من متابعاتنا كلمة السماء ودلالتها وعلاقتها بالكون نجد معلومات أشار إليها القرآن الكريم فيزيائياً وفلكياً بدقة عالية جداً، لها دلائلها الفيزيائية الفلكية المهمة جداً. لنتأمل الدلالات الإعجازية في الآيات المباركة الآتية:
1. «ومَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ» (الأنبياء 16)
ما خلق الله عز وجل السماء والأرض وما بينهما (السماء والسماوات «الكون والأكوان») لعباً والمقصود باللعب هنا: العمل العابث الذي لا هدف له» وإنما خلقها من أجل الحق والعدل وإظهار قدرته وعظمته (سبحانه وتعالى) مع المنافع التي تجتنى منها، أي إن السماء مخلوقة خلقاً، من الفعل: «خلق يخلق»، ثم:
2. «وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ» (الأنبياء 32)
الله تعالى جعل السماء سقفاً محفوظاً وحافظاً للأرض والكائن الحي الساكن عليها، أي أن الفعل هنا «جعل» حل محل صيَّر، والتصيير نوع من الخَلق ويكون بعد الخلق في الإجراء والزمن، ثم:
3. (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ) (الذاريات 47)
أي أن فعل البناء تم من شيء وهو ليس رديفاً ل (خلق) بل ربما نظير في بعض جوانبه، علماً أن أرصادنا الفلكية والفضائية تشير إلى أن السماء (هنا نقصد الكون المرئي) بناء محكم وليست فراغاً، بل محبوكة (أي مملوءة بمختلف الأجرام السماوية والمواد الغازية والترابية والدخانية) والكون في توسع، وأن هذا التوسع في تسارع (لأن كثافته الآن أقل من الكثافة الحرجة، ويستمر في التوسع إلى أن تزداد كثافة مادته لتكون أعلى من الكثافة الحرجة وبذلك يعود إلى ما كان سابقاً كما تفيد النظريات الحالية) قال عز وجل «يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ» (الأنبياء:104) وقد جاء ذلك من خلال رصد المجرات البعيدة التي وجدناها تبتعد عنا بسرعة متزايدة ( من خلال الزحزحة نحو الأحمر) ووجدنا أن كل مجرتين تبتعدان عن بعضهما بسرعة تتناسب طردياً مع البعد بين هاتين المجرتين ( قانون هابل). وقال تعالى:
4. «وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ» (الرحمن 7)
هنا الفعل «رفع»، صنع وجعل، والميزان هنا يشير إلى ميزان الخلق وليس ميزان الوزن، أي توازن الكون بسبب وجود قوى الجذب بين مختلف أجرامه السماوية، ونحن نعلم أن الكون هو كل شيء خلقه الله سبحانه وتعالى من المجرات والنجوم والكواكب ومختلف الأجرام السماوية الأخرى بما فيها السدم والمواد الترابية والغازية المنتشرة بين النجوم والكواكب فضلاً عن المادة المظلمة والطاقة المظلمة، ونجد أن كل جرم سماوي صغيراً كان أم كبيراً في حركة خاصة به يدور حول مركز ثقلٍ مّا، حسب قوى الجذب المؤثرة فيه لتبقيه متحركاً سابحاً في فلك «... وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ» وهذه الحركة تبقي الكون في توازن وفي ميزان «وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ». وقال تعالى:
5. «.... ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» (البقرة 29)
أي أن السماء «بصيغة اسم الجمع» كانت موجودة على غير نظام أو عدد فسواهن الله تعالى سبع سماوات طباقاً (وكما أسلفنا فإن الكون هو كل شيء موجود بما فيه المادة والطاقة والمجرات والنجوم والسدم والكواكب)، وتشير الأرصاد والدراسات الفيزيائية الفلكية إلى أن الكون في توسع واتساع وتسارع في الاتساع «وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ» وأن العديد من علماء الفيزياء الفلكية المعاصرين يتحدثون من خلال دراساتهم عن أن الكون المرئي هو أحد سبعة أكوان (أو متعدد الأكوان) (Multi Universe) وقد أشار الله سبحانه وتعالى إلى «سَبْعَ سَمَاوَاتٍ» في عدد من الآيات الكريمات، وقال تعالى:
6. «ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ1 فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ، فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ....» (فصلت11 12 ).
فقضاهن من «قضى يقضي: قدَّر وأجرى بما هو موجود من» دخان «لتصير السماوات السبع التي نرى منها السماء الدنيا بالعين المجردة مع ما فيها (علماً أن الكون المرئي مؤلف من أكثر من مليار حشد مجري (كل حشد معدله بحدود 100 مجرة) يتخلل هذه الحشود الدخان والتراب والغاز)، وقال تعالى:
7. «إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ» (الصافات 6)
للتذكير والتبصير بإضافة أشياء جديدة إلى السماء الموجودة تزيدها جمالاً وبهجة (الكواكب هنا، تعني مختلف الأجرام السماوية المرئية بالعين المجردة بألوانها الزاهية ولمعانها الجميل).
مما جاء في الفقرات السبع أعلاه: سبعة أفعال هي: خلق، جعل، بنى، رفع، سوَّى، قضى، استوى: اقترنت بالسماء من حيث نشوئها أو وجودها الأول وما يتبعه بدلالته الفلكية. إن اختيار هذه الأفعال لصياغة الآيات الكريمات أعلاه ليس خارج الانتباه أو التبصر، وإن تطبيق مبدأ المادة: هي جوهر وشكل أو جوهر وهيئة على السماء صحيح، إلا أن تحديد ماهية المادة أو صورة الهيئة على نحو نهائي أو قريب من ذلك يدخل في دراسات علم الأرصاد الفلكية والفيزياء الفلكية و فيزياء الفضاء الفلكية، ولا ضير في ذلك. وقد نخرج من المحتوى الذاتي(للفعل) إلى محتوى السياق الذي هو فيه فيتغير معناه اللغوي تماماً، لأن للسياق أثراً كبيراً في تحديد دلالة الكلمة العربية، فنجد الشمول في معنى «الخلق» في الآية 1، وتعطي بعداً فلكياً واضحاً لا محدوداً أو لانهائياً.
أما «الحصر» فنراه في الآية 2، ثم «الوصف» بالقوة من الآية 3، ثم «الدقة» و«الإتقان» في الآية 4 ثم «القدرة والإرادة» في الآيتين 5 و 6، «فالبهجة والجمال» في الآية 7 مع كل المعاني السابقة، أي أن نشوء السماء ليس صنعاً مجرداً، بل ارتبط بغايات مكملة تعكس ما يريده الله تعالى للإنسان في رؤياه إزاء السماء الزرقاء المزينة بالكواكب المرئية وهو واقف على سطح الأرض يعبد ويتأمل ويعمل.
*مدير جامعة الشارقة رئيس الاتحاد العربي لعلوم الفضاء والفلك