قال الله تعالى في سورة فصلت: وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم (200)، ويقول سبحانه في سورة غافر: إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ماهم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم (56) .

فاصلة الآية الأولى قرن فيها السمع بالعلم إنه هو السميع العليم، وفاصلة الآية الثانية قرنه بالبصر إنه هو السميع البصير .

والسمع هنا المراد به: سمع الإجابة لا السمع العام، فهو مثل قوله: سمع الله لمن حمده، وقول الخليل عليه السلام، كما جاء في القرآن الكريم في سورة إبراهيم: إن ربي لسميع الدعاء فما السر في ذلك؟

يقول ابن القيم رحمه الله : لاقتضاء حال المستعيذ ذلك، فإنه يستعيذ به من عدو يعلم أن الله يراه، ويعلم كيده وشره، فأخبر الله تعالى هذا المستعيذ أنه سميع لاستعاذته أي مجيب عليم بكيد عدوه، يراه ويبصره، لينبسط أمل المستعيذ، ويقبل بقلبه على الدعاء .

وتأمل حكمة القرآن: كيف جاء في الاستعاذة من الشيطان الذي نعلم وجوده ولا نراه بلفظ السميع العليم في سورتي الأعراف وفصلت .

وجاءت الاستعاذة من شر الإنس الذين يؤنسون ويرون بالأبصار بلفظ السميع البصير في سورة غافر، لأن أفعال هؤلاء أفعال معاينة ترى بالبصر، وأما نزغ الشيطان فوساوس وخطرات يلقيها في القلب يتعلق بها العلم، فأمر بالاستعاذة بالسميع العليم فيها، وأمر بالاستعاذة بالسميع البصير في باب ما يرى بالبصر، ويدرك بالرؤية .

فقد فرق الله تعالى بين الفاصلتين إنه هو السميع العليم، وإنه هو السميع البصير تبعاً لما يعلم ويبصر في الآية، فلما كان الشيطان المستعاذ منه نعلم وجوده، لكن لا نراه، كان المناسب لختام الآية قوله تعالى: إنه هو السميع العليم . ولما كان المستعاذ منه وهو في هذه الآية من الإنس الذين يؤنسون ويرون بالأبصار جاءت الفاصلة ملائمة لهذا فقال تعالى: إنه هو السميع البصير .