بعد انتعاشة شهدتها السينما المصرية، إثر سنوات من التوعك عقب ثورة 25 يناير/ كانون الثاني عادت الأفلام الضعيفة لتنتشر في مصر من جديد، في ردة، قد يكون لها أثرها الجسيم على صناعة الأفلام مستقبلاً، أفلام على غرار «الهرم الرابع، وأوشن 14، وفين قلبي، والقرموطي في أرض النار» وغيرها، تدق جرس الإنذار حول التوجه الجديد للأفلام. عن السينما المصرية التي تئن من ضعف أفلامها، وأسباب عودة هذه النوعية وانتشارها، وسبل الارتقاء بالأفلام لكي تسترد دورها الثقافي والتنويري، سألنا مجموعة من المعنيين في هذا التحقيق.
الناقد كمال رمزي بدأ حديثه قائلاً: أفلام المقاولات أطلت من جديد، في جرأة تحسد عليها بمسمى براق هو «أفلام قليلة التكلفة»، وهي كلمة حق يراد بها باطل، وهي فعلاً قليلة التكلفة، لكنها بلا مضمون، فلا توجد قصة ولا أحداث ولا هدف، فقط هي مجموعة من المشاهد لا رابط بينها، سوى بالممثلين الموجودين، ومشاهدتها ليست أكثر من مضيعة للوقت، كل عشرة أفلام تجد فيلماً واحداً قوياً أو متوسط المستوى، ويحقق الملايين في دور العرض، لأنه لا يوجد غيره، لا نستطيع أن نقول عليه إنه متفوق، لأنه لا يوجد منافس له، وهذا ما حدث في عيد الأضحى الماضي؛ حيث تقدم فيلم واحد فقط بينما الأفلام الخمسة الأخرى واجهت مشكلة خواء القاعات، أفلام مثل «30 يوم في العز، وأوشن 14، والهرم الرابع، وفين قلبي، والقرموطي في أرض النار» وغيرها، من الصعب أن تجد جمهوراً وكلها تقريباً سقطت سواء التي عرضت من قبل أو التي عرضت مؤخراً، أفلام أفكارها مكررة وضعيفة، ولا لزوم لها وكل ما فعلته أنها أضافت لأرشيف السينما المصرية مجموعة من الأعمال التي تزول سريعاً من ذاكرة المشاهدين.
المنتجة إسعاد يونس أكدت: الدخلاء على مهنة الإنتاج هم السبب الرئيسي لما تعانيه السينما المصرية من وجود أفلام ضعيفة منذ سنوات، ليس لمجرد أنك تملك مالاً يمكنك أن تنتج فيلماً، هذه عشوائية تضر بالصناعة كثيراً، والدليل أن غالبية الأفلام الحالية، ليست بالجودة المطلوبة، صحيح أن بعضها على مستوى وبذل فيه جهد واضح من شركات الإنتاج، ومن فريق العمل، لكن بعض الدخلاء يقتحمون السينما بفيلم واحد فقط، ثم يختفون والفيلم نفسه يتداعى بمرور الوقت ويصبح كأنه لم يكن، ولقد شاهدنا في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، في دورته الأخيرة فيلماً ضعيفاً كان أحد فيلمين مثلا مصر في المسابقة الرسمية، وتوجد أفلام عدة على هذه الشاكلة، هذه هي العشوائية التي نتحدث عنها، التي جعلت إنتاج الأفلام يخضع للصدفة، دون أي تخطيط للمواسم أو للعرض في أي وقت من السنة، وبالتالي انتشرت الأفلام السطحية التافهة، وهي تقوم بدور تدميري في تخريب عقول الشباب، ثم نشكو بعد ذلك ضعف الإنتاج السينمائي بصفة عامة.
الناقدة خيرية البشلاوي قالت: وجود الأفلام الضعيفة طبيعي ومتوقع، في ظل عزوف شركات الإنتاج السينمائي الكبيرة عن المغامرة بأكثر من فيلم كل عام، أو كل عامين، وبعض الشركات لا ينتج على الإطلاق لعدة سنوات متصلة، خوفاً من الخسارة. ما يتبقى على الساحة، الأفلامال «تيك أواي»، التي تنساها بمجرد خروجك من الصالة، سأضرب مثالاً بفيلمين نالا فشلاً ذريعاً هما «القرموطي في أرض النار، وفين قلبي»، فكرتهما مستهلكة تم تناولها ألف مرة في أفلام عربية وأجنبية، وكلاهما يضم نجماً واحداً، في الأول أحمد آدم، والثاني مصطفى قمر، إلى جانب عدد من ممثلي الصف الثاني ممن لا شعبية لهم، ولا يوجد سبب واحد لوجودهم إلا انخفاض أجورهم، كيف يمكن أن تنجح أفلام كهذه؟ أحدهم تحجج بأن فيلمه تعرض لمؤامرة من أجل إفشاله! كيف والمنافسة غير موجودة أصلاً؟ ومن غير المفهوم إصرار أحمد آدم، وهو ممثل كوميدي خطر، على تكرار نفسه، وإعادة تقديم شخصية «القرموطي» في فيلم جديد رغم فشل الأول! من الواضح أن ثمة ارتباكاً في الخريطة السينمائية المصرية، بسبب هذه النماذج من الأفلام التي يبدو أنها ستظل إلى أجل غير مسمى، في ظل غياب الرؤية للسينمائيين لإيجاد حلول فعالة.
الناقد محمود عبد الشكور، أشار إلى أن هذه الأفلام مستنسخة من أعمال أخرى، ومدتها لا تتجاوز ساعة ونصف الساعة أو أقل، لأنه لا توجد أحداث بالمعنى السينمائي الجاد للفيلم الحقيقي، استثني من ذلك فيلم «القرموطي في أرض النار»، فرغم ضعفه الواضح والسيناريو المفكك الركيك فإن مدته وصلت إلى ساعتين إلا الثلث، ويمكن رغم ذلك حذف نصفه بالكامل، لأن السياق مهلهل أصلاً، أما بالنسبة للمطرب مصطفى قمر فقد أثبت موهبته كممثل، بجانب الغناء منذ فيلم «البطل» مع العملاق الراحل أحمد زكي، وله عدة أفلام جيدة، لكن هذا الفيلم أفلت منه، وظهر المستوى المتواضع منذ المشاهد الأولى، قمر تجاوز الخمسين وما زال يلعب دور الشاب الذي يقع في قصة حب، صحيح أن هيئته لا توحي بسنه الحقيقية، لكن الجمهور يعرف وهذه الأدوار لم تعد تناسبه، لا أحد يتحدى الزمن وما لم يقبل الأدوار المناسبة لعمره الحقيقي فإن السينما ستدير ظهرها له وسيختفي هو أو غيره.
المنتج جابي خوري، عضو غرفة صناعة السينما، تحدث بأسى قائلاً: «عادت موجة الكوميديا تفرض نفسها على الوسط السينمائي من جديد، فلا شك أنها فن هادف وراق، ومرهق جداً للمؤلف والممثل لأنه من الصعب إضحاك الناس مع دس فكرة تنويرية في الوقت نفسه، لكن للأسف نوعية الأفلام الموجودة في دور العرض في الفترة الأخيرة لا يمكن أن نصفها بأنها كوميدية، لأنها بعيدة تماماً عن هذا الوصف، لا توجد أفلام كوميديا هادفة، حتى الأفلام المحدودة التي حققت إقبالاً جماهيرياً، إلى حد ما؛ لذا غرفة صناعة السينما التي تأسست أصلاً لحماية الصناعة تجد نفسها في مأزق، فرغم الجهود فوق العادة التي تبذلها، فإن التحديات تتزايد ابتداء من تسريب الأفلام، مروراً بتقلص عدد دور العرض، وارتفاع تكلفة التصوير الخارجي إلى أرقام فلكية، وانتهاء بالأفلام السخيفة الركيكة، التي تظهر فجأة دون أن نعلم من أنتجها ولا متى.. لسنا أوصياء على السينما، ولا نتحدث باسمها بشكل رسمي، لكن ما يحدث الآن يثير الدهشة ولم يعد أحد يسيطر على السينما، بمعنى أنه لا توجد ضوابط تنظم العملية وإذا استمر الوضع على هذا المنوال، فإن أفلام الإسفاف ستخرج عن نطاق السيطرة، وسيصبح التخلص منها أو على الأقل التقليل منها أمراً بالغ الصعوبة».
محمود عبد السميع، مدير مركز الثقافة السينمائية، ورئيس جمعية الفيلم، قال: «حتى خمس سنوات مضت، كان النجم يتحكم في الفيلم بشكل أساسي، وكان يختار زملاءه بالاسم، بل ويجبر شركة الإنتاج على قبول سيناريو بعينه، الآن انقلبت الصورة، رأس المال هو الذي يتحكم، وبات رأي النجم استشارياً، من جهة أخرى اتجه بعض النجوم للإنتاج للخلاص من تحكم الشركات، ورغبة في الاستثمار، لكن هذه التجربة أثبتت فشلها، بالنسبة لنجوم الجيل الحالي، بعكس التجربة الثرية لنجوم السبعينات والثمانينات، الذين أنتجوا أفلاماً بعضها نجح، وبعضها جانبه التوفيق، لكن محاولاتهم كانت أفضل وتركوا أفلاماً أصبحت من علامات السينما المصرية، نجوم الجيل الحالي من الشباب وحتى الكبار يحاولون إبقاء الفن السابع على قيد الحياة، لكن لا يكون ذلك بأفلام قليلة التكلفة، خاوية من المضمون بحجة أن العمل بأي فيلم أفضل من لا شيء».