بالرجوع إلى الأبحاث السوسيولوجية التي اهتمت بموضوع السحر في المجتمع المغربي لا يمكن الوقوف إلا على عدد محدود من الأبحاث في هذا المجال، وهي أبحاث في غالبها منجزة من طرف باحثين في إطار ما يعرف بالمدرسة الاستشراقية التي قدمت في حقيقة الأمر مقاربات متفاوتة إلى هذا الموضوع بالغ التعقيد، والالتباس، والذي تتداخل فيه التقاليد والعادات والموروث في تماه تام مع ما يسميه محمد أركون ب الإسلام الشعبي.
من الكتابات المهمة التي أنجزها باحثون مغاربة في موضوع السحر، البحث القيم الذي أنجزته الباحثة الاجتماعية فاطمة المرنيسي رفقة المعالج النفسي عبد الله زيوزيو، والمعنون ب النساء، الجذبة، الجنون وكذلك الباحثة الاجتماعية سمية نعمان جسوس في كتابها بعيدا عن كل حشمة، وهي كلها بحوث تشتغل على الظواهر الاجتماعية والسيكولوجية وبالأخص المرضية منها، بالاستناد إلى الأبحاث التي دشنتها المدرسة الكولونيالية، وفي قسط مهم منها على الفرش النظري الذي قدمه سيغموند فرويد وبالأخص من خلال كتابه الرائد أبحاث في علم النفس التطبيقي وكتابه الآخر الطابو والطوطم وكذلك الفتوحات التي دشنها كلود ليفي ستراوس من خلال كتبه الأكثر شهرة الإناسة البنيانية في سياق الأبحاث التي أنجزتها المدرسة الأنثربولوجية الحديثة.
إذا كان القصد أن السحر هو فعل بدائي، فهذا الفعل البدائي يتحول مع مرور الوقت من فعل فردي إلى فعل جماعي ومن ثم يكتسب شرعيته الوجودية، وسواء في تقاليد الشعوب القديمة أو تلك التي نصطلح عليها بالبدائية أو عند الشعوب المتحضرة، فإن الفعل السحري يتجدد، كما أن أساليب السحر نفسها تتخذ أشكالاً جديدة ومهذبة تتناغم مع العصر وتنسجم والروح الجديدة، وتستجيب ل الحاجيات المعبر عنها.
فتجدد أفعال السحر، بحسب الأنثربولوجيين وعلماء الإناسة هي تعبير عن حاجة اجتماعية، وإلا لما كان هناك داع لوجودها أو لاستمراريتها.
يحتاج الأمر بحسب البحث السوسيولوجي للحديث عن السحر في المغرب إلى التزام منهجية علمية من أول عناصرها البحث الميداني، وبحسب الدراسات القليلة التي تمت في هذا المجال،ومن بينها البحث الميداني الذي قام به الباحث السوسيولوجي المغربي محمد أسليم في مدينة الرباط، فإن الخلاصة التي أمكن الانتهاء إليها، هي أن لا أحد من المستوجبين أو من المسحورين يقول لك أني مسحور أو أني سحرت، فالجميع يحب أن يروي لك حكاية آخرين، بادئا حديثه بحُكي لي، أو يحكى أنه.
وهذا يدخل عموما ضمن التكتم الذي يحيط بهذه الممارسة الاجتماعية، أي السحر، ليس لأنه فعل شيطاني، ولكن لأنه آلية خفية ورمزية في الإخضاع.. إخضاع المحب لحبيبته، وإخضاع الزوج لزوجته، والخليل لخليلته، عن طريق إحداث المس وليس الأذى. ولأن المسافة بين الحب والكراهية هي مسافة شعرة العجين، فإن حالة التملك أو الامتلاك غالبا ما تتحول إلى أذى غير مقصود.
الكثير من أدوات الاستعمال اليومي تصبح في حالة الاستعمال السحري ذات محمولات رمزية أخرى، فحتى الأدوات المألوفة التي يستخدمها الإنسان يوميا، من مزهريات وأقداح ومواعين وآلات وأسلحة تتحول عن طريق الاستعمال السحري إلى أدوات ذات استعمالات طقوسية تجعل منها كما يقول البحث الأنتروبولوجي، أدوات ترتبط بشيء آخر غير العالم العملي التابعة له. وكلّ من مواسم الجني والزراعة وصيد السمك والقنص والحرب، تحددها هي الأخرى استعمالات طقسية، أو تصاحبها، كما أن جميع الأحداث والوقائع المتعلقة بالحياة، كالولادة والبلوغ والزواج والمرض والموت، تشارك في ما وراءٍ يُرمَزُ إليه بالطقوس التي تتصدر الحفلات والمآتم.
وكلها تتخذ في الغالب أبعادا سحرية، ففي حالة جعل البيوت محروسة من شر العين توضع على مداخل الأبواب خميسة وهي يد صغيرة من نحاس، أو صفيحة الفرس، تسمى بالعين الحارسة.
وفي حالة الصعوبات التي يلاقيها التاجر في تصريف بضاعته بسرعة في السوق وجلب الزائن، يعمد إلى الذهاب عند فقيه كي يكتب له حجابا جالبا للقبول أو مايسمى ب حجاب التيسير، وفي حالة الفتاة التي فاتها قطار الزواج فإن ذويها أو أمها أو إحدى قريباتها يعمدن إلى الذهاب بها في زيارة لأحد الأضرحة وأولياء الله المشهود لهم بالكرامات، حيث تقدم الفتاة النذر على شكل ذبيحة أو هدايا أو ما شابه ذلك إلى القائمين على الضريح الذين يتولون بالنيابة عن الولي الصالح تبليغ طلبها ورجائها على شكل أدعية أو أذكار أو حالة من حالات الجذبة والصرع أو عن طريق محلول أو شراب معين تتناوله الفتاة أو عن طريق الكتابة باستعمال الأحجبة، وغالبا ما تكون هذه الأحجبة جاهزة في مطاو من نحاس ومعروضة للبيع في الدكان أو الحانوت الملاصق للضريح.
والأمر نفسه بالنسبة للمرأة العاقر أو للشابة التي هجرها زوجها أو بالنسبة للشاب الذي أصيب بعجز جنسي مفاجئ ليلة الدخلة مثلا، حيث تعمد والدته أو إحدى قريباته من العجائز، ويفضل في هذه الحالة أن تقوم الأم بالمهمة إذا كانت موجودة على قيد الحياة،حيث تعمد الوالدة إلى جعله يستحم بماء بين رجليها في وضع هو أشبه بحالة الوضع، هذا الفعل الطقسي المصحوب بأدعية ونداءات وأعشاب تحرق في مجمر يهيىء فعل ولادة جديدة، فلا يقوم الشاب إلا وقد رجعت له فحولته.
اقتصاد السحر
تمثل طقوس السحر اقتصادا قائم الذات، فهي من حيث كونها ممارسة اجتماعية ترتبط بشكل مباشر بفئات اجتماعية مستفيدة، ففي حالة الولي الصالح أو الضريح نجد لفيفا اجتماعيا قائم الذات يقوم على السخرة وعلى إسداء الخدمات وتوفير البينة التحتية من مآوٍ خاصة بالزائرين والزائرات وتوفير المواد المستعملة في السحر أو في إزالة السحر، من أعشاب وخلطات مختلفة، زيادة على توفير الأمن والتنقل من أجل ربط هذا القطاع بكل الخدمات الممكنة.
يمارس الساحر أو الفقيه أو المشعوذ كما يحب البعض أن يسميه يمارس عمله في سرية تامة، وفي القليل النادر ما تجد ساحرا أو فقيها يقبل بفضح سر المهنة، فهو يعتبر أن انتقال البركة منه يجب أن تخضع لمقومات ولطقوس ولثمن ولشروط، وأيضا لإذن مسبق من قبل الأرواح العليا المستحكمة، وعلى المريد الذي يريد أن يتعلم هذا العلم أن يقطع المشاق نفسها التي قطعها معلمه.
لذلك لا يبدو مستحبا عند هؤلاء الحديث عن أسرار مهنتهم لأنه في ذلك خرق لقدسية السر، واستعداء من قبل الأرواح عليهم، تلك الأرواح التي تسكن الأشياء والبشر، الجماد والمتحرك، وفي هذا الباب يمكن أن نتحدث عن إنتاج نوع من النظرة الكوسمولوجية إلى العالم بتعبير كاسيرر.
في المغرب حاليا يمثل رجل ظهر ناحية مدينة الرباط واسمه الشريف المكي حالة مثيرة للفضول وللانتباه، واستطاع في وقت قياسي أن يحقق شهرة على المستوى المحلي والعربي، بل سجل المتابعون أن العديد من مرضاه أو من زواره من الأوروبيين الذين يطلبون الشفاء من أمراضهم المستعصية على يد هذا الرجل.
طريقة هذا الرجل في شفاء مرضاه غريبة، لا تتعدى اللمس، والمصافحة بل ونتيجة لمئات الأشخاص الذين يزورونه يوميا لم يعد يجد الوقت أمام الطوابير الطويلة للمس الجميع أو مصافحتهم، فأصبح يكتفي بالخروج أمام منزله والتلويح بيديه ناحية الجمهور، ومن تلك المسافة يتحقق اللقاء بين صاحب القدرة السحرية وبين المريض، يتقهقر المرض ويحل الشفاء.
يبدو الأمر مرتبطا بفعل من أفعال الخارق، لقد انتقلت طريقة الرجل في مداواة مرضاه من الجلوس إليهم وسؤالهم ولمس العضو المتضرر إلى ابتكار طريقة جديدة وهي بيع قناني من المياه يعمل الشريف وهو اسمه التوقيري على لمسها في فترات استراحته وتسريب الطاقة الكامنة فيه إليها، وبذلك يتحقق الشفاء.
لقد انتقل الرجل من المداواة عن طريق شيء غير مرئي بتمرير اليد أو اللمس وامتصاص المرض أو تبديده أو تعليق نشاطه إلى حين أو إلى الأبد إلى مستوى آخر من العلاج وهو المداواة عن طريق شيء مادي محسوس، الماء، أي الانتقال بلغة العلم من الفعل الروحاني إلى المجال الأمبيريقي التجريبي، وهذا الفعل لا يتحقق عن طريق التراب أو النار الكي أوعن طريق نفخ النفس الهواء وإنما عن طريق المكون الرئيسي في سيرورة الخلق الماء مع اعتبار الحمولة الرمزية القوية للماء في الميثولوجيات القديمة وفي الأديان.
حقق الشريف من وراء بيع قناني الماء وعدم قبوله لمبالغ مالية في علاجاته واكتفائه بالهدايا العينية رواجا اقتصاديا، وخلق له نمطا اقتصاديا يدور في فلكه، فهناك الخدم والمعاونون الذين يزيد عددهم يوما بعد يوم بازدياد عدد الزوار، وهناك الحاجيات الغذائية وبنية الاستقبال التي يحتاجها الزوار والذي يقضي أغلبهم أكثر من يوم أو يومين، وبرزت للمرة الأولى في المنطقة خدمات الأكرية والشقق المفروشة والغرف وغرف الاستراحة، كما برزت الحاجة إلى مزيد من الحماية الأمنية للوفود التي تصل يوميا إلى تلك القرية الصغيرة التي كانت منسية تماما قبل أن يظهر فيها هذا الرجل، الذي هو بالمناسبة محدود التعليم. وهذه الحالة العينية هي مجرد حالة من حالات كثيرة، تبين أن طقوس السحر والشعوذة والتداوي عن طريق الخارق لا تزال موجدة، وعلى أن زبناءها ليسوا بالضرورة أميين وجاهلين ولا مغاربة، بل متعلمون ومثقفون وأطر علمية ومن جنسيات مختلفة، ومنها الأوروبية تلك التي تدعي أنها قطعت مع الفكر الغيبي أو البدائي على وجه التحديد.
ولذلك يمكن القول إن مفهوم البدائي هو مفهوم نسبي، لا يرتبط بالحضارة أو بالأحرى بالمدنية فإذا كان البدائي يعيش في عالم من الرموز، فإنه طبعا لا يشعر بها باعتبارها رموزا لأنه مسجون - إذا صح القول -بين ما هو سماوي، من حيث تأتّي قوى رهيبة، وسطح ما هو أرضي، حيث تسود قوى أخرى تشكل هي الأخرى تهديدا، ويجب الانتصار عليها للتمكن من البقاء، لكن السماوي والأرضي يبدوان أيضا بمثابة حِجابين تختفي وراءهما القدرات التي تطلق هذه القوى من معاقلها: آلهة كوكبية أو تحت أرضية، غير مرئية لكنها كلية الحضور، تحمل على الاعتقاد بأن الكل مملوء بالآلهة، وباختصار، فإن البدائي الذي نصادفه، الذي كنا إياه وسنظل إياه، يعيش داخل ما يسميه علماء الأنتروبولوجيا بالكراطوفانيا، أي داخل عالم يتجلى فيه دوما لعبُ القوى التي تفلت من رقابة الإنسان.
يكتب الباحث في الأنثربولوجيا الاجتماعية ماك روكفيلا أمام مشكل المرض الذي لا يفهمه الفكر السوي تدعو الجماعة المريض نفسيا إلى استثمار ثروة وجدانية محرومة بنفسها من نقطة ارتكاز، وذلك من خلال مقام كلي يجد فيه مكانه كل من المريض والساحر والجمهور، ويضيف إذن فالأمر لا يتعلق بربط أحوال غامضة ومختلفة بعلة موضوعية، وإنما بمفصلتها على شكل مجموع أو نظام، وهو ما تثبته للشعور تجربة أصلية يتعذر استيعابها من الخارج.
من الواجب الإشارة أنه في حالة المكي لم يقتصر الأمر على المرضى، بل على بعض الفضوليين، وأحيانا على أطباء متخصصين في تخصصات دقيقة وعلى معالجين نفسيين اقترحوا على مرضاهم وتحت المراقبة الطبية تجريب هذا النوع من العلاج، وقد حققت هذه الطريقة أحيانا بعض النتائج وأحرز بعض المرضى الميؤوس من حالتهم شكلا من أشكال استقرار المرض أو وهما مؤقتا بالشفاء التام.
وفي هذا الإطار يمكن الاستدلال بمقولة ماك روكفيل التالية ليست الأرواحية والإحيائية والطوطمية أو السحر على الإطلاق شعوذاتٍ من شأن وصفها أن يكفي لدحضها كليا. إنها منافذ لسلوكات الشدة. شدة غير قابلة للاختزال إلى ما قد توحي به الحيوانات المتوحشة أو العناصر الهائجة، ولكنها تنطوي كذلك على شدة أساسية لدى الإنسان تجاه عرائه الجوهري. والرموز التي تجري عبر ما كان يبدو مفترقا، والتي تكسر كل التصنيفات، هي كذلك إجراءات للهروب، هي وثْباتٌ أو إقلاعات تطلب من المستحيل أن يجعل بالإمكان تحقيق انتصار ما على الواقع.
ويضيف في المقام نفسه والفكر التحليلي عند السوسيولوجي أو المحلل النفسي سيفكك هذه الرموز كأنها أجزاء مربكة ليستخرج منها اللامنطق المنطقي الخفي، وبذلك سيقضي على نفسه بألا يرى فيها التعبير عن الوجود الذي يبحث عن منفذ للخروج، والذي - لأجل ذلك - يتدخل ويختلط بكل ما يحيط به، يدمج المغاير أملا في العثور على الفصال الذي سيفتح، من الجانب الآخر لجميع المشاركات، قفل هذا العالم الذي تجري فيه هذه المشاركات نفسها.
ربما يعود الفضل من حيث الدراسة الأكاديمية في أشكال وأفعال السحر إلى عدد من الباحثين المغاربة، لكن بدرجات مختلفة، فأغلب الدراسات ركزت في حالات أو في علامات محددة من دون أن تذهب عميقا في اتجاه تحليل هذا الحقل الشاسع من الممارسة الاجتماعية والثقافية التي تراكمت عبر قرون من وجود الإنسان في شمال إفريقيا.
وبحسب الباحث المغربي محمد أسليم المتخصص في دراسة السحر وصاحب كتاب هوامش في السحر فإنه إذا تصفحنا المقالات والدراسات التي تُكتَبُ في المغرب اليوم حول السحر والخفي عموما وجَدناها، على قلتها لا تحيد - إلا في حالات نادرة جدا - عن أحد توجهين:
عندما يكون المخاطَبُ هو الآخر (الغرب) يتم اختزال السحر إلى مظاهره الغرائبية، كما يتم التركيز على هذا الجانب إشباعا لرغبة هذا الآخر المُفتَرَضة أنها كذلك، ويتجلى هذا التوجه بوضوح في الدراسات المكتوبة بلغة أجنبية (الفرنسية، مثلا).
أما عندما يكون المُخاطَبُ هو القارئ المغربي، فإن اللهجة تتغير، فتحكمها نزعة نضالوية يُختَزَلُ السّحر فيها إلى مجرد شعوذةٍ ومظهر من مظاهر التخلف الاجتماعي والاقتصادي التي ينبغي التخلص منها في أسرع وقت ممكن. يلتقي في هذا الموقف السلفيون وفئة واسعة من المثقفين التقدميين، بل وأحيانا حتى بعض وسائل الإعلام الرسمي كالإذاعة والتلفزة. ويبدو أن هذه الأحكام تستند إلى تمثلٍ للغربِ مُتَخَيلٍ، شائع بين المغاربة والعرب عموما، يرى في هذا الغرب نموذجا للاحتذاء بوصفه قد تخلى عن هذه المعتقدات والممارسات نهائيا؛ تقول الباحثة تونسية حياة الرايس في كتابها جسد المرأة من سلطة الإنس إلى سلطة الجان في معرض حديثها عن ظاهرة الصرع:.. فهل الصرع ظاهرة ميتافيزيقية أم ظاهرة أنثروبولوجية؟ مع العلم أن هاتين المرحلتين يمكن أن تتعايشا بشكل مكثف في المجتمعات العربية أكثر منها في المجتمعات التي حسمت أمرها مع الخرافة ووضعتها في مكانها الصحيح، وأحلت العلم ليجيب عن أسئلتها.
ويسوق أسليم مثالا حيا بالأرقام عن حضور السحر في المجتمعات الغربية وفي أمريكا رمز العقلانية وما بعد الحداثة، يقول: والحال أن الواقع بخلاف ذلك تماما: ففي فرنسا وحدها، وصلت الميزانية السنوية للسحر في عام 1957 مبلغ 3 مليارات فرنك فرنسي، وستتضاعف هذه الميزانية بسرعة قصوى لتصل سنة 1976 إلى 70 مليار فرنك فرنسي.
مفاهيم
يمكن تمييز العديد من المفاهيم بحسب وظيفتها السحرية في الفضاء المغربي، فهناك الطالب وهو الحافظ للقرآن ويستعمل الرقيات والآيات القرآنية في مداواة الممسوسين، وهناك الفقيه أو الفقي كما ينطق محليا وهو أكثر مرتبة من الطالب، وأكثر معرفة منه، وهو علاوة على أنه يحفظ القرآن فإنه يكون مطلعا على عدد من العلوم الخفية الأخرى، وعلى كتب سرية تدخل في باب العلاجات الروحانية.
وهناك الشوافة أي العرافة، التي لا يشترط فيها أن تكون عارفة بالكتابة وبالقراءة، ولكن معرفتها بعلوم السحر تكون تامة، وهي غالبا ما تتأتى من شخصيتها الشيطانية القوية ومن قدرتها على إتيان الخارق وعلى النظر في المستقبل ومعرفة الماضي وأين ردم هذا الماضي.
رواسب الذاكرة
المغرب الحالي يحمل ذاكرة ثقافية يُعتَبَر السحرُ، والروحاني، أحد مكوناتها الأساسية في الشقّ الإسلامي من هذه الثقافة على الأقل نقول في الشق الإسلامي على الأقل لأنه بات شبه مؤكد أنه عندما توجد ثقافة ما في سياق هيمنة تكون فيه الغلبة لثقافة أخرى، فإن العديد من عناصر الثقافة الأولى تتمكن من الاستمرار في الوضع الجديد وتواصل حياتها على شكل رواسب أو بقايا،بتعبير آخر، إن هذه المخلفات لا تموت، بل تواصل حياتها بأشكالٍ أخرى.
يمكن أن نعثر على الكثير من المصنفات العربية القديمة التي تكلمت عن السحر والعلوم الخفية أوردتها في سياق الحديث أو أفردت لها فصولا، وهناك كتب كاملة ألفت في هذا الباب، ومن هذه وتلك يمكن ذكر بعضها على الصعيد المغاربي مثل كتابات ابن خلدون، وابن البناء المراكشي وإبراهيم ابن الحاج وخطير الدين العطار ونور الدين الزناتي، وغيرهم في مختلف العلوم الخفية لا تدع والتي تقتدي وتهتدي بكتابات مؤلفين من المشرق العربي من أمثال (الطبري، التيفاشي، الدميري، القزويني).