ملف أعدته: أمل سرور
هل أصبحنا نعيش في زمن "حلاوة روح"؟ سؤال يبدو بسيطاً ولكن ترى هل إجابته ستكون يسيرة؟ حلم مزعج، أم كابوس أفقنا علينا، عندما أثار هذا الفيلم السينمائي كل هذه الضجة الإعلامية، ليس في مصر فحسب، بل امتد الأمر إلى مختلف البلدان العربية؟ فيلم منع عرضه رئيس وزراء مصر إبراهيم محلب، وأحالته الإمارات مرة أخرى للرقابة، ومناقشات ومصادمات واشتباكات في الأوساط الفنية، وغضب في مختلف الشوارع العربية، بسبب ما آلت إليه السينما وما تعرضه، واجتماعات وتنديدات لمنظمات حقوق الطفل والمرأة .
لا نتوقف عند الفيلم بالتحديد بل ما يهمنا هو ما وصلت إليه الشاشة، وما تقدمه في التلفزيون والسينما، لنسأل عن قوانين الرقابة على الأعمال الفنية ومعاييرها، وهل يمكن أن تستغل من أجل تقييد الإبداع والحد من الحريات، أم أنها بمثابة المصفاة التي تنقح الفن من شوائبه؟ وبعيداً عن أنك كمشاهد قد تصاب بالاستفزاز ما إن تتابع المواد الإعلامية عبر الفضائيات، ألا تشعر بأنك تتعرض للابتزاز السافر على يد كل من يحاول أن يسرق عقلك وما في جيبك؟
هل أصبحت حياتنا سلعة تباع وتشترى؟ ولماذا تحولت المرأة في كثير من الأحيان إلى سلعة على الشاشة، ومثلها يتم استغلال الطفل؟
أسئلة نحاول الإجابة عنها عبر هذا الملف .

يعتبرها بعضهم "نقمة" ويراها آخرون نِعمة
الرقابة "جانٍ" أم "مجني عليه"؟

نِعمة أم نِقمة؟ فعل أم رد فعل؟
هل جهاز الرقابة على الفن والإبداع والثقافة جان أم مجني عليه، ظالم أم مظلوم، قاهر أم مقهور؟
هذا ما واجهنا به مجموعة من المبدعين ونجوم الفن والثقافة
الكاتب والسيناريست عبد الرحيم كمال اشترك في الإجابة عن عدد من علامات الاستفهام التي تخص الرقابة عندما بدأ حديثه قائلاً: أخلاقياً أرفض فكرة المنع، إذ لا يجوز أن يتم منع فيلم سينمائي من قبل رئيس الوزراء، فهو ليس جهة اختصاص، والمسألة هنا تكمن في مبدأ كل عمل فني والذي يعبر عن ذوق صُناعه، وعند تقييم الفن لا نملك سوى أن يعجبنا ونقع في غرامه، أو نرفضه ونعبر عن ذلك كجمهور بالعزوف عن الفرجة، وكنقاد بتفنيده وإظهار عيوبه، وإن وجدت الرقابة يجب أن تكون جهازاً به مجموعة من مرهفي الحس يحددون المعايير الملائمة للشرائح المقرر لها أن تشاهد الأعمال الدرامية المختلفة، وإن كان لهم ملاحظات أخلاقية فعليهم مراجعة صناع الفيلم والنقاش معهم دون تفتيش في النوايا، ومع الأسف فإن الوقت الحالي يفرض ذوقاً معيناً من السينما لن يتم تغييره إلا بتغير المناخ وظهور جيل فني يملك الموهبة والمسؤولية الفنية .
يكمل عبدالرحيم قائلاً: الرقابة على السينما لها عدة صور وأشكال، منها التي يتحملها المؤلف أو كاتب القصة والسيناريو والحوار على عاتقه، وهي الرقابة الذاتية، ويليها تلك التي تكون من مسؤولية جهة الإنتاج، وهي التي تحدد السمات الأساسية للسينما في أي بلد، ثم تأتي رقابة الدولة على السينما التي تتمثل في جهاز إداري، ومجموعة من اللوائح والقرارات والقوانين الرقابية التي تشكل معاً الحدود التي يتحتم عدم تجاوزها .
الناقد السينمائي ورئيس الرقابة على المصنفات الفنية سابقاً علي أبو شادي حدثني منفعلاً: الرقابة على الأفلام هي مسؤولية الهيئة فقط وهي التي تقرر مدى جواز الفيلم أو عدمه، لكن وقف فيلم "حلاوة روح" وسحبه عن طريق رئيس الوزراء ومن دون أوراق رسمية فهو أمر جديد، وأرد على بعض الذين يقولون إنه يجب منع بعض الأفلام بحجة الإساءة لسمعة مصر في الخارج بأنه لا يوجد شيء اسمه الإساءة لسمعة مصر، وإذا تحسنت مصر في الداخل، ستتحسن صورتها في الخارج، هذا هو الموضوع باختصار، ثم إن رئيس الرقابة يحكم بما يمليه عليه القانون وليس من وجهة نظر الشارع .
بينما تحدث الكاتب والسيناريست الكبير وحيد حامد بهدوء شديد كعادته قائلاً: إن رئيس مجلس وزراء مصر حسم الأمر منذ البداية، وما لاحظته من مقابلتنا له، لأنني كنت من ضمن وفد الفنانين المصريين الذين ذهبوا إليه في مكتبه، أن الرجل لن يكون ضد الرقابة على الإبداع والتعبير، وأن الدولة تدرك جيداً أهمية الفن ودوره، ولو كانت الحكومة قد نفذت القانون منذ البداية لكانت ستنخفض إيرادات الفيلم وكان سيتبقى له أسبوع واحد على الأكثر في دور العرض وكانت ستجنبنا كل هذه الضجة التي جاءت في مصلحة "حلاوة روح" بغض النظر عن مستواه، خاصة أنه مصنف من قبل الرقابة على أنه للكبار فقط، أي أن من يسمح له بدخول الفيلم من هم فوق سن ال ،18 ولكن للأسف أصحاب دور العرض سمحوا لكل الفئات العمرية بدءاً من سن ال 13 فما فوق بحضور الفيلم .
قاطعته قائلة: إذن هذا يستلزم قانوناً آخر يُفرض على دور العرض؟ هذا الأمر يتطلب تنشيط حملات التفتيش، أجاب: إضافة لإعمال العقوبات في حالة مخالفة القانون والقيام بإغلاق دور السينما التي تسمح بدخول من هم دون السن المسموح به، وإلزام أصحابها بدفع الغرامة المقررة طبقاً للقانون .
وحول طريقة رقابة المصنفات بشكل عام رد حامد: جهاز الرقابة يقوم بدوره على النحو الأكمل، وفقاً للقانون والضوابط المحددة لعمله، باعتباره المنوط بحماية عملية الإبداع ضد أي تجاوزات وعلى مدار تاريخ الجهاز، لم يخضع أداؤه لأي تدخل، حيث أجازت الرقابة العديد من الأعمال السينمائية التي تم الاعتراض عليها، مثل أفلام "البريء" و"الغول" و"معالي الوزير"، وأي هجوم يتعرض له جهاز الرقابة غير مبرر، لأنه ببساطة كما قلت يخضع لقانون وضوابط محددة يسير وفقها .
الفنان الكبير محمد صبحي يرى أن كل دول العالم بها جهاز رقابي على أعمالها الفنية، ومن ثم فإن المطالبة بإلغاء الرقابة أمر غير منطقي، لكنه يمكن تطوير أداء الرقابة بما يتناسب مع التغييرات الجديدة التي تشهدها البلاد حالياً . وتابع: لا أحد يستطيع أن ينكر أهمية الدور الذي تلعبه الرقابة في أي نظام ديمقراطي، شرط أن يخضع أداؤها لضوابط محددة، وأن يكون جميع الذين يقومون بالرقابة على الأعمال السينمائية، مؤهلين لتلك الوظيفة من أهل الرأي، بهدف حماية الإبداع، وأنا شخصياً أعتبره ضمير المجتمع . وفي مثل هذه الظروف التي نمر بها لا يعقل أن يترك المجتمع بلا رقابة، أما عن الأزمة الأخيرة التي دفعتنا دفعاً للحديث عن هذا الأمر ألا وهي الفيلم الذي أخذ أكثر من حقه، فأنا ضد هذه النوعية من الأفلام التي تجعلنا نشعر بأننا قد عدنا إلى زمن الانحطاط، تلك الأزمنة التي لم يكن هناك معنى للمرأة فيها سوى أنها جسد ووعاء للرجل، وأنا أقف بقوة وراء كل القرارات التي أوقفت عرضه وأراها في محلها، وليس فقط في مصر بل في كل دول العالم العربي التي تحترم عقول مواطنيها .
"من حق الرقيب الذي يمثل الجهة الرقابية في أي بلد من بلداننا أن يتدخل في العمل الدرامي"، هكذا بدأ الفنان الإماراتي أحمد الجسمي حديثه، وتابع: لن أتكلم عن قضية فيلم "حلاوة روح" التي أثارت ردود فعل واسعة في الفترة الأخيرة، لأنني ببساطة اعتبرها مسألة تخص الشأن المصري وحده، ولكنني أتحدث عن الرقابة بشكل عام في كافة الدول العربية التي تربطها كلها وحدة وحزمة من العادات والتقاليد والأعراف التي نتمسك بها جميعاً، لذا من حق الرقابة وهي بالمناسبة جهاز موجود في مختلف بلدان العالم أن تتدخل ويجوز للرقباء أن يقرروا وقف أي عمل درامي طالما أنه يتجاوز حدود الأخلاق ويخوض في غمار عاداتنا وأعرافنا، إذ ما معنى أن يكون لدينا عمل إبداعي ولكنه يسير عكس تقاليدنا، بل يخدش حياء نسائنا وأطفالنا؟ هنا يكون الحل في الرقابة التي تحمي مجتمعاتنا من هذه النوعية الرديئة من الفن .
إذا كانت تلك هي آراء أهل الفن، ترى كيف يرى المشاهد العربي تلك القضية التي تخصه وتمس أسرته بشكل مباشر، هل يقف إلى جانب الرقباء أم ينظر إليهم على أنهم أوصياء عليه؟
نظرة سريعة على استطلاع الرأي الذي أجرته شبكة "بصيرة" في مصر تستطيع أن تعرف منه رد فعل الشارع المصري، حيث وصلت نسبة المؤيدين لقرار رئيس مجلس الوزراء بوقف الفيلم إلى 67 في المئة . وبجولة في شوارع الإمارات تستطيع أن تعرف ردود الأفعال المختلفة حول قضية الرقابة، بداية معظم من تحدثت إليهم لم يشاهدوا الفيلم من الأساس ولكنهم على حسب ما قالته لي عائشة العلي إن الإعلان الذي شاهدته عنه كان كفيلاً بأن تأخذ قرارها بعدم الدخول، وأردفت: لم أتعجب أبداً من أن توقف مصر الفيلم أو أن تحذف منه الإمارات مشاهد بعينها، وأرى أن الرقابة على الأعمال السينمائية مطلوبة، فهي من أجل الحفاظ على قيمنا المجتمعية وأعرافنا التي نتمسك بها .
بينما رأى أحمد المنصوري أن الرقابة سلاح ذو حدين، قد تكون ظالمة عندما تسير وفق أهواء شخصية أو انتماءات سياسية، ولكنها بالتأكيد مهمة للغاية عندما يتصدى رجالها لكل ما يمس عاداتنا وتقاليدنا وأعرافنا التي لا نملك سوى أن نحافظ عليها، لذا فأنا مع وجود رقابة على الأعمال الدرامية بلا أي استثناء لأنها بمثابة الحصن الحصين لنا .

د . حبيب غلوم: أطالب بقانون يحمي المبدع والجمهور

"الفنان الحقيقي لا يحتاج إلى أحد ليفرض قيوداً عليه، بل هو الذي يخضع لرقابة ذاتية على نفسه" هكذا يبدأ الفنان الإماراتي الدكتور حبيب غلوم حديثه .
ويكمل: هناك فروق شاسعة بين منتج سينمائي يفهم ويعي دور الفن وأهميته وخطورته على المشاهدين، وآخر لا يشغله سوى الربح السريع، عين هذا المنتج دائماً تكون على شباك التذاكر، ولذا تكون رؤيته دائماً ضيقة، غير مهتمة بالفكرة أو المضمون الذي يقدمه، بل مهتمة بالأمور المادية البحتة .
أما نحن كفنانين فمن المفترض أن ندرك جيداً أننا نخاطب الجمهور الذي نصل إليه في منزله، أو هو الذي يدق أبوابنا بذهابه إلى دور العرض السينمائي، وتلك مسؤولية كبيرة علينا، وللأسف بعضهم من أهل الفن ليس لديهم مفاهيم محددة لمساحات الحرية والإبداع المتاحة لهم، بل بالعكس يستغلونها من أجل مصالح شخصية ومادية، لذا فأنا أطالب بقانون رقابي يُعمم على الجميع في مختلف بلداننا العربية، مع مراعاة ظروف كل دولة، وعلى الجميع أن يمتثل لبنود وشروط هذا القانون الذي يحمي الجميع، بل إنه بالتأكيد سوف يوفر الحماية للفنان حتى من نفسه، وبالتالي لن نعطي فرصة للمتحذلقين والمتسلقين في مجال الثقافة والفنون بالفرصة في الظهور على الساحة الفنية التي ستلفظهم على الفور وأعتقد أن الفنان الحقيقي صاحب الفكر والرسالة لن يخشى أبداً وجود مثل هذا القانون لأنه لن يحتاجه من الأساس، ولأنه حريص على تقديم كل ما هو مميز ومبدع مع محافظته على عادات وتقاليد وأعراف بلداننا الإسلامية والعربية .

التاريخ يشهد

ننطلق من "المحروسة"، من عند قاهرة القلوب التي يلقبها الكثيرون بعاصمة الفن العربي، فالمعارك التي خاضها الفن في مصر مع مقص الرقابة كثيرة وليست وليدة الزمن الحالي، بل تمتد جذورها عبر التاريخ إلى ثورة 1919 عندما تم منع عدد من الأفلام التي كانت تنتقد النظام الملكي والتي كانت بشكل غير مباشر تحرض الشعب على الثورة ضده، وفي عام 1926 منعت الرقابة إنتاج فيلم "نداء الله" بعد اعتراض الأزهر الشريف، وفي 1937 تم وقف عرض فيلم "ليلى بنت الصحراء" بناء على طلب وزارة الداخلية حتى لا تتوتر الأوضاع بين مصر وإيران، بدعوى أن الفيلم يسيء إلى ملك الفرس القديم، وفيلم "لاشين" الذي تمت مصادرته عام ،1939 لأن موضوعه كان يحرض على ثورة ضد الملك، وفيلم "من فات قديمه" الذي خضع لتشويه مقص الرقيب عام 1942 لأن الفيلم يرمز إلى زعيم حزب سياسي يرضخ لأوامر زوجته عند اتخاذه أي قرار سياسي، والفيلم الأبرز الذي منع لأنه يرصد كفاح شعب مصر كان فيلم "مصطفى كامل" للمخرج أحمد بدرخان عام 1952 .
معظم هذه الأعمال لم تر النور ولم تأخذ حقها في العرض إلا بعد قيام ثورة يوليو ،1952 أي بداية الموجة الثانية من السينما المصرية، حيث أجازت قوى الثورة عرضها لأنها كانت تهاجم النظام الملكي، في الوقت الذي منعت فيه أفلام كانت تنتقد ممارسات رجال يطلق عليهم مراكز القوى، أبرزها أفلام: "الكرنك" و"إحنا بتوع الأتوبيس" و"البريء" و"المذنبون" و"شيء من الخوف" و"الله معنا" . . أفلام لم تعرض إلا بقرار جمهوري من الرئيس جمال عبدالناصر . وتتوالى المعارك وتحتدم الصراعات بين الفن وجهاز الرقابة، وللحق فإن الأمر لم يقتصر على مصر أو العالم العربي، بل إن ما لا يعرفه الكثيرون أن أول ظهور لجهاز الرقابة كان في روسيا القيصرية عام ،1908 ثم السويد ،1911 وبريطانيا ،1912 وفرنسا ،1916 ومن المعروف أن لكل دولة مفاهيمها ومحاذيرها الرقابية التي تمنح وتسمح بما يتواءم مع المعايير الدينية، والسياسية، والأخلاقية، وأيضاً الآداب والعرف والتقاليد العامة .
وعلى الرغم من أهمية الدور الذي تقوم به الرقابة، إلا أنه مازال لها مؤيدون ومعارضون، فبعضهم يقول إن وظيفتها سلبية، وإنه من الأفضل تشجيع الإنتاج الجيِّد، ويؤكد معارضوها على أنها تحُد من حرية التعبير، بل ويطالبون بإلغائها كما حدث في فرنسا في أواخر الستينات، وما يصدر الآن من بعض من المثقفين والفنانين في العالم العربي .

تحيطه البرامج والأفلام التجارية
المشاهد بين الابتزاز والاستفزاز

"جوزيف جوبلز" وزير الدعاية السياسية للرئيس الألماني النازي أدولف هتلر، وهو صاحب المقولة الشهيرة "اكذب حتى يصدقك الناس" تلك التي تم تداولها عبر التاريخ، أطلق مقولة أكثر أهمية منها حيث قال: "اعطني إعلاميين بلا ضمير . . أعطك شعباً بلا وعي"، عبارة تلخص أهمية الإعلام وتأثيره، تضاف إليه دور السينما وما تقدمه .
في جولة في أحد المراكز التجارية، حاولنا الاقتراب من نبض الشارع ونظرته للإعلام بكل ما يقدمه من برامج وأعمال درامية وأفلام سينمائية، وكان السؤال الموجه: "هل تشعر بأنك تتعرض لأي نوع من الابتزاز أمام ما تشاهده عبر الشاشات المختلفة؟"
عادل الشوربجي أجاب من دون أي تردد: لا أرى أننا كمشاهدين نتعرض لابتزاز فحسب، بل نعاني الاستغفال، وأقصد هنا كل من يتابع وسائل إعلامنا بموادها المختلفة، ينتابني إحساس بأنني في أحيان كثيرة أعيش في كوكب آخر خاصة عندما أقع تحت طائلة البرامج السياسية، وفي الأغلب ما تكون القنوات الخاصة موجهة بحسب رغبات وأهواء مالكها، وعندما ننظر للإعلانات نجد أنها عبارة عن عملية تجارية بحتة خالية من المصداقية، وما هي إلا ابتزاز مادي بحت بل هي ترقى أيضاً إلى أن تكون المدخل "الشرعي" للنصب والاحتيال، بينما الأعمال الفنية السينمائية من دون أدنى شك تعتمد على خطة ممنهجة للانحطاط بالفكر العربي وتوجيه الجيل الصاعد نحو أخلاقيات وسياسات غريبة على عاداتنا وتقاليدنا، والحقيقة أننا لابد أن نجد حلولاً لهذا النوع من الابتزاز الذي بات واضحاً في كل مجالات حياتنا .
"أكثر ما يثير حفيظتي هو حالة الاستقطاب التي أشعر بها ونشعر بها جميعاً عندما نتابع البرامج السياسية والإخبارية"، هكذا بدأ كريم وحيد حديثه، وأردف: حتماً أصاب بارتفاع في ضغط الدم عندما أتابع المناقشات التي لا تخلو أبداً من شتائم وألفاظ نابية، وتمتد في أحيان كثيرة إلى التراشق بالأيدي، والإعلام لا يجد غضاضة في بث مثل تلك الأمور، بل يعتبرها انفرادات إعلامية، لذا نحن بالفعل نعيش في زمن الاستفزاز والابتزاز، أما عن الأوضاع الفنية فحدث ولا حرج، فما هذا الكم من الابتذال الذي يلاحقنا كمشاهدين سواء في الأفلام التي يعرضها التلفاز أو التي تعرض في السينما؟ وامتد الأمر أيضاً إلى الأغاني التي تحولت إلى مشاهد عري، بكل المقاييس لنا الله .
ماجد سليم تحدث عن الأفلام السينمائية على وجه الخصوص قائلاً: أنا شخصياً لم أعد أتابع السينما العربية سوى لبعض النجوم المعروفين من ذوي الفكر وهم أولئك الذين لا يقبلون الاشتراك في الأفلام التجارية التي لا تراعي أياً من عاداتنا وتقاليدنا، بل إن هذه النوعية من الفن تبتز مشاعر وعواطف واحتياجات المراهقين وهذا بالطبع يؤثر في المجتمع بأكمله، ولا تختلف الحال بالنسبة للإعلانات التي تبتزنا كمشاهدين مادياً وغرضها الأوحد الربح والتجارة من الهواء، لذا لابد أن تكون هناك رقابة صارمة على كل ما يقدم على الشاشات .
وإذا كان هذا ما يراه الشارع وما يشعر به المتابع لإعلامنا بمختلف أدواته وفنونه، فما هو رأي أهل الإعلام وذوي الخبرة؟
د . علي الشعيبي الخبير والمفكر الإعلامي يرى أننا أصبحنا نعيش في زمن تنازل فيه الإعلام خاصة الفضائيات عن قيم المسؤولية الاجتماعية، بل وتحولت الوسائل الإعلامية إلى وحوش كاسرة تلتهم كل ما حولها . والإعلام الخاص بدأ بالتلاعب بذوق وذائقة المتلقي بهدف واحد فقط ويعنى بالربح المادي، ومن هنا تراجعت قيم العمل الإعلامي، وأصبحت لدينا حالة من الانفصام الحاد في الرؤية . كل هذه المعطيات مكنت الكثير من تجار وصانعي الإعلام المدغدغ للغرائز أن يستخدموا الهزل والإضحاك والاستعراض للمفاتن، وهم في الحقيقة نجحوا في أن يسرقوا وقت المشاهد وجيبه بل ويسطون على روحه، وهذا الابتزاز لم يعد خافياً على أحد، نحن نشاهده في الرقص الفاضح بالفيديو كليب، ومن خلال العرض السينمائي، ومن خلال الإعلانات المبتذلة، وعندما نتحدث نفاجأ بالأصوات التي تتهمنا بأننا ضد حرية الرأي والتعبير وحرية الطرح، وكل هذه شعارات لا ترمي إلى إحداث أي تغيير في ذهنية المتلقي العربي الذي بات يعاني الأمرين على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وتستمر عملية الابتزاز لتكون أكثر حدة في برامج الأطفال، والألعاب التي تقدم للطفل خاصة أننا نعيش عصراً يتسم بالقدرة على التواصل من خلال الشبكة العنكبوتية، مشكلتنا الحقيقية تكمن في الفهم الخاطئ لمصطلحات مثل "الحرية" و"الديمقراطية" و"احترام الرأي الآخر"، شعارات نرددها لكن في الواقع هي غائبة عن وعينا وعن النهج الذي نسير عليه الذي يجب أن يصل إلى المتلقي .
بينما يرى د . علي جابر عميد كلية الإعلام بالجامعة الأمريكية أننا لا يمكن أن نطلق على الزمن الذي نعيش فيه لقب الابتزاز،لأن المنهج الذي تتبعه القنوات الإعلامية يختلف من بلد إلى آخر، إذاً الممارسات هي التي تسهم في تحويل الإعلام من دوره الحقيقي ألا وهو التوعية والرفع بشأن المتلقي إلى دور آخر تماماً يسهم بوصول المتلقي إلى القاع، وللأسف الشديد معظم البرامج التي يقدمها الإعلام خاصة في الدول الساخنة أحداثها يهدف إلى التحريض والحشد من أجل أهواء ومصالح مالكي القنوات، لذا هناك أثر كبير لوسائل الإعلام العربية فيما يحدث في المجتمعات وما تمر به من أحداث، بل وهي تتحمل المسؤولية الأكبر عما يحدث لأنها بقصد شديد تبث الكراهية للآخر، وهذه لم تكن يوما وظيفة الإعلام الذي من المفترض أن يكون محايداً وشفافاً، وما أود أن أقوله عن الإعلانات فإنها في المجتمعات المتقدمة والمتحضرة مرهونة بأصول وقوانين، وهناك حقوق للمشاهد وأخرى للإنسان وأيضاً حقوق للرأب، لذا علينا أن نتعلم من تجارب الآخرين .
وعلى الجانب النفسي والاجتماعي تحدث د . أحمد صلاح العموش عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة الشارقة قائلاً: إن ما يحدث في الإعلام وما تقدمه شاشات التلفاز أو السينما في هذه الأيام، ما هو إلا نوع من أنواع الاحتيال وهذا هو ما قلت عنه بالابتزاز الذي يشمل كل الأنواع، الغرائزي والمادي والنفسي والاجتماعي، وهو مع الأسف الشديد يضرب تركيبة المجتمعات العربية ويجعلها مفككة، وبالطبع يجعل الأفراد غير مؤهلين للوثوق بأنفسهم وقدراتهم، وحتى لا أطيل في حديثي أقول لك الملخص المفيد كما يقولون، وهو إننا جميعاً بلا استثناء ضحايا في زمن الابتزاز الذي يمارس علينا من كافة النواحي، وعلينا أن ننتبه إلى أجيالنا التي تحمل المستقبل على عاتقها .

متخصصون في الإعلام وعلم النفس يستنكرون ويعلّلون
المرأة والطفل "سلعة" في أسواق السينما والتلفزيون

المرأة على الشاشة لم تعد تلك الصورة الجميلة للأم أو الأخت، ولم تعد هي الشريك في الكلمة الواعية والرسالة الصادقة والوجه الثقافي المشرق . تحولت إلى سلعة يتاجر بها المعلن أو المنتج في مختلف المجالات الإعلامية والدرامية والفنية، ونحن نقصد فئة معينة وليس الكل . ومثلها استغل التجار الطفل وبراءته أبشع استغلال . فما آثار ذلك في مجتمعاتنا وفي أجيالنا المقبلة؟ ولماذا المتاجرة بالمرأة والطفل؟
عبد العزيز أحمد عبد الله أستاذ علم النفس الاجتماعي في جامعة الإمارات، يرى أن ما حدث مؤخراً من ضجة حول فيلم "حلاوة روح" الذي لم يشاهده، ولكنه سمع عنه يشكل كارثة كبيرة، خاصة مع استغلال الطفل الذي بدا واضحاً من الإعلان عن الفيلم . ويستكمل عبد العزيز حديثه قائلاً: نحن كنا في وقت من الأوقات على قمة الهرم ولكننا أصبحنا مع الأسف تحت السفح، وأنا هنا أُحمل الإعلام بما يبثه من أفكار ومشاهد المسؤولية، فنحن فوجئنا في الفترة الأخيرة بموجة عارمة من الأعمال الفنية التي لا تُظهر سوى أعمال البلطجة والسرقة، وتتخصص في التركيز على جسد المرأة وهذا لم يعد مقبولاً، إذ هناك قضايا اجتماعية أهم وأخطر تخص الأسرة والمرأة للأسف لا تتم معالجتها، وهذا إنما يدل على أن هذه الأعمال لا تريد سوى التربح السريع، لذا علينا أن نقاوم تلك الظواهر التي تقف ضد تقاليدنا وأعرافنا .
حديث الدكتور عبد العزيز جعلني أعود إلى الوراء لأتذكر كيف لطفلة صغيرة ببطولة ادوار ثقيلة استطاع أن يكتشف موهبتها الراحل أنور وجدي لتكون بطلة استعراضاته "فيروز" .
من جانبه د . حسام سلامة أستاذ الإعلام في جامعة عجمان يرى أن الإعلام رسالة خطيرة ومكثفة تصل للجمهور أينما كان، ويكفي أنها تُكرر بشكل دائم فالأعمال الدرامية على الشاشات لا تقدم مرة واحدة فحسب، بل تُعاد على مدار العام مرات عدة، إضافة إلى الإعلانات التجارية المصاحبة لجميع القنوات والشاشات والتي يقوم الأطفال بحفظها عن ظهر قلب .
ويتابع: لذا أقول إن الإعلام دوره لا يقتصر فقط على الترفيه، بل هو أيضاً يسهم في تكوين وعي ومفاهيم الأسرة بكل أفرادها سواء كان الزوج أو الزوجة أو الأبناء في مراحلهم العمرية المختلفة، ولأن الشاشات تعرف ذلك جيداً وتفهم طبيعة الدور الذي تقوم به ومدى تأثيره، فهي للأسف كما يقولون "تلعب على كل الحبال"، وتستغل كل أفراد الأسرة وخاصة المرأة والطفل، بل وأيضاً تتاجر بهم من أجل الوصول إلى أهدافها التي تنحصر في التربح المادي والانتشار السريع، ويؤسفني أن أكون أستاذاً للإعلام وأقول إن شاشاتنا المختلفة، وبكل ما تقدمه من برامج أو أعمال درامية أو أغانٍ وكليبات، وأفلام ومسلسلات، لا تراعي المنظومة القيمية لمجتمعاتنا العربية الأصيلة التي تتميز بعاداتها وأعرافها، ولا يستطيع أحد أن يدرك أن الإبداع لا يعني أبداً الانفلات من القيم ومن المنظومة الاجتماعية والعربية والإسلامية التي نعيش فيها . تحولت المرأة إلى مجرد سلعة يعرضونها للبيع وكأنها ليست كائناً حيّاً لديه عقل وحكمة تفوق رجال كثيرين، وهذا مع الأسف منتهى الامتهان والابتذال، -الكلام مازال على لسان د .حسام- هنا لا يسعني سوى أن أتكلم عن الدراما المصرية والخليجية معاً، وأن هناك ظلماً وقع على المرأة من الطرفين .
أما عن استغلال الأطفال فحدث ولا حرج وهذا يظهر جلياً ليس في الأعمال الدرامية، بل أيضاً في القنوات الخاصة بالصغار والتي تمتلئ بإعلانات وأرقام تليفونات ومسابقات ليست هادفة، والغرض منها الربح وليس استفادة الأطفال، لذا على الإعلام أن يتغير في نظرته وسياساته ولا يتعامل مع غرائز المتلقي بل مع عقله وحكمته وإرادته .
"الممنوع مرغوب هذا ما أستطيع أن أقوله بشكل ملخص جداً"، هكذا يبدأ د . سعيد حامد المخرج التلفزيوني وأستاذ الإعلام بكلية المعلومات والعلوم الإنسانية حديثه ويتابع: تلك هي فلسفة إعلامنا والتي نراها بشكل ملحوظ على شاشاتنا، الممنوع هو كل الخارج عن عاداتنا وتقاليدنا وأعرافنا العربية والإسلامية، ولأنه مرغوب من قِبل بعض من الجمهور، فإن شاشاتنا تلجأ إلى تقديم مثل هذه الأعمال التي تستغل الأطفال والنساء، وأتساءل أين أفلام المخرجين الراحلين الذين كانوا يستخدمون الرمزية الهادفة، أين صلاح أبو سيف وحسين الإمام؟ لماذا لا يتعلم الجيل الجديد؟ ولماذا يختارون الطرق السهلة من أجل الوصول إلى التربح على حساب عقول الجمهور؟
يضيف د . حامد: يجب أن تكون هناك مواصفات للمنتج، فلا يصح أبداً أن يدخل شخص يمتهن مهنة "الجزارة" أو التجارة في المواشي مجال الفن والإنتاج السينمائي لا لشيء إلا لأنه يمتلك المال، هذه النوعية من المنتجين لا تريد سوى أن تربح من أفلامها أكثر مما وضعته في رأس المال، لذا فهم يتاجرون بالأعراض والأطفال، وكل شيء مباح ومتاح، ولا يهم سوى المال . أما عن الأطفال فمع الأسف أصبحوا أكبر من سنهم والفضل يرجع إلى إعلامنا وما يقدمه على الشاشات، فعندما تتحدث مع طفل عمره 7 سنوات تجده يتكلم وكأنه صاحب الخمسة عشر عاماً وهذا في منتهى الخطورة، الإعلام فقد هيبته عندما انسحبت الحكومات من الإنتاج السينمائي، وفقد هيبته عندما أصبح كل شخص يقول عن نفسه أنه سيناريست ومخرج، لذا أرى ضرورة محاكمة كل من يتطاول أو يخطئ في حق أجيالنا المقبلة وكل من يحاول أن يمتهن أعراضنا ويسير ضد تيار ثقافتنا وتقاليدنا .