شكلت المحيطات عبر الزمن همزة وصل بين الحضارات، وكما حملت على سطحها كثيراً من المغامرات احتضنت أعماقها آثار ورفات رحالة ومحاربين وتجار وجدوا في أعماق المياه مثواهم الأخير . ويقدر عدد السفن التي ينتشر حطامها بقيعان المحيطات نحو 3 ملايين سفينة، وبعضها يعود عمرها إلى آلاف السنين، وقيمتها ليست فقط في كنوزها الغارقة من معادن ثمينة وبخاصة الذهب والفضة ومجوهرات مثل الألماس واللؤلؤ، بل والأهم في كونها مصدراً ثميناً للمعلومات التاريخية، وحافظة زمنية تقدم صورة كاملة عن الحياة على ظهر السفينة وقت غرقها .
قد تكون حمولة بقايا السفن الغارقة ذات أهمية فنية كبرى، فقد عثر في حطام السفن اليونانية والرومانية على العديد من التماثيل الرخامية والبرونزية الثمينة، وعلى الرغم من الأضرار الكبيرة التي ألحقتها ملوحة المياه بهذه التماثيل، إلا أن جهود الترميم تمكنت من إنقاذ كثير منها، أشهرها تمثال شاب انتيكيثيرا الشهير .
وعلى حين يعد هياج البحر وعواصفه أهم أسباب ابتلاع كثير من هذه الكنوز الغارقة، إلا أن الحروب تعد العامل الذي تسبب في إغراق أكثر عدد من السفن خلال العمليات العسكرية، ومن أشهرها مثلاً السفينة بسمارك التي كانت يوماً فخر البحرية الألمانية، التي أغرقتها طوربيدات بريطانية عام ،1941 في مأساة إنسانيه قضى فيها كل طاقم بحارتها البالغ عددهم ،2900 وتستقر حالياً على بعد 600 ميل غربي برشت على الساحل الفرنسي، وعلى عمق 4790 متراً .
كذلك هناك تعمد الإغراق ويعني إغراق السفن عمداً لمنع المرور عبر أحد الأنهار أو الخلجان، أو القنوات المائية، لحمايتها من هجوم قوى معادية، كما أن البعض أغرقته القوات المهاجمة لمنع الأخرى المدافعة من الخروج إليها، ومن أشهر أمثلتها إغراق 5 سفن عام 1918 أثناء الهجوم على زيبروجى وأوستنده الألماني للحيلولة دون استخدام البحرية الألمانية للميناء .
وحاجز السفن السويدي المؤلف من 20 سفينة تم إغراقها عمداً عام ،1917 في خليج جرايسوفيلد قرب جزيرة روجن بالساحل الألماني لبحر البلطيق .
ويتجدد كل يوم الحديث عن هذه الكنوز الغارقة، خاصة بعد التطور الهائل بتقنيات المعدات الحديثة التي يمكنها الوصول إلى أعماق جديدة لم تكن ممكنة من قبل مثل السونار، ومقياس المغنطة، والوسائل الروبوتية الغواصة التي يمكن توجيهها عن بعد، والتي تغلبت على العقبة الأولى التي كان الغواصون يواجهونها، ألا وهي قدرتهم المحدودة على تحمل ضغط الماء .
كما أسهم تطور وسائل الاتصالات الحديثة في إمكانية رصد حطام السفن الراقدة على بعد آلاف الأمتار بقيعان المحيطات عبر الصور الملتقطة من الأقمار الصناعية بتقنيه الأشعة تحت الحمراء، وهي التقنية التي اعتمد عليها مستكشفون أمريكيون لتحديد موقع غرق السفينة أس أس ريبيبليك بالمحيط الأطلنطي، التي غرقت ،1865 بعد عاصفة بحرية عنيفة، وكانت تنقل 20 ألف قطعة معدنية، تبلغ 17 طناً، تتنوع مابين قطع نقود ذهبية وفضية، يعود تاريخها إلى الفترة التي كانت بها أمريكا مستعمرة بريطانية، وتبلغ قيمتها حالياً 500 مليون دولار أمريكي، ولم تتوقف إثارة الاكتشاف عند كونه كنزاً ثميناً، يعد الأغلى المكتشف بالعقدين الأخيرين، لكن أيضاً في إثارة نزاع قانوني عنيف حوله، بين الشركة المكتشفة للكنز والحكومة الإسبانية التي تؤكد أنها صاحبة الحق الأول لأن الحطام المكتشف يرجع للفرقاطة الإسبانية نيويسترا سينورا دي لامرسيدس وهي سفينة إسبانية أغرقتها البحرية البريطانية ،1804 ولم يحسم الخلاف القضائي حتى الآن .
ويعد حطام تايتنك هو الأشهر كذلك بين الكنوز الغارقة، وتم العثور عليه بوساطة بعثة أمريكية مشتركة عام ،1985 بعد مرور 73 عاماً على اصطدامها بجبل جليدي أثناء رحلتها الأولى والأخيرة بين لندن، ونيويورك، وقضى 1503 ركاب كانوا على متنها، ويعتقد الخبراء بوجود صعوبات متعددة تحول دون انتشال حطامها القابع على عمق 4 كيلومترات بالمحيط الأطلنطي .
ولا تقل شهرة السفينة مارى روز عن سابقتها البريطانية، وان كانت هي الأقدم، وكانت سفينة القيادة للأسطول التابع للملك هنري الثامن، وغرقت أثناء معركة بحرية ضد الفرنسيين عام ،1501 وتم انتشالها إلى سطح الماء بعد 437 عاماً قضتها في قاع السولنت، وهو ممر ملاحي مهم تستخدمه السفن، ويفصل جزيرة وايت عن الأراضي الإنجليزية، وتمت استعادة أكثر من 10 آلاف قطعة أثرية منها، وحطامها معروض حالياً في حوض بورتسموث للسفن التاريخية .
أما أشهر السفن البريطانية الغارقة التي ترتبط بأساطير متعددة لم يتم التأكد من صحتها، وبانتظار انتشالها حتى نتعرف إلى حقيقتها فهي السفينة ساتسفاكشن التابعة لأسطول الشخصية الأسطورية الكابتن هنري مورجان، والتي غرقت قبل أكثر من 340 عاماً، بعد اصطدامها بالشعاب المرجانية قبالة السواحل البنمية عام ،1671 وفقدت كامل بحارتها، وهي متجهة صوب نهر تشاغرس للسيطرة على قلعة سان لورنزو من قبضة الإسبان، ولم تكن السفينة الوحيدة التي ابتلعها البحر هناك، بل تشير بعض التقديرات إلى وجود أكثر من 5 سفن غارقة بالمنطقة نفسها، في المرحلة التاريخية نفسها، إلا أن تجمع الرمال ونمو الشعاب المرجانية عليها لمئات العقود، جعل من الصعوبة بمكان تحديد مواقعها بدقة .
أما السفينة ساتسفاكشن فحظيت باهتمام خاص، بعد عثور بعض الغواصين وعلماء آثار تابعين لجامعة تكساس بالمصادفة على أجزاء من حطامها قبل نحو العامين، وبالتالي تم تخصيص تمويل لشراء معدات متطورة للكشف عن بقية أجزاء السفينة، وتم بالفعل حتى الآن استخراج ستة مدافع تعود لأسطول المغامر مورجان الذي اختلفت الروايات حول كونه قرصاناً، أو مرتزقاً من منطقة مونموشاير الواقعة جنوبي ويلز، استأجرته حكومة التاج البريطاني،لحماية طرق التجارة عبر الكاريبي، ويعد العثور على حطام السفينة بحد ذاته كنزاً، لأنه سيقدم الحقيقة عن واقع هذه الشخصية الأسطورية، ويكشف فصولاً من المغامرات البريطانية بهذا الوقت الذي كانت فيه إمبراطورة البحار، إضافة إلى معرفة كيف كان شكل الحياة بالنسبة إلى هؤلاء القراصنة قبل أكثر من ثلاثة قرون .
أما أكثر الكنوز الغارقة على وجه الأرض فقدرها بعض الخبراء بنحو 3 مليارات دولارات، كانت تحملها السفينة الإسبانية فلور دي لامار وغرقت عام ،1511 بسبب عاصفة قبالة الساحل الشمالي لسومطرة، وفيها نهب الأدميرال الفونسو دي البكويرو أموال وممتلكات مملكة ملقا القديمة ماليزيا حالياً، بعد رفض طلبه للحصول على إذن بالتجارة هناك، وحملت السفينة على مدار ثلاثة أيام بأكثر من 60 طناً من الذهب، و200 نوع من الأحجار الكريمة مابين ألماس وزمرد وياقوت، ومئات السبائك المعدنية، حتى عرش السلطان وتاجه .
وتليها في القيمة سفينة الشحن البرتغالية ناو شاغاس، الغارقة عام ،1594 عند عودتها من جزر الهند الشرقية محملة بأطنان من أغلى البضائع والتي تشمل الماس والياقوت واللؤلؤ، تقدر قيمتها الحالية بأكثر من مليار دولار .
كانت السفينة تعرضت لهجوم من أربع سفن بحرية بريطانية بالقرب من جزر الأزور، وهي جزر برتغالية تقع بوسط المحيط الأطلنطي .
ويحوى المحيط الأطلنطي النسبة الأكبر من الكنوز الغارقة، ومن أشهرها السفينة ميرشانت رويال التي تعد من أعظم الكنوز التي مازالت بانتظار تحديد موقعها بدقة، قبالة السواحل البريطانية، وغرقت بعام 1641 بسبب سوء الأحوال الجوية، وكانت عائدة إلى بريطانيا من إسبانيا محملة بالآلاف من البضائع التي تعاقد عليها تجار وأثرياء بريطانيون، وقضى جميع بحارتها الثمانين، والكابتن الشهير جون ليمبري، وكان على متنها 36 مدفعاً من البرونز، ونصف مليون قطعة بيزو إسبانية فضية، و500 سبيكة ذهبية،ومئات من الأحجار الكريمة تتنوع مابين الياقوت والألماس والزمرد واللؤلؤ .
أما أشهر السفن الفرنسية الغارقة فهي فيرجي دو بون بورت وكانت أهم سفن البحرية الفرنسية التي خصصها الإمبراطور لويس الرابع عشر لإنشاء مستعمرة قوية في مدغشقر، للاستفادة من الثروات الهائله لهذه المناطق، وبخاصة تجارة البهارات، ونجحت السفينة بالوصول إلى وجهتها عام ،1665 وفي مطلع العام التالي، وفي طريق عودتها محملة بمختلف أنواع عينات البضائع التي يمكن العثور عليها في مدغشقر والجزر المحيطة بها، وأهمها أحجار كريمة تزيد قيمتها على المليون ونصف جنيه إسترليني، وعلى مقربة من المياه الفرنسية هاجمت مجموعة قراصنة إنجليز السفينة، وأغرقتها قبالة غرينسي، وغرق معها طاقم البحارة، وعدد من القراصنة أثناء محاولتهم إنقاذ الكنز الذي كان بحوزتهم، والمثير أن هذه السفينة لم تظهر منها أية آثار حتى وقتنا الحاضر، ويبدو أنها تقبع في أعماق المحيط .
وكذا السفينة سولي دو أورينت التي كانت محملة بأطنان من الهدايا التي أرسلها ملك سيام تايلاند إلى لويس الرابع عشر، والبابا، ويقال إن السفينة كانت تحمل 60 صندوقاً من المجوهرات والألماس، والأحجار الكريمة، بصحبة ثلاثة سفراء، وغرقت قرب الطرف الجنوبي الشرقي لمدغشقر عام ،1681 وضمت السفينة كذلك عدداً هائلاً من المشغولات الخزفية، والفضية .
وتعد السفينة سانتا روز أشهر السفن البرتغالية الغارقة قبالة سواحل سلفادور حالياً، بعدما أتت النيران على محتوياتها على نحو غامض، بعد إبحارها من البرازيل متجهة إلى البرتغال عام ،1762 وكانت محملة بأكثر من خمسة أطنان من الذهب، وكميات هائلة من البارود، إلا أن غرقها اعتبر مأساة حقيقة لأنها أودت بحياة 700 شخص كانوا على متنها .
كنوز "البلطيق" على حالتها
لعبت الطبيعة دوراً مهماً في احتفاظ بحر البلطيق بأسرار مئات من السفن الغارقة، بكنوزها، وذلك بسبب انخفاض درجات الحرارة على مدار عشرة أشهر بالعام إلى مادون الصفر، وتجمد سطح المياه، لكن المثير انه يتمتع بميزة فريدة ونادرة، وهي انعدام ملوحة مياهه، ما يجعل السفن التي عثر عليها قابعة بأعماقه، تحتفظ بهياكلها الخشبية كما هي نظراً لعدم وجود ديدان الخشب البحرية التي لا تعيش في هذه المياه، كما يبلغ متوسط عمقه 180 قدماً وهو ما يسهل الوصول إلى حطام السفن القابعة بأعماقه، خاصة مع سهولة رصدها بأجهزة التصوير والاستشعار الحديثة .
وكانت السفينة الحربية الملكية السويدية فاسا من أشهر المكتشفات التي كانت على حالها تقريباً عند انتشالها عام ،1961 بعد 333 عاماً من غرقها، وقد اكتشفت على عمق 30 متراً في ميناء استكهولم .
كذا كانت المصادفة وحدها هي التي قادت طاقم غواصة سويدية أثناء رحلة تفتيش روتينيه عام 2002 إلى العثور على حطام سفينة غارقة من القرن الثامن عشر، كانت على حالتها الأصلية تقريباً، وعليها مئات من الجماجم البشرية، ويبدو أنها تعرضت لكارثة ما، ولم يتم انتشال الحطام حتى الآن على الرغم من تغير الأنظمة الشيوعية القديمة التي كانت تحظر إجراء أية أعمال تنقيب أو بحث بأعماق البلطيق .
وتعد سفينة فراو الهولندية أكثر الكنوز الثمينة الغارقة قبالة السواحل الهولندية، وغرقت عام 1771 أثناء رحلة إلى سان بطرسبرج كانت تقل خلالها قطعاً فنية للإمبراطورة الروسية كاترين .
حماية التراث الثقافي المغمور بالمياه
تعد الأغلبية الكبرى من عمليات الاستكشاف التي تجرى بأعماق المحيطات مشروعات تجارية، تأخذ مجراها في إطار من السرية المشددة، وهو أمر يثير المخاوف من تعرض مواقع تاريخية نفيسة للنهب والعبث، وتقدر الأمم المتحدة أعداد السفن الغارقة بنحو 3 ملايين سفينة تقدر حمولاتها بمليارات الجنيهات الإسترلينية .
وبحسب المعاهدة العالمية لانتشال الغوارق عام ،1989 يعد حطام السفن ملكاً لمن يعثر عليه إذا كان واقعاً في المياه الدولية، بشرط ألا تعود ملكيته لدولة من الدول .
وتعد هذه المادة من أكثر مواد المعاهدة غموضاً، وتسببت بنشوب كثير من المنازعات القضائية بين دول، وشركات تنقيب بحرية خاصة، ادعت كل منها أحقيتها بالكنوز التي عثرت عليها، ولم يبت القضاء الدولي في أية من هذه المنازعات .
استكشف المحيطات على "جوجل"
يقدم موقع جوجل خدمة المحيطات OCEAN وهي عبارة عن أداة متطورة لتصفح واستكشاف المحيطات حول العالم، وتمكن الخدمة المستخدم من الغوص تحت سطح الماء لمشاهدة تضاريس قاع المحيطات بأبعاد ثلاثية، إضافة إلى الوصول إلى محتوى واسع من المعلومات الخاصة بالبحار أسهم في جمعها نخبة من العلماء .
ويمكن للمستخدم الوصول إلى أصعب النقاط في الأعماق دون مغادرة مقعده، عبر الغوص افتراضياً للتجول بين البراكين بأعماق المحيطات، ومشاهدة مقاطع فيديو عن الحياة البحرية، والقراءة عن حطام السفن الغارقة، إضافة إلى المساهمة في زيادة المحتوى من خلال إضافة معلومات وصور ومقاطع فيديو عن أفضل الأماكن للغوص وركوب الأمواج .
وتتوفر خدمة أوشن لتصفح المحيطات في أحدث إصدارات GOOGLE EARTH ويمكن للمستخدم تكبير صورة كوكب الأرض حتى الوصول إلى قاع المحيطات لمشاهدة سلاسل الجبال البحرية، وملايين من أشكال الحياة المختلفة التي تمتاز بتنوع بيولوجي هائل .