في سهل الساحل الموريتاني المعروف باتساعه وبيئته الخلابة وتنوع تضاريسه ينصحك الجميع باصطحاب دليل ماهر، فقد تكون أي رحلة هي الأخيرة للغريب عن هذا المكان الجغرافي والبشري المتميز . الساحل الموريتاني هذه المرة تزف إليه مدينة الشامي الجديدة، المرصعة بالأحلام الذهبية، وقدر الساحل المحظوظ بكنوزه البشرية والطبيعية أن يفاجئ زائريه ويزرع فيهم حبهم والإعجاب به .

اليوم تولد مدينة الشامي على خرائط المستثمرين، وكل ذلك على يد قابلة من الجدل الاجتماعي والسياسي حول هذه المدينة ومستقبلها .

الخليج تزور المقاطعة التي يتنبأ لها الكثيرون بدور حيوي خلال العقود المقبلة، ليس على المستوى الموريتاني فحسب، بل وعلى المستوى الإقليمي إذا صدقت تنبؤات خبراء المناجم، ومخططي السياسات الأمنية في منطقة الساحل .

زيارة مدينة الشامي تستغرق ساعتين من العاصمة نواكشوط، لكن الانتقال إلى معالم مقاطعتها وأريافها يتطلب معاناة حقيقية بسبب وعورة الأرض التي لا يجرؤ عليها غير البدو الرحل أو عابرات الصحارى والسائقين الماهرين .

الشامي عقد قران بين البر والبحر، أفضل ما تختزنه الأرض الموريتانية من مقدرات تنام في أعماق الأرض: الذهب يشكل تاجاً على رأسها الذي تكالبت عليه عشرات الشركات المتعددة الجنسية في شرقها، فيما يغسل قدميها من الغرب المحيط الأطلسي الذي يعتبر جزؤه الموريتاني من أغنى الشواطئ العالمية بالأسماك، رغم تكالب الأساطيل الأجنبية على استنزافه طيلة عشرات السنين .

تقع مدينة الشامي، وهي أحدث المدن الموريتانية، وعاصمة أحدث مقاطعات البلاد، على بعد 250 كلم شمال العاصمة نواكشوط في منتصف الطريق الرابط بين العاصمتين السياسية والاقتصادية: نواكشوط وانواذيبو . وتمتد المقاطعة على شريط ساحلي طوله قرابة 80 كيلومتراً .

كان أول من استثمر عقارياً في منطقة الشامي محمد ولد بوعماتو، أكبر رجال الأعمال الموريتانيين، إذ أقام سنة 2005 محطة للبنزين ومطعماً واستراحة على بعد 230 كلم شمال نواكشوط، مع إنجاز الطريق المغاربي، الذي ربط برياً بين الأراضي الموريتانية المغربية، وهو اليوم أحد أهم خطوط الطرق .

ومع وصول الرئيس الحالي محمد ولد عبدالعزيز إلى السلطة، وهو ينحدر من المنطقة نفسها، تهيأت الظروف لإنشاء مقاطعة الشامي التي كانت أراضيها موزعة بين ثلاث ولايات هي العاصمة نواكشوط، وانواذيبو، وإنشيري . فتحولت بقرار رسمي إلى مقاطعة تابعة لولاية انواذيبو، وخصص لها نائب برلماني وعضو في مجلس الشيوخ وعمدة لبلديتها .

واختيرت منطقة الشامي موقعاً لعاصمة المقاطعة الجديدة، ووضع حجرها الأساس يوم 19 مارس/آذار ،2012 وأنفق فيها حتى الآن أكثر من مليار أوقية، وبنت الحكومة مقار للسلطات الإدارية ومنشآت صحية وتعليمية، وشبكة للمياه والكهرباء، وشبكة طرق داخلية، وفللاً وشققاً سكنية لتكون نواة المدينة الجديدة، وعرضت السلطات تلك المباني للبيع بأسعار رمزية، وكان الإقبال على شراء قطعها الأرضية منقطع النظير رغم أن المدينة الناشئة لا تزال من دون سكان حتى الآن .

ولتعزيز دور المدينة، وضعت الحكومة فيها واحدة من أكبر القواعد العسكرية في البلاد، وهي القاعدة التي تؤمن الطريق الرئيس بين نواكشوط وانواذيبو، فضلاً عن دورها في حماية غرب البلاد الذي يعد منطقة استراتيجية .

واستمدت الشامي أهمية خاصة لدى الموريتانيين نظراً لدورها المستقبلي المتوقع، ما جعلها محل صراع وسباق إلى شراء أراضيها ومنشآتها العمرانية، والسعي للفوز بتمثيلها في البرلمان ومجلس الشيوخ .

مشاريع

تقع الشامي في منطقة استراتيجية في الغرب الموريتاني على بعد 30 كيلومتراً فقط من المحيط الأطلسي، وتعرف الشواطئ المقابلة لها بغناها بالأسماك ذات الجودة العالية . وفي مياهها الإقليمية تبحر أساطيل الصيد الصناعي والتقليدي على حد سواء مستخرجة ملايين الأطنان سنويا من مختلف عينات الأسماك . ومع توقع استثمارات جديدة ببناء ميناء منجمي وآخر للصيد في المنطقة سترتفع عائداتها الاقتصادية، ما يفتح باب المنطقة أمام المستثمرين في الثروة الطبيعة التي تحفل بها المياه الإقليمية للمقاطعة .

وإذا كانت هذه المشاريع قيد الدراسة والتخطيط، ومن النوع الذي يمكن اعتباره مشاريع حتمية التنفيذ بسبب تشجع رأس المال الخاص، قبل العام، فإن الشامي وضعت منذ 6 سنوات على خريطة الاستثمار العالمي، مع بدء إنتاج الذهب من مصنع تازيازت الذي لا يبعد من المدينة أكثر من 60 كلم، وهو حالياً أكبر منجم لاستخراج الذهب في غرب إفريقيا، وتتوقع الدراسات أن يتحول خلال السنوات القليلة المقبلة بفضل مشروع ذهب تازيازت 2 إلى أكبر منجم للذهب في المنطقة ككل، بحسب وزير المعادن الموريتاني، وشركة كينروس المالكة للمنجم .

وحين تصل الشامي تبدو مدينة أشباح وسط الصحراء، ولولا القاعدة العسكرية الملاصقة، وحركة المرور على طريق نواكشوط - انواذيبو، المار من المدينة لخيل إلى الزائر أنه أمام منظر لمدينة وهمية تنتصب داخل بحيرة سراب في عز الظهيرة، لكن هذا الواقع يتغير حين نتوجه صوب الأرياف .

عند المغادرة إلى الشمال الشرقي، وعلى بعد 60 مليومتراً من مدينة الشامي، نصل إلى ما تسميه نخبة نواكشوط، والسكان البدو في المنطقة بدولة داخل الدولة، بعد بضعة كيلومترات تبدأ الأسلاك الشائكة بتقييد الصحراء، هنا دولة تازيازت صوت الآليات الضخمة، وأعمدة دخان المصانع، وأربعة آلاف عامل وطائرات وعسكر وحراس ورقابة إلكترونية شديدة .

لا يمكن الاقتراب من المنطقة إلا بإذن خاص، ولم يتمكن ممثلو البرلمان الموريتاني من دخول منطقة تازيازت إلا بعد خمس سنوات من انطلاقة إنتاج الذهب .

لا تحظر المنطقة لأسباب أمنية فحسب، بل إن أسباباً استثمارية وراء كل القيود التي توضع على هذه المنطقة . . فالبلاد تحصل على 4% فقط من ذهبها المنتج من أكبر مصنع في غرب إفريقيا . . وفي موريتانيا تعلو أصوات كثيرة مطالبة بكشف حقيقة ما يجري في هذه المناجم من نهب للثروة وفق اتفاقية مجحفة حاولت ثلاثة أنظمة التعديل عليها فكان العكس بسبب لوبيات النفوذ .

شيء واحد يسر الموريتاني وهو على أبواب هذه المنطقة حيث يخطف بريق الذهب الأنفاس . . هو تلك اللحظة التي يحظى فيها موريتاني ببطاقة عبور عمل إلى المنجم، والتي تعني ولوجه إلى مرتب كبير وتوديع عزوبية الجيب .

والمنطقة وفق مؤشرات التنقيب تضم ثروات منجمية متعددة، لذلك باتت مقاطعها التنقيبية بحوزة المستثمرين منذ عدة سنوات .

تقع منطقة تازيازت في السهل الواسع ذي التربة الصخرية الصلبة، مع تنوع في التضاريس بين الرمال الوافدة إبان سنوات الجفاف وبين جبال وكدى، تشغل كل ذلك حياة برية ثرية خاصة في موسع الشتاء حيث تنبت الأعشاب وتخضر الأشجار، وتشتهر في هذه المنطقة نباتات كثيرة صحية من بينها نبات السبط وغيرها من أعشاب طبية .

تتحول أرياف الشامي إلى جنة خضراء ممهورة بالأرضيّ، ويتحول هذا الخلاء إلى أرض عامرة بالبشر الذين يأتون للراحة والاستجمام في هذا الفصل بين قطعان الماشية التي تمتلئ بها المنطقة في هذه الفترة .