أ.د. حميد مجول النعيمي

هناك آيات كريمات تشير إلى ما بعد نشوء السماء، خلقاً وإبداعاً، جاءت على صيغ أخرى من الآيات الكريمات ذات الجمل الفعلية الساحرة إذا تأملنا معانيها ودلالاتها، فمثلاً: -
«أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤوفٌ رَحِيمٌ» (الحج 65)
أي منع السماء من السقوط أو أنها لا تسقط، على الأرض إلا بمشيئته، فاقتران الفعل «يُمْسِكُ» بالسماء يدل على الفاعل المستتر: الله سبحانه، جمال بلاغي لغوي لاشك فيه، إلا أن لغة الفلك وفيزيائيته تمنحه بعداً تفسيرياً في حالتي الاستقرار الدائم والخلل المفترض أو المتخيل المُفضي إلى السقوط من خلال اضطراب في قوانين الجذب، لأن قوى الجاذبية المشتركة تلعب دوراً خاصاً في حركة ومواقع الأجرام السماوية بمختلف أنواعها في هذا الكون الواسع لتجعله مستقراً ومتوازناً في الوقت الحاضر: «وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ» (الرحمن 7)، الميزان هو التوازن الكوني، توازن خلق الله سبحانه، ميزان الحق والعدل. ثم نقرأ:
«... وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ....» (النور 43)، نرى الجار والمجرور (من جبالٍ)، ثم (من بردٍ) ونتبع موقع الفعل: «وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ» التي وردت أو ترد كثيراً في القرآن الكريم بصفة السحاب ( في الفقرة (رابعاً) شرح مفصل عن السحاب والأمطار في القرآن الكريم وفي الفيزياء والفلك)، وباستعمال ثلاث حالات بحرف جرٍ واحد: «من»، تعود كلها إلى الفعل ينزِل وفاعله المستتر ( الله سبحانه )، فإن لفظة السماء خرجت من دلالاتها الفلكية المجردة إلى مدلولٍ جمالي مدهش أنساها واقعها الفلكي الفيزيائي تماماً، ثم نقرأ أيضاً: «وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ...» (الروم 25).
قامت السماء فكيف تقوم الأرض ؟، وإذا تمعنا في مفهوم (قيام) السماء عجزنا عن إدراك المطلوب على نحو أكيد ودقيق، فأحد تفسيرات ] أن (تقوم) السماء ]: أن ترتفع، أن تُبنى، أن تُوضع،أن تُسوى، أن تُقضى....إلخ بكل ما فيها من أجرام سماوية مختلفة (مجرات ونجوم وكواكب...) أما الأرض فإن قيامها ليس فلكياً إلا من زاوية موقعها في المجموعة الشمسية ومن ثم المجرة ومن ثم المجموعة المحلية من المجرات والحشود الكبرى للمجرات في الكون. أما بنيتها التركيبية وتوازنها البيئي وتوزيع الكائنات الحية (المخلوقات) على سطحها... إلخ فهي، بمجموعها، مقومات القيام واستمرار الحياة على الأرض بدلائل رحمة الله، ثم نقرأ الآية الكريمة الآتية:
«أَفَلَمْ يَرَوا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنْ نَشَأ نَخْسِفْ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ....» (سبأ 9).
هنا يتغير تأثير الفعل في معنى السماء تماماً، نحاول قراءة الآية أكثر من مرة ونحاول معالجة مغزاها ومعناها بوجود حالتين مختلفتين تسبقان شبه جملة (من السماء) المكررة، ثم يتعين علينا إقران الأرض بها في الحالتين معاً، سبحان الله، إنه تركيب يُجاوز كل قدرة على التعبير الفصيح والبليغ عند البشر بحق، ثم يمنح معاني ليست متاحة من غير تأمل وتفكر، حتى لو سألنا، ما المقصود ب (كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ) وقلنا(قطعاً من السماء) أخذتنا دهشة الاختصاص، إذ ما هي هذه القطع فعلاً؟ هل هي نيازك أم من بقاياها أم من بقايا الشهب، أم هي جزء من مادة السماء( الكون)؟ وما مادة السماء ؟ هل هي واحدة ؟ صلبة ؟ في ظل هذا التعبير العظيم البسيط وبخاصة عندما تتحول كلمة كسفاً بمعنى (قطعاً) إلى مجموع مساحة السماء كلها في قوله تعالى: «أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفا....» (الإسراء 92).

أي بسقوط السماء كلها على شكل قطع متناثرة على الأرض ومن فيها وما فيها. حاول عدد من قواميس اللغة العربية ( المحيط، مختار الصحاح، لسان العرب، المنجد، العين للفراهيدي..) أن تشرح المادة في السماء، أو سقوط السماء على الأرض، فوجدنا المنجد، وهذه حسنة له، ينطلق في تفسير المادة على نحو يقترب من الحديث والتحديث فيقول: [(المادة) مؤنث المادّ. ما يتركب منه الشيء ويقوم به. المادة الأولى: هي التي يحصل الشيء معها بالقوة في مواد ومادات. (مواد اللغة) ألفاظها: (مواد العلم) مباحثه[ ثم يقول ](المادي) نسبة إلى المادة: [ القائل بأن لا وجود إلا بالمادة، وقوله هناك بأن المادة: (ما يتركب منه الشيء ويقوم به) يقود إلى أسئلة أخرى، إذ ما الشيء مثلاً ؟ على أن بعض علماء الكلام يجعلون معنى الشيء: الموجود بصرف النظر عن ماهيته ولهم وعليهم آراء متقابلة، لأن الموجود والوجود معاً يقودان إلى مجادلة جديدة وهكذا.... لذلك تجد السؤال قائماً: هل السماء (شيء)؟ وإذا كانت شيئاً فهل هي كالأشياء المألوفة من المركبات والمخاليط والعناصر؟ على أية حال، إن ذكره تعريفاً مَّا، في اللغة، إزاء المادة شيء حسن لأن شبه جملة (ويقوم به) أنفع لنا من (ما يتركب منه الشيء) بل ينطبق على فحوى لفظة السماء أكثر مما يتوافق معها مضمون: (ما يتركب منه الشيء) على صحته، ولكنّ علمي الفلك وفيزياء الفلك لم يقفا عند هذه التعاريف الأولية القديمة بل بتطور العلوم والفيزياء والرياضيات على نحو خاص أصبحت الدراسات الكونية تحمل لغة معقدة لا يتعامل بها إلا متخصصون،، نقرأ هذا المقطع المتعلق بالمادة ونرى: بالرغم من محاولات بعض العلماء مثل أينشتين وأدينكتون تفسير المادة، بأنها الشيء الذي يُحدثُ تحدباً في المتصل الإحداثي الزمكاني الرباعي، وتفسر المسارات المقوسة والتوابع عند مرورها بجوار الأجسام المادية، بأنه مظهر لهذا التحدب، فهي بذلك تختصر الكثير من حقائق الكون بفضاء زمكاني متصل، تنتشر على سطحه التجعدات، هذه هي لغة علم الفيزياء الفلكي الدقيقة والدقيق معاً! إن السماء (الكون) (أشياء) وليست (شيئاً) واحداً سواء أخذت على صيغة المفرد أو الجمع، وكل شيء في السماء جزء منها، أو جزء من نظامها الكلي ومحتواها الشيئي من النجوم وأشباه النجوم والمجرات وغيرها مما بين المجرات من (مادة) وهي: مادة ما بين المجرات. إلا أن علم الفلك الرياضي (اعتماد على المثلثات الكروية) يأخذ (المنظور) العام للسماء فيصفه، بالنسبة للراصد في الأرض، قبة سماوية (عندما ننظر إلى السماء في الليالي الصافية نلاحظ عدداً من الأجرام السماوية المتباينة في لمعانها والمختلفة في ألوانها وكأنها متحركة من الشرق إلى الغرب). وعليه نشاهد السماء وكأنها كرة واسعة الأطراف محيطة بنا وكأن مركزها هو عين الراصد. إن هذه الكرة الوهمية التي تتراءى لنا وكأننا مستقرون في مركزها هي القبة السماوية أو الكرة السماوية، التي يمكن تصورها بأنها كرة مجوفة بحيث تقع الأرض في مركزها، وتنتشر الأجرام السماوية على سطحها الداخلي، والحقيقة أن ظهور السماء وكأنها كروية ناتج عن الانحناء الكروي للأرض. أما الحركة الظاهرية للأجرام السماوية من الشرق إلى الغرب فهي مجرد خداع بصري، لأن الأرض هي التي تدور حول محورها من الغرب إلى الشرق. ومن أجل ذلك يتغير وجه السماء بين حين وآخر بالنسبة إلى أي راصد على سطح الكرة الأرضية، ويمكن التعرف إلى أنظمة حركة الأجرام (خلال مجراتها) بسرعة واتجاهات مبحوثة فيزيائياً ورياضياً وفلكياً.

* مدير جامعة الشارقة - رئيس الاتحاد العربي لعلوم الفضاء والفلك