لكل مجتمع قيمه وأعرافه التي تحملها أجياله المتعاقبة عبر سلوكيات وأنماط حياة، خوفاً من أن تندثر في عالم أقل ما يوصف بالعولمة، ويعد السنع من أهم المبادئ التي تربى عليها الإماراتي، بما فيها من تعاليم يستقيها الصغير من الكبير، عبر الأسرة والمدرسة والمجالس .

وحفاظاً على تلك القيم أطلقت وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع مبادرة السنع، الهادفة إلى تعزيز القيم المجتمعية والسلوكية بين الأفراد لتصبح جزءاً من الشخصية الإماراتية المعاصرة، ومن السلوكيات التي تسعى المبادرة إلى ترسيخها احترام الكبير، والإخلاص للآخرين، وكرم الأخلاق، والأمانة، وحب التطوع، والضيافة، وآداب المجلس، إضافة إلى تأصيل آداب الطعام والترابط والتكاتف، وآداب التحية والسلام، واحترام المهنة والعمل اليدوي، وحب الغير والإيثار .

باحث التراث عبيد بن صندل، أحد محاضري السنع، يقول: جيل اليوم يمر بمرحلة من غلبة مفردات ولغة العصر، وهو ما يتضح في اللغة الخليط التي يتحدث بها تلك الأيام، فتجد الشاب يتحدث العربية الإنجليزية وتعود التعبير بها، وعندما يتحدث المحلية يتحدث كلاماً ليس له معنى، فعندما تسأله أين كنت يقول أنا جالس أمشي، أي أنا قاعد أمشي لكي آتي لك، والكثير من الأمثلة مثل أنا مالي خص بدلاً من ما يخصني وهي كلمات إن صحت تدعو للسلبية وعدم تحمل المسؤولية، كما يسأل الجيل الجديد عن أخبار من يضيفهم من الأهل والأصدقاء، بمجرد من يفتح لهم الباب، في حين أن العرف الإماراتي يحس المضيف أن يرحب بضيفه ويدخله ويقدم له القهوة، ومن ثم يبدأ الكلام والحديث عن الأخبار .

ويشير ابن صندل إلى أن بعض أبناء الجيل الجديد فقدوا الصلة بينهم وبين اللباس الوطني الإماراتي، فمنهم من يرتدي ملابس رياضية في الأماكن العامة، متحرراً من الزي الذي حافظ عليه آباؤه وأجداده عبر العصور، غير مقدر لأهمية دلالاته ورمزيته لهويته الوطنية .

كما يشدد على أهمية السنع في تأصيل مبادئ حياتية وسلوكية مرتبطة بتعليم الجيل الجديد المسؤولية والمشاركة، من خلال حرص الأهل على اصطحاب الأبناء إلى مجالس الكبار، للتعلم منهم والنهل من خبراتهم، وكذلك مشاركة الناس في أعراسهم وأحزانهم، إضافة إلى غرس روح المبادرة واحترام الكبير .

ويلفت ابن صندل إلى أهمية دور الأسرة في تلقين مبادئ السنع الأخلاقية، حيث يحرص رب الأسرة على توجيه أبنائه إلى أفضل السلوكيات، ويقوم بشكل يومي على حثهم على التجمع حول مائدة الطعام التي كان من الصعب التخلف عنها في الماضي .

ويشير الشاعر سلطان خلفان بن غفان إلى أهمية المجالس في صنع الرجال، حيث يتعلم منها الأبناء طريقة مخاطبة الصغير للكبير، وطريقة التحدث للآخرين، والانتظار حتى يكمل المتحدث كلامه، موضحاً أن المجالس تبادل فيها الإمارتيون منذ القدم الرأي والمشورة، وتعرفت الأجيال إلى خبرة الأجداد في البر والبحر، إضافة إلى أنها كانت ولا تزال ساحة للشعر والقصيد، فما من قصيدة إلا وحققت في المجالس العربية الأصيلة، وانتقلت من مكان إلى آخر إلا عبر الشعراء الذين يثرون المجالس، وما من حكم إلا وتحقق قاضٍ فيه قبل أن يصدر حكمه، عبر المجالس التي تجمع أفاضل القوم في كل إمارة .

ويضيف: تبدل الحال بالجيل الجديد وخوت المجالس من الشباب، الذين من المفترض أن يحملوا راية السنع من الآباء والأجداد، وتحولت مجالسهم إلى المنتديات وفيسبوك .

ويؤكد بن غفان أن للمرأة دوراً كبيراً في السنع، فطالما ربت الرجال المحملين بالشيم الكريمة ومكارم الأخلاق . وكثيراً ما نقول في مجالسنا حرمة ربته رجل وكان بين الرجال، ويضرب السنع الإماراتي الكثير من الأمثلة لفتيات تربين على الأصول والقيم الإماراتية، وكن لإخوانهم نعم السند، وتعلمت من أمها بجانب الأعمال المنزلية وصب القهوة، شيم العفة وتحمل المسؤولية، وهو ما يؤهلها منذ طفولتها لتكون أماً بمعنى الكلمة، تساند زوجها وتربي أبناءها وتحرص على أن يكونوا أفراداً صالحين في المجتمع . ومن بين الأمور التي يلقي الضوء عليها في محاضرات السنع، أهمية الوقت واحترام المواعيد، فقد كان الأب يقول لابنه إذا ما جيت على الغدا سنضع في القدر حجر، أي أنه لا غداء لمن يتأخر عن موعده .

يؤكد الشاعر الشعبي سالم بن معدن، أن السنع أسلوب حياة كان الآباء والأجداد يضعونه نصب أعينهم في تصرفاتهم وتعاملاتهم اليومية، ويلقنه الأب والأم لأبنائهم ليشبوا مدعمين بالأخلاق والقيم الإماراتية الأصيلة، فكان الابن يتعلم من أبيه كيف يتصرف مع إخوانه وجيرانه في الفريج والمدرسة، وكيف يجلس في مجالس الكبار، وينصت عندما يتحدث الكبير، ويطلب الكلام بأدب .

ويضيف: تأتي مبادرة السنع لإعادة القيم الإماراتية التي تركها الأجداد، وللم شتات الأبناء حول حكمة وخبرة الأجداد، وتأكيد طبيعة السلوكيات الأخلاقية التي كانت ولا تزال موجودة بين أفراد المجتمع، لكنها بحاجة إلى تذكير من الجيل الذي عاصر السنع وتربى عليه .

ويشدد بن معدن على أهمية السنع في التعليم، حيث كان المتعلم يحترم المطوع في الكتاب، ويحرص الأهل على أن يحفظ أبناؤهم القرآن وتعلم القراءة والكتابة . وكان لدى الآباء حكمة كبيرة في التعامل مع الابن المهمل المتقاعس، بتركه للمطوع الذي كان يتمتع بشخصية قوية في المجتمع، إذ كان يعدل السلوكيات التي تظهر على تلاميذه بالتعاون مع الأهل، وكانوا يقولون له هذا ولدنا علمه وسلمنا عيونه وكسر ريوله .

ويوضح بلال البدور، وكيل وزارة الثقافة لشؤون الثقافة والفنون، أن المجتمع الإماراتي في عصر العولمة بحاجة إلى مثل هذه المبادرات، لتجدد العهد مع قيمه وسلوكياته التي اشتهر بها مثل الكرم والجود، واحترام الكبير، واستعادة السلوكيات المرتبطة بالملبس والمأكل، والتي غابت عن كثير من الشباب الذين لم يشبوا على قيم السنع الإماراتية، كما أن المبادرة تحمي وتحافظ على الكيان العربي للدولة، بالعودة إلى عناصر مكونة لهذا المجتمع، مشدداً على دور الأسرة في توجيه سلوكيات أبنائهم إلى السنع ومفرداته، فمع الحداثة والتطور، وانشغال رب الأسرة بتأمين العيش لأبنائه، فقدت الأسرة الإماراتية الكثير من السلوكيات القديمة، كما فقد الأبناء التوجيه اليومي من الوالدين، سواء على مائدة الطعام أو المجالس التي كانت لا تخلو من الشباب، فقد كان الأب هو المصدر الرئيس لاستقاء الأبناء السنع وسلوكياته وأخلاقه، بينما الآن هناك المئات من المصادر التي تخرب سلوكيات الأبناء . ويضيف: كان الابن على مائدة الطعام يبدي امتعاضه أو تمرده على الطعام، بقوله: الطعام حار، كان الأب يرد عليه بالقول حار كلام الرجال، أي أن انتقاد الرجال لسلوكه في مجلسهم أحر من الطعام الحريف .

أما عبدالعزيز المسلم، مدير إدارة التراث في دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة، فيقول: مبادرة السنع تعيد القيم والسلوكيات التي تميز بها الإماراتيون، وعرفت عنهم منذ القدم، لمحاولة نشرها، لاسيما بين ربوع الشباب والأجيال القادمة، التي شبت نظراً لانفتاح المجتمع على ثقافات أخرى، على سلوكيات مستوردة مثل النفعية والمادية والمصلحة، وهو ما أثر في الفطرة السلوكية للدولة، التي كانت مصدر إعجاب لكثير من المقيمين الذين اختاروا العيش بين أبناء الإمارات .

ويشير المسلم إلى أن السنع يعد بالنسبة إلى الإماراتيين المنبع السلوكي الذين نهلوا منه قيماً عدة، منها الأمانة، والتطوع، وكرم الأخلاق، وحسن الضيافة، والتحلي بآداب الزيارة والمجالس، والتزاور وصلة الرحم، وآداب التعامل بين الكبير والصغير في الأسرة الواحدة .

وحول التطور الحاصل في المجتمع وعزوف الشباب عن المجالس، وارتباطهم تكنولوجياً بالوسائل الحديثة، يضيف: لا خوف على شباب مسلح بالسنع، فالأدب والأخلاق الحميدة ليس لها عمر افتراضي .

وتقول أمينة خليل، مدير إدارة التنمية المجتمعية بوزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، إن السنع عبارة عن مجموعة من المفاهيم والعادات التي اعتاد عليها المجتمع الإماراتي في تعاملاتهم في كافة مناحي الحياة . وهو ما حرصت عليه الدولة عبر إطلاق مبادرة السنع التي بدأت منذ العام الماضي، كأحد الركائز الأساسية للحفاظ على الهوية الإماراتية .

وفي سبيلها لنشر السنع الإماراتي، اتخذت الوزارة العديد من الوسائل، منها المقروء والمسموع والمرئي، إضافة إلى المحاضرات والورش التي تقام في أماكن عديدة وتستهدف شرائح كبيرة من المجتمع، أهمها الجيل الجديد من طلبة المدارس والجامعات . وتضيف: عقدنا 12 ورشة في جمعية النهضة النسائية في دبي، و16 ورشة ضمت طلاب الجامعات، تخللتها مسابقات وجوائز لمن يتعرف إلى مصطلحات السنع، كما نزل السنع ضيفاً على الكثير من البرامج في قناة نور دبي، وشبكة الرابع الإعلامية، حيث يخصص البرنامج حلقة عن السنع، يتحدث فيها أحد المحاضرين أو الباحثين في التراث عن مبادئ السنع الإماراتي .

كما تعد الوزارة 3 كتب تتناول تلك المبادرة، هي السنع في الأمثال والحكايات الإماراتية، وكتاب موسوعة مختصرة لمكارم الأخلاق عند الإماراتيين، وآخرها كتاب أشهر ما قيل من الشعر حول السنع .