أحلّ الله -سبحانه وتعالى- البيع وحرّم الربا، وبيّن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن البيع الصحيح ما كان عن تراضٍ بين البائع والمشتري، ولهذا كان البيع والشراء عن طريق المقايضة، أي أن صاحب القمح يتبادل مع صاحب الأرز، مثلاً، ويتقايضان السلع حسب قيمة السلعة لكل منهما . وأوجب الإسلام الالتزام بما تم الاتفاق عليه بين البائع والمشتري وحذر من الخلف في ما تم الاتفاق عليه، واعتبره من صفات المنافقين الذين توعدهم الله بالنار . ولهذا وجدنا الحبيب المصطفى -صلى الله عليه وسلم- يقول:
آية المنافق ثلاث، إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتُمِنَ خان، والمرء حين يتعاقد مع غيره فإن واجبه أن يلتزم بما تم الاتفاق عليه . ولكن في بعض الأحيان نجد الإنسان يخلف الموعد أو يتباطأ في إنجاز ما تم الاتفاق عليه بين المتعاقدين، وقد يؤدي هذا إلى إلحاق ضرر بالطرف الآخر . ومن هنا يلجأ الكثيرون إلى وضع شرط جزائي ضمن شروط العقد لإجبار المماطل على على تنفيذ الاتفاق في الموعد المحدد .
اختلف الفقهاء في حكم الشرط الجزائي، أهو حلال أم حرام؟ وقبل أن نذكر أقوال الفقهاء نتعرف أولاً إلى معنى الشرط الجزائي، فنقول: الشرط الجزائي هو: اتفاق بين طرفين على تعويض معين يستحقه أحد طرفي العقد في حالة عدم التزام الطرف الآخر بالتزامه .
وهذا معناه أن الطرفين يتفقان معاً على أن من لم يلتزم بما جاء في بنود العقد حسب الاتفاق يكون ملزماً بدفع مبلغ معين بشرط أن يكون مقدراً معلوماً، وبشرط أن يتم الاتفاق على هذا عند إبرام العقد .
المبيحون
والفقهاء لهم قولان في هذه المسألة، ولكل واحد منهما دليله الذي استند إليه .
القول الأول: ذهب إليه بعض المالكية والحنابلة والظاهرية، وقالوا: الشرط الجزائي حلال لعدم وجود دليل صريح يدل على التحريم، لأنه لا تحريم إلا بنص . واستدلوا على هذا القول بأدلة متعددة من القرآن الكريم، نذكر منها ما يأتي:
استدلوا بما جاء في سورة المائدة بقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود، واستدلوا بما جاء في سورة الإسراء بقوله تعالى: وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولاً، وهاتان الآيتان من كتاب الله -عز وجل- تؤكدان وجوب الوفاء بما تم الاتفاق عليه، الأمر الذي يدل على إباحة الشرط الجزائي لعدم وجود نص صريح بتحريمه .
واستدلوا بما جاء في سنة سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فعن عقبة بن عامر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إن أحق الشروط أن توفوا بما استحللتم به الفروج، واستدلوا بما جاء في سند الترمذي -رحمه الله تعالى- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً أحلّ حراماً أو حرّم حلالاً، والمسلمون على شروطهم إلا شرطاً حرّم حلالاً وأحلّ حراماً . . وهذا الذي سبق إن دل على شيء فإنما يدل على أن كل ما تم الاتفاق عليه يجب الوفاء به بشرط ألا يحرّم حلالاً أو يحلّ حراماً، ما دام ذلك قد تم بين الطرفين برضا وطيب خاطر .
واستدلوا أيضاً بالأثر الذي جاء في صحيح الإمام البخاري، رحمه الله تعالى، عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- بشأن نزاع بين زوجة وزوجها فقد شرطت عليه عند العقد ألا ينقلها من بلدها فقبل الشرط، ثم أراد أن يخل بالشرط الذي وافق عليه عند عقد الزواج، فتمسكت المرأة بما اشترطت على زوجها، وقالت: إذاً يطلقني . فقال سيدنا عمر رضي الله عنه: مقاطع الحقوق عند الشروط لها شرطها، وألزم الزوج بما تم الاتفاق عليه .
وهذا يدل على أن الشروط التي يتم الاتفاق عليها عند العقد لابد من الوفاء بها وهذا ما فعله سيدنا عمر رضي الله عنه مع الزوج، لأن الغالب في من يقبل مثل هذه الشروط أن يقبلها لاعتبارات متعددة، فما دام علم بالشرط وقبله فلابد له من الوفاء به، فالأصل في العقود الإباحة لأنها في الغالب مبنية على العرف وما جرى بين الناس من معاملات وألفوه وعملوا به، خاصة إذا لم يرد دليل يدل على الحرمة .
القول الثاني
أما أصحاب القول الثاني فهم الحنفية والشافعية وبعض المالكية . وهؤلاء قالوا: الأصل في العقود الحرمة إلا ما ورد الشرع بإباحته . وهؤلاء استدلوا بأدلة متعددة من كتاب الله عز وجل وسنة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستدلوا بما جاء في سورة البقرة بقوله تعالى: ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون، واستدلوا أيضاً بقوله تعالى في سورة المائدة: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً، فمثل هذه الآيات القرآنية تؤكد لنا أن كل من يتجاوز حدود الله فقد ظلم نفسه، والشرط الجزائي فيه مجاوزة لحدود الله، خاصة أن آية المائدة تدل دلالة واضحة على أن الله سبحانه وتعالى أنزل القرآن الكريم وبيّن فيه ما يجب على الإنسان أن يجتنبه أو يفعله، لأن الله سبحانه وتعالى أتم علينا النعمة بإكمال تعاليم الدين . واستدلوا بأحاديث متعددة يؤكدون بها ما ذهبوا إليه، وهو القول بعدم جواز الشرط الجزائي، ومن هذه الأدلة ما يأتي:
جاء في صحيح الإمام مسلم، رحمه الله تعالى، أن سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: مَنْ عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد .
وقالوا: الشرط الجزائي لم يشترطه الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولا أحد من أصحابه الكرام، ولهذا يكون هذا الشرط مردوداً ولا يجوز العمل به لأنه مردود، أي باطل . وجاء في الصحيحين عن أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق السيدة عائشة -رضي الله عنها- في قصة بربرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قام على المنبر فحمد الله تعالى وأثنى عليه، وقال: ما بال رجال يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله، وما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، ولو كان مئة شرط، قضاء الله أحق وشروط الله أوفق .
وهذا الحديث النبوي الشريف يدل دلالة واضحة على أن الشرط الجزائي لا يجب الالتزام به، لأن لا أصل له في كتاب الله عز وجل ولا أصل له في سنة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكل عقد تم الاتفاق عليه مع هذا الشرط تضمن بيعاً مع وجود شرط، وسيدنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد نهى عن بيع وشرط، ولهذا يكون هذا الشرط فاسداً، ومن المتفق عليه عند فقهائنا الأجلاء وأئمتنا الأعلام أن كل عقد يتضمن مخالفة شرعية لا يجوز العمل به، لأنه مردود على صاحبه ولا يلزم الطرف الآخر، لأن مثل الشرط يكون فاسداً وما دام الشرط قد أصبح فاسداً فإن الشرط الجزائي يكون فاسداً . ولهذا نقول للناس: لا تتحيروا في مثل هذه العقود، وقد رأيتم أن الفقهاء الأجلاء وإن اختلفوا في بيان الحل والحرمة، فالملاحظ أنهم ما قالوا شيئاً عن هوى وإنما استند كل فريق لأدلة اطمأن قلبه إليها، ولهذا قال ما قاله عن دليل وليس عن هوى، فالمسألة خلافية والمختلف فيه لا ينكر كما قرر الفقهاء الذين نثق في آرائهم ونعتد بأقوالهم في كل ما قالوا به أو ذهبوا إليه، وعلى الإنسان بعد ذلك أن يستفتي قلبه، فمن أخذ بالقول الأول القائل: إن الشرط الجزائي مباح فلا حرج عليه . ومن أخذ بما ذهب إليه أصحاب القول الثاني فلا إثم عليه .
* أستاذ الفقه المقارن في جامعة الأزهر