الشارقة - "الخليج"
لم يعد غريباً الحديث عن تراجع حضور الحرف والصناعات التراثية القديمة في الإمارات، إذ في زمن تغيرت فيه مناحي الحياة وخطت الدولة خطوات اقتصادية وحضارية شاسعة، استعاض السوق عن أيادي الحرفيين بآلات وماكينات سريعة الإنتاج التي تدار بكبسة زر، لذلك ظل الكثير من المشتغلين في التراث ينبهون إلى هذا الخطر الذي لم يعد يهدد وجود مهنة بعينها بقدر ما بات يهدد صورة التراث الإماراتي وحضوره في ذاكرة الأجيال الجديدة . لهذا ظهرت الكثير من الجهود الفردية والمؤسسية التي تسعى إلى حفظ المكون التراثي الإماراتي من خلال المراكز التي تعنى بالحرف وتقدمها في مهرجاناتها السنوية ومشاركاتها الدولية التي تعلن بها عن هويتها التراثية، وتشترك فيها بصورة أو أخرى مع التراث في منطقة الخليج العربي .
تعد الإمارات اليوم في طليعة الدول الخليجية من حيث الاهتمام بالحرف والصناعات التقليدية الشعبية، وقد أثبتت الدراسة التي أعدها مركز التراث الشعبي لدول الخليج العربية واستهدفت التعرف إلى ما اندثر من الصناعات التقليدية والحرف الشعبية وما تبقى منها، مكانة الإمارات في مجال الحفاظ على الصناعات والحرف التقليدية، وكشفت الدراسة التي استندت على جولات ميدانية قام بها مجموعة من الباحثين عن وجود 23 حرفة شعبية يدوية ما زالت تمارس داخل مجتمع الإمارات وتمثل مورد رزق للعديد من الناس الذين يمارسونها .
من بين تلك الحرف التي ما زالت باقية حتى اليوم، لأسباب كثيرة، حرفة صناعة السيف، فالمتابع لصورة المشهد التراثي الإماراتي، يجد أن السيف مفردة أصيلة من مفردات هذا التراث، حيث لا يغيب عن الاحتفالات والمهرجانات، فالفرق التراثية، تقدم بعض الرقصات الشعبية التي تستند في أدائها على السيف . لذلك ارتبط السيف في الموروث الشعبي الإماراتي بالفرح والاحتفال، وانتقل من مكانته المرتبطة في التراث العربي بالمعارك والغزوات، إلى حفلات الزفاف، والمواليد الجدد، والمناسبات السعيدة، فاستطاع المجتمع الإماراتي القديم نقله من حيز القتل والدم إلى الفرح، مستعينين بذلك بارتباط السيف بالفخر والعزة عند المجتمع البدوي . تكاد تكون طقوس الفرح في المجتمع الإماراتي ظلت محافظة على حالها رغم تغير أشكال وأنماط الحياة كافة، وهذا ما يؤكده ظهور الفرق التراثية الشعبية التي ترتدي الزي الإماراتي، وتلبس أحزمة السلاح، وتغني على إيقاع الطبول الجلدية، أهازيج تراثية، وأغاني شعبية، ويرقصون بالسيوف والخناجر التي لا تنزل من أيديهم .
هذه الأجواء التي صنعها المجتمع الإماراتي، والفرق التي انتشرت كثيراً بعد الطفرة النفطية، ظلت محافظة على صورة الفرح الشعبي وطقوسه لدى الإماراتيين، فعملت بطريقة أو أخرى على حفظ الحرف والمهن المرتبطة بهذه الأجواء، فظلت مهنة صناعة الطبول موجودة حتى اليوم، وظلت حياكة الكندورة، وكذلك صناعة الخناجر، والسيوف .
ويؤكد عبدالعزيز المسلم رئيس إدارة التراث في دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة، في حديثه للخليج أن الفرق التي ظهرت وانتشرت في الإمارات، زادت من الطلب على المستلزمات والأدوات التي تستخدمها في عروضها، وكانت صناعة السيوف والخناجر واحدة من تلك المهن، التي ظلت حاضرة بقوة في مشهد الحرف والصناعات التراثية الإماراتية .
ليس ذلك وحدة ما أسهم في بقاء حرفة صناعة السيوف والخناجر، فقد تحول السيف عبر الزمن من استخدامه المألوف إلى تحفة يبحث عنها مقتنو التحف، يعلقها في بيته ومجلسه، ويتجلى هذا في الزخارف والرسوم التي بات صناع السيوف يعتنون بها، بوصفهم يصنعون تحفة فنية جمالية، وليست أداة حادة .
ويصف الباحث يوسف العدان صناعة السيف في كتابه "أيادٍ من ذهب" بقوله: "يصنع السيف من حديد الفولاذ، نظراً لقوته وصلابته، إذ يوضع قضيب من الفولاذ داخل النار حتى يصل إلى درجة الاحمرار، ثم يخرج من النار ويدق ويطرق على السندان حتى يستدق ويغدو حاد الطرفين ويأخذ الشكل المطلوب، وبعدها يتم تلميع السيف وفركه بالرمل والماء ليكتسب اللون الفضي، وتجهز قبضة السيف بوضع قطعتي خشب على جانبيه تلفان بجلد الماعز الذي يخاط جيداً لتثبيتها، ثم يصنع جراب للسيف كغمد واقٍ وحامٍ له" .
لا يمكن تناول صناعة السيف في الإمارات من دون الحديث عن امتداد هذه المهنة تاريخياً وحضورها في التراث العربي القديم، حيث تشير المراجع إلى مكانة السيف الرفيعة والعظيمة للإنسان العربي المسلم، مكانة منحته التبجيل والإجلال، فبرع العربي في التفنن في صناعته وزخرفته، بل زاد وطور من فعاليته، وتفنن أيضاً في استخدام الألفاظ وتعدد الأسماء المختلفة وأطلقها على هذه القطعة العزيزة عليه .
وتزخر اللغة العربية بالعديد من أسماء، حيث نقرأ: السيف الذي يطعن به، والجمع أسياف وسيوف وأسُيف، وأنشد الأزهري في الجمع يقول: "كأنهم أسُيف بيض يمانية عضب مضاربها باق بها الأثرُ"، وقال عنترة في وصف ثغر محبويته:
"وَلَقَد ذَكَرتُكِ والرِّماحُ نَواهِلٌ
                مِنّي وبِيضُ الهِندِ تَقطُرُ مِن دَمي
فَوَدَدتُ تَقبيلَ السُيوفِ لأَنَّها
                   لَمَعَت كَبارِقِ ثَغرِكِ المُتَبَسِّمِ"
ويوجد في اللغة العربية 300 اسم للسيف، وكل اسم له معنى دقيق دال، منها: "الصمصام" وهو السيف الذي لا ينثني، و"البارقة" وهو السيف الذي له بريق، و"الدالق" وهو السيف سهل الخروج من الغمد، و"المشمل" سيف صغير يشتمل عليه الرجل بثوبه، و"الصحيفة" اسم للسيف العريض، و"الحسام" وهو القاطع أو الحاد و"حسام السيف" أي طرفه الذي يضرب به، و"الأرقد" السيف الغليظ، وغيرها من الأسماء .