السلت شعب عرف بأن محاربيه كانوا أشداء عظماء وكانت الحرب لا تتوقف في ما بينهم خاصة أنهم كانوا ينقسمون إلى قبائل عدة. وعندما يقتل أحدهم عدواً له بالذات فإنه يحزّ رأسه ويحتفظ به كحلية فوق باب داره. ويبدو أنهم كانوا يعبدون آلهة متعددة محلية مثل ديفا إلهة الغابات وبورفو إله الينابيع الساخنة، لكن عبادة الورود كانت أقوى الديانات لديهم وأساسها عبادة الشمس، لكن هذه العبادة لم تخل من الجانب المتعطش لسفك الدماء حيث كانت طقوس المذابح تقام في الأحراج المقدسة بانتظام.
وجاء الوقت الذي كان على السلت أن يهجروا فيه حياة التجوال والبدء في الاستقرار داخل قرى تكثر فيها النباتات للاستفادة منها.
وكانوا يبنون قراهم في بعض الأراضي الخالية داخل الغابات ويحيطونها بسور من القوائم الخشبية المدببة لأن السلام لم يسد بينهم وبين جيرانهم لفترة طويلة.
انتشار واسع
وشعب السلت هو الشعب المتحدث باللغة السلتية التي تشمل البريتانية والكورنية والايرلندية والاسكتلندية وهي فرع من أسرة اللغات الهندية - الأوروبية.
وعُثر على أقدم الشواهد على السلت في هولستات بالقرب من سالزبيرج بالنمسا، فقد كشفت الحفريات الأثرية أن هناك المئآت من قبور السلت التي يرجع تاريخها إلى نحو القرن الثاني قبل الميلاد. ويعتبر سلت الهولستات من أوائل الشعوب التي صنعت الحديد في أوروبا الشمالية، ومع حلول القرن السادس قبل الميلاد انتشر السلت في فرنسا والبرتغال وأسبانيا والجزر البريطانية واستوطنوا أيضا شمالي ايطاليا وغزوا البلاد جنوباً حتى روما التي نهبوها في العام 390 ق. م.
وخلال القرنين الرابع والثالث ق. م، انتقلت مجموعات من السلت إلى منطقة البلقان في ما يعرف اليوم ببلغاريا واليونان. وخلال الفترة الواقعة من القرن الرابع قبل الميلاد إلى القرن الثاني الميلادي، احتل الرومان أجزاء واسعة من أوروبا وكانت المجموعات السلتية الوحيدة التي حافظت على ثقافتها هي تلك التي سكنت إيرلندا واسكتلندا وويلز جنوب غربي انجلترا وبريتاني في شمال غربي فرنسا.
يقول الباحثون إن السلت الذين وفدوا أصلاً من آسيا وبدأوا بالتحرك نحو الغرب واتخذوا أوروبا موطناً لهم، كانوا في مظهرهم طوالاً شقراً وذلك على النقيض من سكان أوروبا الأقدمين الذين كانوا قصاراً سمراً.
ويشير هؤلاء إلى أن السلت كان لديهم خط فني واضح فقد كانوا يحبون الأشياء الجميلة والزخارف والألوان الزاهية وذلك على نحو ما يتضح من بعض الاكتشافات الأثرية لبعض مزهرياتهم وأساورهم ومشابك صدورهم. ولقد استخدموا في الأساس الجلود لملابسهم وارتدى رجالهم السراويل الطويلة وكان غرامهم بالألوان الزاهية فائقاً كما انهم ابتدعوا ضرباً من الأحذية الخشبية واعتمدوا في طعامهم على القنص وصيد السمك، وحاول السلت فلاحة الأرض، ولخبرتهم في استخدام الحديد، فقد تمكنوا من صنع محراث يتصف بكفاءة وصلابة مناسبة.
أدب مكتوب
استخدم بعض السلت الأوائل الألفبائية الإغريقية لكتابة لغتهم الخاصة، غير انه لم يعثر على نماذج منها، لذلك جاءت المعلومات عن السلت الأوائل من كتّاب قدماء الإغريق والرومان ومن الأشياء التي اكتشفها علماء الآثار. ويشير الباحثون إلى أن السلت الايرلنديين استخدموا خلال القرون الأولى للنصرانية شكلاً بدائياً من الكتابة سُمي (أوقام) وقد عثر عليها في النقوش الحجرية. وتبنى السلت خلال بداية العصور الوسطى الحروف الهجائية اللاتينية وطوروا نوعاً من الأدب المكتوب بما في ذلك بعض الأساطير، وفي حوالي القرن السادس الميلادي، طور السلت ما عرف بأسلوب (لاتين الأدبي) الذي استقى اسمه من موقع سويسري عند الطرف الشرقي من بحيرة (نيوشاتل) حيث عثر على كثير من الاعمال التي نُقشت بذلك الأسلوب. ويبرز ذلك الاسلوب أشكالاً متقنة من الأقواس والحلزونات المحبوكة كما أنه صوّر بوضوح بعض الحيوانات والنباتات بأسلوب فني معين قلما وجد له شبيه في الطبيعة. وعاش أسلوب لاتين حتى العصور الوسطى حيث اصبح عنصراً رئيسياً في الآداب السلتية لتلك الحقبة.
تميزت البلاد التي كانت تتنقل بينها قبائل السلت بالطقس البارد غزير الأمطار، وقد انعكس ذلك على النمط العام لملابسهم التي كانت عادة ما تصنع من أقمشة خشنة وثقيلة لتمنح الجسم الدفء ولتعمر لأطول فترة ممكنة دون أن تتمزق.
وكانت ألوان الأقمشة تتراوح بين البرتقالي والبنفسجي والأحمر، وعادة ما كان يتم نسج الأقمشة على شكل خطوط أو مربعات لصنع الملابس الصيفية الخفيفة في حين أنهم كانوا يختارون جلود الحيوانات والأقمشة الصوفية لتصميم الملابس الشتوية، وكان القميص المعروف (بالتونيك) هو الزي السائد لرجال السلت حيث كان يصل إلى الركبة بالنسبة للشباب وإلى منتصف الساق بالنسبة للأكبر سناً والشيوخ وفي بعض الأحيان كانوا يرتدون ذلك (التونيك) بأكمام طويلة أو قصيرة وعادة ما كانوا يرتدون معه سروالاً من قماش خال من الزخرفة أو منقوش بمربعات ويتم تثبيته حول عقبي القدم بشريط من الجلد أو القماش. وكان اللون الأحمر هو اللون السائد لذلك الزي ولم يكن الرداء ليكتمل دون ارتداء عباءة قصيرة مستطيلة الشكل مصنوعة من جلود الحيوانات ذات لون أسود أو أزرق.
وكان يسمح لقادة الجيش فقط بارتداء عباءة طويلة مبطنة من الداخل والخارج.
أما عن النساء وزيهن فكن يرتدين (التونيك) أيضاً الطويل الذي يغطي أعقاب القدمين. ونساء الطبقة العليا عادة ما يرتدين فوقه قميصاً أو (تونيك) آخر قصيراً عديم الأكمام أو ذا أكمام قصيرة وفوقه عباءة من قماش ثقيل يتم تثبيتها على الكتف بالدبابيس الذهبية.
وكانت نساد العامة يقمن بتثبيت تلك العباءة التي غالباً ما تكون مصنوعة من اقمشة خشنة قاتمة، بشرائط جلدية بدلاً من دبابيس الذهب. وبشكل عام كان رجال ونساء السلت مولعين على حد سواء بأدوات الزينة من الحلي والمجوهرات الذهبية والنحاسية والفضية، أما ملابس الاطفال فكانت بسيطة مشتقة من نمط ملابس الكبار وهي ذات ألوان براقة في جميع الفصول مع اضافة المزيد من النقوش.
كانت منازل السلت ذات مسقط أفقي دائري ولها سقف مخروطي ولقد بنوها عن طريق دق أعمدة خشبية في الارض ثم ربطوا بعضها بعضاً بالأغصان لصناعة الجدران. وأخيراً كانوا يضيفون طبقة من الطين على تلك الجدران من الخارج ومن الداخل وكان ذلك هو طلاؤهم. وكانت تضاف إلى الجدران الداخلية بعض التحسينات بتعليق جلود الحيوانات عليها، ولم تكن ثمة نوافذ وكانوا يثبتون فوق الباب وهو الفتحة الوحيدة جمجمة واحدة لعدو كنوع من الزينة والترهيب، ومن السمات المميزة لهذه المنازل وجود حجر يستخدم كبالوعة تفرغ فيها نفايات المنزل والمياه.