كليب مضحك أذاعته إحدى القنوات الفضائية ضمن برامجها الكوميدية وتناقله الشباب عبر هواتفهم النقالة أو البريد الالكتروني، هذا الكليب يعلن بصورة ساخرة عن الزوجة الصينية ومميزاتها، وهذا يحدث في الواقع بصورة جزئية، فمع غزو المنتجات الصينية للأسواق العربية، ظهرت مجموعة من الفتيات الصينيات يعملن كمندوبات مبيعات، ومن أجل الاستمرار في عملهن يجب الحصول على إقامة شرعية بالدول العربية، فبدأ بعضهن عرض نفسهن للزواج من بعض الشباب مقابل الحصول على الجنسية، ورغم أنها حالات فردية إلا أنها تعيد إلى الأذهان زواج الكثير من الشباب المصري من الأجنبيات الزائرات للمدن السياحية واللاتي يسعين إلى الإقامة .

هذا الأمر يتعدى الشباب المصري وانتشر في الكثير الدول العربية والإسلامية، فقد اتجه شبابها للزواج من آسيويات خاصة بعد ارتفاع المهور، في مقابل أن الفتاة الأجنبية لا ترغب سوى أن تعيش حياة كريمة يضمنها راتب الزوج .

الأخطر في هذه الزيجات انها تتم على طريقة التيك أواي، فبكل بساطة يمكن للشاب أن يتزوج من أجنبية دون الالتزام بالزواج وهو ما ترفضه عاداتنا وتقاليدنا ويخالف أحيانا تعاليم الدين .

وحذرت دراسات وأبحاث من خطورة هذه الظاهرة على المجتمع المسلم، وطالبت الجهات المعنية بالحد منها وسد الثغرات في قانون الزواج من أجنبيات .

واعتبرت دراسة تقدم بها الدكتور يوسف عبد الفتاح محمد لنيل درجة الدكتوراة في كلية الآداب جامعة عين شمس أن الزواج من أجنبيات يمكن أن ينظر إليه على أساس أنه نوع من الغزو الثقافي . . مشيرة إلى العديد من الجوانب السلبية للزواج من أجنبيات في إطار الصراع الذي يقع فيه الأبناء .

تداعيات اجتماعية

يتفق الدكتور يحيى المرسي، أستاذ علم الاجتماع في جامعة حلوان مع تحذيرات الدراسات والابحاث حول خطورة زيادة معدل إقبال الشباب العربي على الزواج من أجنبيات، مؤكدا أن لهذه الظاهرة تداعيات اجتماعية فهي تهدد البناء الخاص لمجتمعنا المسلم والعربي، فهي تثمر أجيالا مسلمة ضعيفة الانتماء للدين والوطن واللغة وغير ذلك من المقومات الثقافية والخصائص الاجتماعية للمجتمع المسلم .

يرجع الدكتور المرسي السبب في لجوء الشباب المسلم إلى مثل هذه النوعية من الزواج لما يحدث في المجتمع العربي والمسلم من اختلال في مفاهيم القيم والأخلاقيات والمبادئ، لافتاً إلى أنه لم يعد الزواج كما كان في السابق يقوم على أسس واختيارات محكومة بالعادات والتقاليد الاجتماعية والقيم الدينية، ليس هذا فحسب فهناك جانب آخر أفرزته سلبيات المغالاة في المهور والتعقيدات التي يواجهها الشاب عند إقدامه على الزواج من بنات وطنه ودينه مما يجعله يتجه نحو الزواج من الأجنبية التي لا تكون لديها قائمة تعقيدات كنظيرتها العربية المسلمة .

الدكتور طارق زكي، أستاذ التربية وعلم النفس المساعد في جامعتي سوهاج المصرية وتبوك بالسعودية، يرى أن السبب في انتشار هذه الظاهرة يرجع إلى ضعف معرفة الشباب العربي بحضارتهم وثقافتهم نتيجة الجهل وعدم الوعي بجوهر هذه الحضارة العظيمة التي أضاءت بنورها ظلمات الجهل التي كانت تسود الغرب في العصور الوسطى، فهؤلاء الشباب ينبهرون بما يرونه من تقدم حضاري وتكنولوجي للبلاد التي تنتمي إليها تلك الفتيات فضلا عن الحرية التي يعشنها في الملبس والعقلية مما يجذب الشباب إليهن خاصة في ظل الفراغ العقلي والفكري الذي يعيشونه نتيجة ابتعادهم أو إبعادهم قصرا عن جذورهم الحضارية والدينية .

ويقول: التربية والبيئة المحيطة والعادات والتقاليد الاجتماعية كل ذلك يشكل نفسية الفرد وبالتالي ينعكس على تصرفاته وسلوكياته . مؤكدا أن هذا الزواج ينتج أسرا مفككة، ضحيتها دائما الأبناء نتيجة اختلاف العادات وأساليب التربية والتفكير بين الزوج العربي المسلم والزوجة الأجنبية .

ويدعو الدكتور طارق زكي إلى توعية هؤلاء الشباب المقدم على الزواج من أجنبيات بتأثيراته السلبية سواء في الحياة الزوجية ذاتها أو في الأطفال ثمرة هذا الزواج مستقبلا، في الوقت نفسه يجب العمل على تأهيل من تزوج فعلا وتعريفه بالفوارق النفسية والاجتماعية والدينية حتى لا تحدث مشكلات تنعكس آثارها على المجتمع ككل وعلى أبناء من هذا الزواج بصفة خاصة .

المنع سداً للذرائع

وللداعية الإسلامي الكبير الدكتور يوسف القرضاوي رؤية خاصة حول هذه القضية، حيث طرح ضرورة أن يتم منع الزواج من الأجنبيات غير المسلمات سدا للذريعة . قائلا: كما هو معلوم أن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، ولا يسوغ القول بجوازه إلا لضرورة قاهرة أو حاجة ملحة، فالزواج من المسلمة أولى وأفضل، لتوافق الزوجين من الناحية الدينية، وأكثر إعانة على الحياة، حتى أن الإسلام يحث على الزواج بذات الدين .

ويشير إلى أن الإسلام يحرم الزواج من الأجنبية المشركة التي تجعل لله أندادًا أو شركاء، حيث يقول الله عز وجل: ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خيرٌ من مشركةٍ ولو أعجبتكم ولا تُنكحوا المشركين حتى يؤمنوا، ولعبدٌ مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه، ويُبين آياته للناس لعلهم يتذكرون . . كما أنه يحرم الزواج من الملحدة، وهي التي لا تؤمن بدين أو ألوهية أو نبوة أو كتاب، كالشيوعية، ويشمل التحريم كذلك المرتدة وهي التي تكفر بعد الإيمان، فهي كافرة من أصحاب النار، كما قال الله عز وجل: ومن يرتدد منكم عن دينه، فيمت وهو كافر، فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة، وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون .

يؤكد أن الأجنبية الوحيدة التي أحل للمسلم الزواج منها هي الكتابية سواء أكانت مسيحية أم يهودية فهي من أهل كتاب سماوي، وقد أباح الإسلام الزواج من الكتابية، تشجيعاً على التقارب والمودة والأخوة الإنسانية، وتشجيعاً لها على دخول الإسلام .

نصيحة

غير مرفوض على الإطلاق . . ولكن . .، هذا ما بدأ به حديثه الدكتور نصر فريد واصل، مفتي الديار المصرية الأسبق، مشيرا إلى أن الشرع الحنيف أجاز الزواج من الأجنبيات من أهل الكتاب أي اليهوديات والنصرانيات وإن كان هذا الزواج مشروطا بعدة شروط يجب الالتزام بها، أولها أن تكون هذه المرأة من الملتزمات دينيا وخلقيا بحيث يأمن الرجل على بيته وعرضه وعلى أبنائه مستقبلا بألا يتعرضوا لما يفسد عليهم دينهم وتربيتهم .

ويقول الدكتور نصر فريد واصل على المسلم الراغب في الزواج من أجنبية أن ينظر إلى البلد الذي تنتمي إليه تلك المرأة حتى لا يتحول من حيث لا يدري إلى إنسان ضار بوطنه ومجتمعه خاصة في هذا العصر الذي يموج بالفتن والمؤامرات والمخططات الرامية للنيل من الدول الإسلامية وإضعافها وبث الجواسيس وتجنيد ضعاف النفوس والإيمان للإضرار بأمن بلادهم ومستقبل شعوبهم .

وينصح كل مقبل على الزواج من أجنبية أن يفكر مائة مرة قبل إتمام هذا الزواج وأن يضع أمام ناظريه ضرورة التربية الدينية، وتعليم أبنائه قيم الدين وتعاليمه ومبادئه وعادات وتقاليد مجتمعه المحافظ والذي بلا شك يختلف اختلافاً جذرياً مع المجتمعات الأخرى .

ويتساءل المفكر الإسلامي الدكتور عبدالصبور شاهين: ماذا جرى لشبابنا؟ أيعجز أن يجد مسلمة تناسبه من بنات بلده يختارها لتكون رفيقة عمره؟ ناصحا شبابنا بعدم الوقوع في الفخ، فهناك مخططات خبيثة تسعى جاهدة لتجنيد أبنائنا كطابور خامس وجعل الأجيال الجديدة أكثر انتماءً وولاءً لتلك الدول التي تنتمي إليها الزوجة الأجنبية وكل هذا في إطار حملة العداء للإسلام والمسلمين .

ويرى أن الشرع الحنيف لا يمنع الزواج من الكتابيات لكن ينبغي للرجل المسلم أن ينظر إلى أن ما يهدف إليه من هذا الزواج، هو تكوين أسرة مستقرة وإنجاب ذرية صالحة متمسكة بدينها .

ويقول إنه من رابع المستحيلات تحقيق هذا المقصد مع الزوجة الأجنبية على غير دين الإسلام، مشيراً إلى أن زوجات مسلمات يفشلن في تخريج أجيال من النشء متمسكة بدينها نظراً لقلة الوعي وغياب المفاهيم الدينية الصحيحة عن كثير من أبناء الأجيال المعاصرة فما بالنا بمن هي ليست على ديننا أصلاً؟

ويؤكد الدكتور شاهين أن بداية حل المشكلة تكمن في الالتزام بالأسس والتوجيهات النبوية الشريفة التي أمرنا فيها رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم بالالتزام بها عند إقدامنا على الزواج أو عند اختيارنا وموافقتنا لتزويج إحدى بناتنا، فالقرآن الكريم يؤكد لنا أنه لأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم وكما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: تنكح المرأة لأربع لجمالها ومالها وحسبها ودينها فاظفر بذات الدين تربت يداك وأكثر من هذا قال أيضا: إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير .

مشكوك في نجاحه

من جانبه يرفض الدكتور محمد المختار المهدي الأستاذ في جامعة الأزهر والرئيس العام للجمعيات الشرعية في مصر طريقة الزواج من أجنبية بصورته الحالية، مؤكدا أن أغلب الأجنبيات لهن أهداف خاصة من الزواج من شباب عرب مسلمين، تصل أحيانا إلى تهديد أمن المجتمع . ويقول إن هذا الزواج من أجنبيات بصورته الحالية ناقص، لأن الأساس في الزواج الاستقرار وأن تكون هذه الزوجة كتابية، أي تؤمن بدين سماوي الأصل كاليهودية والنصرانية، وأن تكون عفيفة محصنة، وألا تكون من قوم يعادون المسلمين ويحاربونهم، وألا يكون من وراء الزواج من الكتابية فتنة، ولا ضرر محقق أو مرجح، بأن يزداد الزواج من الأجنبيات، وتبقى الفتيات المسلمات دون زواج مما يترتب عليه الحرمان أو الانحراف .

ويؤكد الدكتور المهدي أن هذا الزواج حتى وإن استوفى شروطه الشرعية فإنه مشكوك في نجاحه واستمراره، حيث هناك اختلافات جذرية بين البيئة العربية والبيئة الأوروبية والآسيوية، حيث تقوم الفتاة بتزويج نفسها دون ولي، وعدم وجود رغبة في الإنجاب من جانب تلك الزوجة، فالمسألة بالنسبة لها مجرد متعة جنسية، وانقطاع الكثير من العلاقات الأسرية، حتى تكاد تنعدم، فمعظم الأسر المصرية ترفض هذا الزواج لعدم فهم الزوجات الأجنبيات للشريعة الإسلامية، من مظهر وطعام وشراب وسلوك، وعوامل أخرى كثيرة .

ويرى الرئيس العام للجمعيات الشرعية في مصر أن الحد من ظاهرة الزواج من أجنبيات أمر ضروري، وذلك من خلال عدم المغالاة في المهور، وتكاليف الزواج، وعلينا أن نشجع إقامة حفلات الزواج الجماعية .

إشكاليات متعددة

من جانبه يرى الدكتور أحمد الشاعر أستاذ العقيدة والفلسفة الإسلامية في جامعة الأزهر أن ازدياد معدل زواج الشباب العربي المسلم من الأجنبيات أمر غاية في الخطورة فهو يؤدي إلى خلل في تركيبة المجتمع . . محذرا من تمادي الشباب فيه، لما ينتج عنه من إشكاليات متعددة أهمها الفجوة الثقافية شديدة العمق التي تقع بين الطرفين ويقول إن الشريعة تجيز الزواج من الأجنبية الكتابية سواء أكانت يهودية أم نصرانية بشروط أولاً أن تكون هذه اليهودية أو النصرانية عفيفة، ومستقيمة السلوك، وقد نص على هذا القرآن الكريم حيث قال الله تعالى: والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين . ويضيف: إن الإسلام نهى عن الزواج من أجنبية لها قوم محاربون للإسلام والمسلمين .

ويرى أن الحل لهذه المشكلة في يد ولي الأمر الذي عليه أن يقوم بإصدار تشريع يمنع مثل هذه الزيجات، خاصة إذا تسببت في تهديد أمن المجتمع أو الإضرار به، كأن تتسبب في زيادة العنوسة بين فتيات هذه الدول أو يكون للأجنبيات المتزوجات خطر على المجتمع .