تزوج ابنة خالته فور تخرجه في الجامعة تتويجاً لقصة الحب التي جمعت بينهما منذ الطفولة، ورزقهما الله بطفلين جميلين ملآ حياتهما بهجة وسعادة، شعر الزوج بشيخوخة مبكرة وهو مازال في الخامسة والأربعين من عمره، وعندما بحث عن شريكة حياته ليستعيد معها شبابه وجدها قد انغمست في تربية الأولاد ومشاكلهم، ولم يجد عندها وقتاً حتى للحديث معه. وفي حفل زفاف أحد زملائه بالعمل تعرف إلى إحدى المدعوات، وكانت في غاية الرشاقة والجمال والشباب، وعرض عليها الزواج، واعتقد أنها ستبعث الحياة فيه من جديد وستعيد إليه شبابه المفقود. لكن حساباته كانت خاطئة، وبعد مدة قصيرة من الزواج دفعه الحنين إلى زوجته الأولى، وقرر تطليق الثانية، وقبل أن ينفذ قراره دست له السم في الطعام، وسمعت زوجته الأولى التي تعيش في شقة مستقلة بالمنزل نفسه صوت صراخه، فأسرعت بنقله إلى المستشفى، وتمكن الأطباء من إنقاذ حياته وخرجا سوياً من المستشفى في طريقهما لفتح صفحة جديدة، بينما ألقت الشرطة القبض على الزوجة الثانية وأمرت النيابة بحبسها على ذمة التحقيق.
منى امرأة لم يتجاوز عمرها الثلاثين عاماً، ذاقت كل ويلات الحياة وقسوتها كما لم يذقها أحد من قبل، وعاشت عمرها تعانى العذاب بلا سند أو معين. فقد توفي أبوها منذ سنواتها الأولى، وكان على أمها أن تتكفل بها مستعينة بالمعاش الضئيل الذي تركه المرحوم والذي لا يسمن ولا يغني من جوع. كانتا تقيمان في حجرة واحدة فوق سطح عمارة كبيرة ومرت عليهما الأيام ثقيلة كئيبة ولم تزد الأم وابنتها إلا فقراً وبؤساً، ومع ذلك واصلت منى التعليم حتى حصلت على دبلوم الثانوي التجاري، وخرجت للبحث عن عمل وبشق الأنفس حصلت على عمل متواضع في أحد المصانع القريبة بأجرلا يكاد يفي بمتطلباتها هي وأمها التي تتالت عليها الأمراض، وكان العمل شاقاً ومرهقاً، لكن الحياة القاسية التي عاشتها جعلتها قوية صلبة قادرة على تحمل كل الصعاب. كانت منى منطوية على نفسها تحب العزلة والوحدة ولا تعرف في دنياها سوى أمها المريضة والمصنع الذي تعمل فيه، وكانت تخجل من ملابسها المهلهلة التي تشي بوضوح عن فقرها الشديد رغم جمالها الذي لا تخطئه عين وقوامها الذي تحسدها عليه كل البنات.
انخرطت منى في عملها تفرغ فيه كل طاقتها المكبوتة وتنتظر في هدوء واستسلام ما تخبئه لها الأقدار حتى بزغ نور جديد في حياتها عندما أصرت زميلتها بالمصنع على دعوتها لحضور حفل زفافها، لاحظت أن أحد المدعوين يتابعها بنظراته، وفي البداية لم تهتم به لكن سعيد لم يتركها وأخذ يبدي إعجابه بجمالها حتى انهارت أمام إصراره وكان ذلك اليوم أسعد أيامها، تعددت اللقاءات مع سعيد وشعر بأنه لا يستطيع الاستغناء عنها فصارحها بظروفه وأنه متزوج ولديه طفلان لكنه غير سعيد في حياته الزوجية، فشريكة حياته مشغولة عنه باستمرار وعرض عليها الزواج، فوافقت منى بشرط أن يطلق زوجته، فأخذ يشرح لها الكارثة التي ستحدث إذا تم الطلاق وكيف سيعقبه نفقة ومتعة وحجز على المرتب ومحاكم وأتعاب محاماة، وكل ذلك سوف ينعكس بالطبع على حياتهما فلا يترك لهما لحظة سعادة لذلك عليها أن تتنازل عن هذا الشرط، وبعد تفكير عميق وافقت منى وصارحته هي الأخرى بظروفها، وأنها تنفق على أمها المريضة ولا عائل لها سواها ورضي كل منهما بظروف الآخر، واشترط عليها سعيد أن يكون الزواج في المنزل نفسه مع زوجته الأولى، لكن في شقة مستقلة بها فوافقت، كما وافقت أمها.
تم الزواج من دون حفل أو مدعوين حرصاً على مشاعر سهام الزوجة الأولى، وشعرت منى في البداية بالسعادة مع زوجها وأنه مكافأة عن الصبر والحرمان خلال السنوات الماضية، لكن سريعاً عادت الدنيا لتكشر لها عن أنيابها من جديد، وبدأ الندم يتملكها عندما وجدت نفسها لا تسبح في نهر السعادة، كما تصورت، وإنما أوقعت نفسها في ورطة تتزايد لحظة بعد أخرى. فقد كان من الطبيعي أن تنشب الخلافات مع ضرتها منذ الوهلة الأولى، خاصة عندما اكتشفت أن زوجها ما زال يحب زوجته الأولى التي هي ابنة خالته في الوقت نفسه وجمعت بينهما قصة حب مدة طويلة من الوقت وعاشا بعد الزواج في هدوء واستقرار، وكانت الطاعة العمياء هي شعارها في التعامل معه ورزقا بالطفلين اللذين زادا من سعادتهما، لكن بحكم العمر والعشرة الطويلة والمتاعب والاحتكاكات اليومية معها وانشغالها عنه بتربية الطفلين وبمشاكلهما تسلل الملل إليه، فبحث عن امرأة أخرى يستعيد معها شبابه. والغريب أنه عندما أخبر سهام زوجته الأولى بقراره بالزواج لم تعاند ولو من باب الحفاظ على كرامتها، بل التزمت الصمت ولم تشعره بأنها غاضبة منه، كما لم تغير معاملتها له فقد كان حبها له أقوى من كل شيء، ويكفيها كما قالت إنها ستكون إلى جواره ومضت الأيام، وهي مستمرة في القيام بواجبها نحوه على أكمل وجه ولم تشعره أبداً أنها غاضبة منه.
كاد سعيد يصاب بالجنون في الأسابيع الأولى لزواجه الجديد وشعر بأنه عاد شاباً في العشرين، عندما تفننت منى في إسعاده حتى إنه شعر بأنه لم يتزوج من قبل وأصبح يقضي في شقتها أضعاف ما يقضيه مع زوجته وأطفاله، لكنه بعد أقل من ستة أشهر من الزواج بدأ يشعر بالندم، كما بدأ يمل حياته الجديدة وشعر بأن منى خطفته من زوجته وطفليه وعاد ليقضي مع سهام وطفليه كل الوقت تقريباً فقابلت زوجته الأولى عودته بالعفو والسماح، واعتبرت أن ما مر به ما هو إلا نزوة سرعان ما تنتهي، وكان سعيد كالطير العائد إلى عشه، فقد شعر بالدفء والحنان بين أسرته وحمد الله على انه لم ينسق وراء رغبة منى بتطليق سهام، في نفس الوقت الذي شعرت فيه منى بأن أحلامها بتكوين أسرة سعيدة قد تبددت وأصبحت سراباً، وأنها معرضة للطلاق في أي لحظة أو على الأقل ستظل مجرد الزوجة الثانية الدخيلة على المنزل.
واجهت سعيد بما تشعر به فصارحها بندمه على زواجه منها وأسفه على ما سببه لها من جرح لمشاعرها، وشعرت منى بالكراهية لحياتها مما زاد من الخلافات مع زوجها وأيضا مع ضرتها وأصبحت كل منهما شاغلها الوحيد أن تدبر المكائد للأخرى واشتعلت نار الغيرة بينهما خاصة منى التي كادت أن تشعل كل من حولها بنارها. فبدأ زوجها يسيء معاملتها وينهال عليها بالضرب لأي سبب مهما كان تافهاً ومع ذلك تحاملت على نفسها وتحملت جميع الإساءات الموجهة إليها، واستمر الصراع محتدماً على أشده بين الزوجتين حتى كانت آخر مشاجرة بينهما وانتهت بإعلان سعيد قراره النهائي بتطليق منى التي شعرت بأنه جاد في تهديده، فالتزمت حجرتها واستسلمت لدموعها يعذبها شعور بالقهر والهزيمة وضاقت عليها الدنيا وتدخل الشيطان يوسوس لها بضرورة الانتقام، وأن تتغدى بزوجها قبل أن يتعشى بها.
في الصباح وجد سعيد في انتظاره وجبة الإفطار، وما هي إلا دقائق بعد تناولها حتى شعر بآلام حادة وأخذ يتلوى ويصرخ من شدة الألم، فتركته منى وأغلقت عليه باب الحجرة، لكن سهام زوجته الأولى سمعت صوت صرخاته، فطرقت باب شقة ضرتها بكل قوتها حتى كادت أن تحطمه، ما أجبر منى على فتح الباب فأسرعت سهام بنقل سعيد إلى المستشفى، كما قامت بإبلاغ الشرطة التي تحفظت على بقايا الطعام وأمرت النيابة بعرضها على خبير السموم بالطب الشرعي، وأكد تقرير الطب الشرعي وجود آثار للسم في بقايا الطعام وأكدت تحريات المباحث أن المجني عليه تزوج للمرة الثانية منذ ستة أشهر فقط، وكان ينوي تطليق زوجته الجديدة التي قررت التخلص منه. تم القبض على منى وبمواجهتها بالتحريات وتقرير الطبيب الشرعي اعترفت بجريمتها. أمرت النيابة بحبسها على ذمة التحقيق وأحالتها إلى محكمة الجنايات بتهمة الشروع في القتل بالسم، بينما خرج سعيد من المستشفى مع زوجته الأولى في طريقهما لفتح صفحة جديدة.