يقول الله تعالى: (المال والبنون زينة الحياة الدنيا).

ومن المقارنة بين المال والبنين، ندرك مدى تعلق الإنسان بالمال، حيث أنه يعزه كما يعز فلذات أكباده، وقد رأيت بعيني عند ما كنت أدرس في مصر رجلا كان جالسا بأسرته على شط النيل، فأخرج ورقة من فئة الخمسة جنيهات من جيبه ليستخدمها، فطارت الورقة من يده وسقطت في النيل، فرمى الرجل بنفسه وراءها لينقذها من الغرق، فغرقت ورقة الخمسة جنيهات، وغرق الرجل معها أمام أسرته.

إذن المال عزيز، ولاسيما على الرجل الذي لا يحصله إلا بالكد والتعب وعرق الجبين، ويروى أن أحد الشباب الموسرين نزل في فندق من فنادق روما، فطلب جناحا كاملا.

وبعد يومين جاء رجل آخر كبير في السن نوعا ما،فطلب سريراً واحداً، فقالوا له غير متوافر، قال ابحثوا عنه حتى لو كان تحت السلم، ولما اطلعوا على جواز سفره، لاحظوا أن هناك علاقة بينه وبين ذلك الشاب الذي سكن جناحا بأكمله، فسألوه عنه فقال ذاك ابني.

وهنا تعجب موظف الفندق من تصرف الرجل، فهو والد ذلك الثري، ويفترض أن الأب ثرياً أيضا، فحاول أن يعرف عن ذلك الرجل أكثر، فقال الأب: نعم استأجر ولدي أغلى الأجنحة لديكم، لأنه يملك أبا ثريا مثلي، وأما أنا فليس لي أب ثري مثله، وكل ماجمعته جمعته بالتعب والشقاء.

أريد أن أقول للشباب: جميل أن يمن الله على كل واحد منكم بأب ثري مثله يستطيع أن يوفر لكم عيشا كريما.

لكن ليس من العقل أن يعتمد الواحد منكم على ثروة والده، ويقعد عن التكسب وإعمال الفكر، وهو يعلم أن الغنيمة الباردة ربما تزول في غمضة عين، والشاعر يقول:

ليس الفتى من يقول كان أبي

إن الفتى من يقول ها أنا ذا

ويعجبني قول صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم رعاه الله في كتاب رؤيتي: (والدي وقف في حاضره، ونظر إلى بوابة الماضي بعين، وإلى بوابة المستقبل بعين، ونحن نقف في حاضرنا وننظر إلى ما أنجزه الوالد بعين، وإلى بوابة مانخطط له بعين).

لذا فإن يقف اليوم أمام مبنى مركز دبي المالي العالمي، وينظر أمامه، فسيرى هذا التواصل التنموي المدهش، عبر بوابة التنمية المتميزة التي تفتح عيون دبي والمنطقة على العالم، وتفتح عيون العالم على المنطقة.

إن هذا القول من سموه يعني أن الشباب الذين وجدوا أنفسهم أمام ثروة جاهزة عليهم أن ينموا هذا المال وينموا أفكارهم، لا أن يعثوا فيه فسادا، بحجة أن الدنيا يومان، والمال إن لم تنفقه في ملذاتك، فإنه غير نافع، كلا.. والعاقل لا يجد لذته في تبذير المال، بل في إنفاقه فيما ينفع.

إن الله لم يحرم علينا الملذات في الدنيا متى كانت حلالا، لذلك قال تعالى: ولاتنس نصيبك من الدنيا، وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة الآية رقم 77 من سورة القصص.

وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده رواه الترمذي.