تحفل الندوات الفكرية المصاحبة للأعمال المسرحية في مهرجان أيام الشارقة المسرحية ومهرجان دبي لمسرح الشباب بالحديث حول سينوغرافيا العرض، ويأتي ذلك في سياق نقد الأعمال المقدمة، حيث يقوم الحاضرون، وبعضهم من أهل المسرح، وبعضهم من المتابعين، بإبداء آرائهم حول سينوغرافيا العرض المشاهد، وهو ما يؤكد اهتماماً واضحاً بالسينوغرافيا بوصفها جزءاً لا يمكن تجاهله أثناء مناقشة أو تحليل عرض ما، غير أن الملاحظ أن النقاش -بوصفه خطاباً- لا يستقر دائماً في عملية التراكم، أي أن الخطاب المفرد الموجه لعرض ما ليس من الضروري أن يكون جزءاً من عملية نظر وإعادة نظر في هذا المفهوم على مستوى شمولي، أي في العملية المسرحية برمتها في الإمارات .
ساعة الحديث عن عملية مسرحية شاملة يمكن مقاربة السينوغرافيا بالنص على سبيل المثال لا الحصر، وهي مقاربة قد لا تجوز من حيث المبدأ، لكنها يمكن أن تسلط الضوء على مسألة التراكم، أي أن النقاش حول آليات الكتابة المسرحية يجد مع الوقت صداه في تطور مستوى النصوص، والكتابة المسرحية عموماً، غير أن النقاش حول السينوغرافيا لا يجد الصدى نفسه من حيث تطور التعاطي الكلي مع مسألة السينوغرافيا، وإنما يقود أحياناً إلى التشتت .
إن مسألة السينوغرافيا التي يندمج فيها ما هو منهجي بما هو فني أمر في غاية الخطورة من حيث التعامل، فلا يكفي الإلمام بعنصر معين من عناصر السينوغرافيا من أجل إنجاحها، وإنما يحتاج الأمر إلى إلمام بمختلف العناصر التي سيكون من شأنها تكوين المشهدية المطلوبة، وهي مشهدية ليست منفصلة بطبيعة الحال عن باقي العناصر المسرحية المختلفة من نص، وإخراج، وديكور، ودراماتورجيا، ومؤثرات صوتية، وإنما متداخلة معها بشكل عميق وجوهري، ولذلك يصعب فصلها عن بقية العناصر، ومناقشتها وتحليلها بشكل منفصل، وأي نقاش حول سينوغرافيا عرض ما بشكل مستقل عن تلك العناصر يؤدي بالضرورة إلى وجود أخطاء منهجية في عملية تحليل العرض، ونقده بطريقة تراعي عمليته البنائية، وهذا ما يقع فيه بعض المتداخلين على العروض المسرحية .
تتشكل السينوغرافيا من عناصر مختلفة، مثل الإضاءة، والأزياء، والديكور، وهي تحتاج إلى تكامل في العمل بين مخرج العمل ومصممي تلك العناصر، وإلى نقاش حول الرؤية التي سيذهب العمل تجاهها، وما هو متوقع من التأثير الدرامي في المتلقي، وما العلامات التي يجب أن تشكل مؤشرات لفك شيفرات العمل، والوصول إلى فضاء الدلالات، وكل هذا يجعل من السينوغرافيا مسألة في غاية الخطورة، حيث نتحدث هنا عن عناصر ملموسة، وتغير تموضع أي عنصر بالنسبة إلى الآخر يمكن أن يقودنا إلى تأثير مختلف، كما أن هذه العناصر ليست أحادية، وإنما عناصر مركبة، فنحن حين نتحدث- على سبيل المثال لا الحصر- عن بقعة من الضوء فإننا لا نكون قد استوفينا الحديث عن الضوء الذي سيمرر إلى منطقة ما من الخشبة، وإنما نحتاج إلى تحديدات أخرى، مثل لون الضوء أحمر، أصفر، أزرق . .إلخ، وعن حجم البقعة الضوئية كبيرة، متوسطة، صغيرة، وحتى هذه التوصيفات هي نسبية، فما الدرجة التي نريدها من اللون؟ وما ينطبق على الضوء ينطبق على العناصر الأخرى، وهكذا فإن مصمم السينوغرافيا نفسه، وكذلك المخرج أمام خيارات متعددة، وهي خيارات سيكون على الإخراج حسمها في نهاية المطاف، وذلك تبعاً للرؤية الفنية التي عليه أن يكون مدركاً لمختلف أبعادها .
في المسرح الإماراتي ثمة أمثلة كثيرة عن عروض كانت فيها السينوغرافيا هي بمنزلة لاعب آخر من لاعبي العرض، وحيث كانت أحد المفاتيح الرئيسة لفهم دلالات العرض، وأحد عناصر خلق التأثير المستمد من الرؤية الفنية للإخراج، والمتناغمة مع طبيعة النص، ومن تلك الأعمال عرض تراب تأليف وإخراج محمد العامري، الذي قام هو أيضاً بتصميم السينوغرافيا الخاصة بالعرض، وكان العرض من أداء كل من أحمد الجسمي، وجمال السمطي، وموسى البقيشي، وأحمد اسماعيل، وعبدالله زيد، وأحمد مال الله وغيرهم، وقدم العرض في دورة عام 2010 من مهرجان أيام الشارقة المسرحية .
وقبل الخوض في سينوغرافيا عرض تراب لا بد من تنويه، وهو أن العرض امتلك مستويات متعددة، وهي الراوي، والمجموعة، والغريب والنوخذة، وشخصية فرج البناي، ويفيدنا هذا التنويه كمدخل إلى معرفة المعالجة السينوغرافيا لتلك المستويات، حيث اعتمد العامري بشكل رئيس على وجود مرآة في عمق المسرح تقدم مجموعة من الدلالات، ومن أهمها تعدد الرؤى والرموز في المسرحية .
اعتمد السينوغرافي في العرض، وهو نفسه المخرج، على بناء ديكور متعدد الأغراض، حيث وضع صندوقاً استخدمه لخروج الممثلين في بداية العرض، وقد تحول الصندوق نفسه إلى سفينة، وإلى فريج، وهكذا توجهت الرؤية الإخراجية والسينوغرافية إلى إيجاد مسرح داخل المسرح، وقامت المرآة بأغراض متعددة، حيث كان بإمكانها أن تقدم رؤية ثانية وثالثة ورابعة عن العرض نفسه، وذلك عبر منح المتلقي فرصة لبناء أكثر من فرضية بين ما يراه على الخشبة وبين ما يراه في المرآة .
انتقل العامري في العرض من الواقعية إلى التاريخية إلى الرمزية، ولم يكن هذا ممكناً من دون وعي دقيق بما تتيحه له عناصر السينوغرافيا من إمكانات، تلك الإمكانات التي شكلت الأرضية الفنية والعملية للعامري للتمكن من ذلك الانتقال بسلاسة، ومن دون اصطناع .
أراد عرض تراب أن يقدم الصراع الموجود داخل الإنسان الإماراتي، وذلك عبر استحضار التناقض الأكبر بين مكونات الهوية، والرغبة العارمة في الحداثة، وهو صراع لطالما تمّ التطرق إليه في غير عرض مسرحي إماراتي، لكننا حين نتحدث هنا عن دور السينوغرافيا فإننا نتحدث بالضرورة عن مسألة لا تتعلق بمضمون العرض ومقولاته فقط، وإنما بقدرة العناصر السينوغرافية على فتح فضاء العرض على ممكنات متعددة في الرؤية، وفي بث شحنات درامية عالية يكون بمقدورها إحداث تأثيرات مختلفة لدى المتلقي، من تأثير فكري، وجمالي، وإثارة الأسئلة حول مختلف أبعاد العرض، وليس عن الحكاية أو المضمون فقط .
لقد فتحت الاستخدامات المتعددة للصندوق الباب أمام مشاعر متعددة لما يوحي به الصندوق، فهو بيت الإنسان ومثواه، المكان والسفينة، التجذر والإبحار، وصندوق الأسرار، ولذا فقد كان الاعتماد عليه من قبل العامري متناغما مع ما يرمي إليه النص والإخراج معا، وهو الأمر ذاته الذي ينطبق على المستويات المتعددة التي بناها العامري على فضاء الخشبة، والتي مكنت الممثلين، وتحديداً الراوي، من الانتقال من مستوى إلى آخر، وكأنه ينتقل من مستوى دلالي إلى مستوى دلالي آخر، فمرة يصبح جزءاً لا يتجزأ من الحكاية ذاتها، وأحياناً ينفصل عنها، وأحياناً يشير إلى الماضي، وتارة أخرى إلى المستقبل .
إن استحضار عرض تراب هو استحضار لأحد أكثر العروض التي تؤدي فيها السينوغرافيا دوراً في ترسيخ العرض في ذاكرة المتلقي، وفي تحويله من مجرد عرض في مهرجان إلى عرض في تاريخ المسرح الإماراتي، ويمكن اعتباره نقطة فارقة في مسيرة هذا المسرح، وقبل كل ذلك نقطة فارقة في مسيرة العامري نفسه، وهو أحد المسرحيين المشهود لهم بقدرتهم على بناء سينوغرافيا ذات دلالات متعددة، وفي الوقت ذاته تعطي المتلقي مساحة للتفاعل معها .