني المقدس، بعيداً عن المظاهر الزائفة.
- ففي البداية كانت أسرة الفتى تبحث عن فتاة حميدة الأخلاق، إما مباشرة وإما من خلال الخطابة، وكانوا يفضلون أن يتزوج القريب قريبته كبنت العم وبنت الخال.
- وعندما يقع الاختيار على واحدة معينة، يتم الاتفاق مع أهل البنت على المهر من غير أن يكون الشاب رأى خطيبته، والمهر كان رمزياً ما بين سبعة توامين إلى أربعين توماناً، وربما إلى سبعين أو مائة تومان.
- والتومان كان عبارة عن سبعة ريالات فارسية عند أهل البادية، وأربعة ريالات عند أهل المدن، وهو غير تومان اليوم الذي لا تساوي الخيشة منه أكثر من عدة آلاف من الدراهم، وكانت العادة أن يتكفل أهل العريس بدفع القطوعة وهي ما يجهز به جهاز العروس من ثياب وغيرها، وفترة الإعداد كانت تختلف من ناس إلى ناس حسب قدراتهم.
- إنني أردت من هذا التمهيد أن أصل إلى القول إن الزواج العرس سابقاً في المدن كان يستغرق ثلاثة أيام تبدأ بالأربعاء وتنتهي بالجمعة، وربما استغرق سبعة أيام، والمهم أن الختام كان بالجمعة الذي هو عنوان حديثنا في هذا المقال.
- وكان حفل الرجال يقام خارج المنزل، حيث تقام الولائم ويدعى إليها الناس، وكان حفل النساء في خيمة تسمى المكسار تقام داخل المنزل وتستعرض فيها ملابس العروس.
- إذن فإن دخول الزوج بزوجته يكون غالباً ليلة الجمعة، وفي منزل والد العروس الذي يستضيف الزوجين في بيته لسبعة أيام.
- ويتساءل البعض: لماذا الدخلة أو حفل الزواج أو إجراء العقد ليلة الجمعة أو ليلة الخميس؟ هل ورد في ذلك نص من الكتاب والسنة؟ وهل بقي الناس على ذلك حتى يومنا هذا؟
- في الواقع أن الزواج منذ القدم ارتبط مجتمعياً بالجمعة، فيروي الآباء والأجداد ان الزواج قديماً كان يسمى عرساً، وليلة العرس كانت تسمى ليلة الدخلة أو ليلة النقلة، وفي البادية كانت ليلة الدخلة تسمى ليلة الجمعة، لأن الدخلة لن تكون في غيرها.
- ولو بحثنا عن المسألة في كتب الفقه، لوجدنا أن الحنفية والشافعية يرون أن النكاح يندب في يوم الجمعة، لأن الجمعة يوم شريف ويوم عيد وفيه خلق آدم عليه السلام.
أما المالكية فإنهم يرون أن خطبة النكاح تكون عصر يوم الجمعة لقربه من الليل، وليس كالشافعية الذين يرون أن أول النهار أفضل لخبر اللهم بارك لأمتي في بكورها (رواه الترمذي وأبوداود).
- إذن فإن اختيار الناس الجمعة لإجراء عقد النكاح أو لإقامة حفل الزواج فيه، له أصل شرعي، لكنني أتساءل: هل الجمعة اليوم يتسع لحفلات الزواج؟ مع العلم أن حفلات الزواج لم تعد فرحة تسعها الخيمة أو حوش الدار، أو مد خوان فقط ليجلس عليه كل المدعوين، إنما هي عشرات من الطاولات، تحجز لها أكبر القاعات في أكبر الفنادق.
- كما أن الزواج لم يعد حفلاً في اسبوع أو شهر أو عشر حفلات في السنة، بل عشرات الحفلات في ليلة من ليالي الأسبوع، لذلك فإن أيام الأسبوع كلها لم تعد كافية لاستيعاب حفلات الزواج اليوم.
- ورغم كل هذه التعقيدات والتكاليف والمظاهر، فإننا نقول: رحم الله أعراس أيام زمان التي لم تزل المناسبات تفخر بذكر مصطلحاتها مثل الفرشة والرزة والصباحية والدخلة وسبوح المعرس والمباركة والقطوعة والكسار والعيالة والرزفة.
- نعم.. كانت حفلات العرس في كل بلد، تتميز بما لدى أهل ذلك البلد من موروثات شعبية وتراثية ولم تكن كحفلات اليوم، حيث انها مزيج من الألحان والأصوات والكلمات الغريبة المخلة بالآداب أحياناً، وهي بالطبع لا تمت بصلة إلى ثقافة البلد وعاداته وتقاليده، اللهم إلا في القليل منها، حيث إن بعض الناس مازال على فطرته.