هي شريعة عامة، للزمان كله، وللعالم كله . وقد ألف الفقهاء الأولون وشرحوا وبسطوا واختصروا وعلقوا وقرروا ونقدوا، وكل ذلك في دائرة الفقه الإسلامي، حيث تمكن مقارنة مذاهبه بعضها ببعض، وظهر في العصر الحديث فقهاء فتحوا باب المقارنات بين هذا التراث القديم وما استحدث من تشريعات ومبادئ وضعية، مما يخدم الشريعة وما سنه الإسلام من نظم، وقد تصدى لهذا الباب المستشار علي علي منصور وهو من رجال القانون المبرزين، وكان رئيساً للجنة خبراء العلوم بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، ودَرَّسَ في كلية الشريعة بجامعة الأزهر، وكتب كثيراً من البحوث في مجال المقارنة بين الشريعة الإسلامية والقوانين والوضعية، بمجلة رسالة الإسلام، وله من الكتب القيمة رسالة الحج وغيره .
وبذل جهده لإظهار ما في الإسلام من قواعد دولية هي أدق وأحكم وأعدل ما يربط بين الدول وينشر الأمن والسلام بينها، ويدعو إلى وحدتها؛ فاتحاً الباب للدراسات المقارنة بين الفقه الإسلامي وفقه القانون العصري، وقد جاء كتابه في أربعة أبواب تندرج تحتها بضعة فصول، حتى وصل إلى 410 صفحات شملت مراجعه ومصادره العربية والأجنبية .
نبذة تاريخية
وبدأ بابه الأول بنبذة تاريخية في نشأة القانون الدولي العام، والذي ترجع بعض مبادئه الأساسية إلى العصور الغابرة للحضارات القديمة؛ حيث نشأت بعض القواعد في حال السلم وحال الحرب بين الشعوب المتجاورة (علاقة تحالف وصداقة أو غلبة وإخضاع) . ومن أقدم معاهدات الصلح هي تلك التي عقدت بين رمسيس الثاني فرعون مصر وبين أمير الحثيين في آسيا الصغرى في القرن 13 ق .م، وقد صيغت شروط الصلح على صحائف من الفضة . أما الصلات بين المدن اليونانية والمدن الأخرى فكان أساسها استعلاء الأولى على غيرها، واعتبار الشعوب الأخرى همجية يحل استعبادها بالقسر والقوة، من دون رعاية عهد ولا خلق . وقامت علاقات طيبة بين روما وبعض المدن والأقاليم الأخرى بحكم الجوار . وعقدت مع بعضها معاهدات صداقة تنص على احترام السفراء والمبعوثين، وعلى التحكيم عند نشوء نزاع، ومنها نشأت بعض قواعد العرف الدولي وبتكرارها صارت قواعد قانونية دولية، ثم ندخل إلى العصور الوسطى منذ سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية سنة 476م وحتى نهاية القرن 15ميلادي، وليبين لنا المؤلف أثر الديانة المسيحية في تطوير قواعد القانون الدولي العام في أوروبا، بتقريبها بين دول أوروبا والمساعدة على وجود قواعد دولية عامة تحكم صلات الدول، إلى أن دعا مكيا فيللي في إيطاليا إلى أن يخضع الأمير الأكثر قوة باقي الإمارات بالقسر والحرب وبجميع الوسائل، غير متقيد بقواعد الحرب والأخلاق، إذ الحق للقوة والغاية تبرر الوسيلة، وكتب في ذلك كتابه الأمير سنة ،1513 وجاء فيه لا محل للأخذ بقواعد الأخلاق في أمور الدولة، وأصبحت سياسة الدول والأمراء والملوك قائمة على أساس الغش والخداع والوقيعة والدسائس، حتى ضج الناس مما اتسمت به أوقات الحرب والسلم من ضروب الفوضى والدمار . وقام في إسبانيا وإيطاليا من يعارض تعاليم مكيا فيللي وأتباعه، بالقول: إن العلاقات الدولية يحكمها في حالتي الحرب والسلم قانون أساسه العرف والعادة والحقوق الطبيعية للإنسان وللدول، وظهر كتاب قانون الشعوب للمحامي الهولندي جروسيوس في سنة 1625م، وكان مرجعه القانون الروماني، وعن الإقطاع أخذ نظرية السيادة الإقليمية، ومن القانون الطبيعي أخذ باقي نظرياته، وسُمي هذا المحامي أبو القانون الدولي العام، وقد مهدت كتاباته وأمثاله لبدء النهضة العلمية والإصلاح الديني في أوربا، وبداية العصر الحديث .
أثر التعاليم الإسلامية
أما عن أثر التعاليم الإسلامية في القانون الدولي العام الأوروبي فيجمله المستشار علي منصور بقوله: إن الإسلام عندما ظهر في القرن السابع بعد ميلاد المسيح، كان نظاماً متكاملاً، لا يمكن فصل قواعده بعضها عن بعض، فهو دين ودنيا، وقد أتى بنظام كامل لما يجب أن تكون عليه علاقات الدول بعضها ببعض في حالتي السلم والحرب، مكتفياً بذكر الأصول العامة ليدع التفاصيل لاجتهاد العقل البشري، احتراماً لهذه المنحة الإلهية ومسايرة لظروف المكان والزمان وما تقتضيه من خلاف في الفروع .
ولقد أفاض فقهاء الشريعة الإسلامية في كتب السيرة وكتب الجهاد وكتب التفسير فيما أتى به الإسلام من قواعد تحكم الصلات، لا بين الدول الإسلامية فحسب بل بين جميع الدول في حالتي السلم والحرب، من ذلك أن الإسلام مشتق من السلام، وهو الأصل في صلات الدول والشعوب، والحرب وإن كانت ظاهرة طبيعية، إلا أنه لا يلجأ إليها إلا عند الضرورة القصوى وعدم أخذ الناس على غرة، فإذا قامت الحرب، فلا يصح قتل الشيوخ ولا الأطفال ولا النساء ولا المحارب إذا انهزم وأدبر، ولا قتل الأسرى، بل أجاز الإسلام الفداء وأجاز المن، كما أجاز تبادل الأسرى وحرم الإسلام التمثيل بجثث القتلى . والرأي الغالب أن الإسلام لم يسمح للمسلمين بمقاتلة أعدائهم إلا بعد أن يبدأوا بالعدوان، فالإسلام لم يتح الحرب الهجومية وإنما أباح الحرب الدفاعية، ويورد المؤلف بعض الآيات القرآنية التي توضح ذلك ومنها: وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين، وفمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين، ولا إكراه في الدين وادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن، وولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر .
ثم يتحدث الفقيه القانوني عن أثر الفتوحات الإسلامية والحروب الصليبية في القانون الدولي العام؛ حتى يصل إلى العصر الحديث وبداية القرن العشرين، ذاكراً مؤتمر لاهاي سنة 1907م وتصريح لندن البحري 1908م، وعصبة الأمم وهيئة الأمم المتحدة ومؤتمر سان فرنسيسكو ومؤتمر باندونج وعدم الانحياز، ويبين الأسس التي قامت عليها قواعد القانون الدولي العام، ويقدم تعريفاً له، مشيراً إلى مصادره من العرف والمعاهدات والمبادئ الأساسية التي تشترك في احترامها والأخذ بها جماعة الدول المتمدينة، ويضربون لها الأمثال بمبدأ التزام كل من تسبب في ضرر الغير بإصلاحه أو بتعويضه عنه، والقاعدة الإسلامية في ذلك: لا ضرر ولا ضرار، ووأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولاً وولا تنقضوا الإيمان بعد توكيدها . . وفي الباب الثاني يتناول المستشار علي منصور تعريف الدولة، وتكوينها والأركان التي تقوم عليها، وأنواع الدول وأشباه الدول وكيف تنشأ، وحقوق الدول وواجباتها، في ثلاثة فصول .
وسائل فض المنازعات
وفي الباب الثالث يستعرض المشاكل الدولية ووسائل تجنبها أو حلها بالوسائل السلمية، وموقف الشريعة الإسلامية من وسائل فض المنازعات الدولية، والطرق القضائية والتحكيم في الإسلام ووسائل الإكراه في فض المنازعات الدولية .
وفي الباب الرابع يُعَرِّف الحرب باعتبارها الوسيلة الأخيرة من وسائل الإكراه التي تلجأ إليها الدول لحل ما بينها من منازعات، ويُفَنِّد دعوى انتشار الإسلام بالقوة مستخلصاً بعض النتائج من مناقشته لذلك، وقواعد الحرب في القانون الدولي وفي الإسلام، وأساليب الحرب ووقتها والغرض منها في الديانة الإسلامية . وكيف تضع الحرب أوزارها في الشريعة وفي القانون الدولي، والمعاهدات والصلح الدائم لإقرار السلام واحترام الإسلام والمسلمين للعهود والمواثيق، ومحاولات الهيئات الدولية للحد من الحروب، وميثاق بريان كيلوج الذي يستنكر الاتجاه إلى الحرب لتسوية الخلافات الدولية، وميثاق الأمم المتحدة، قال تعالى ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان .
لقد سبق القرآن إلى دعوة الشعوب والأمم إلى التقارب والتآلف مع التساوي في الحقوق والواجبات: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم .
والخلاصة أن هذا الكتاب الجدير بالقراءة يبرز بعض ما في الشريعة الإسلامية من تنظيم للصلات الدولية مقارنة بقواعد القانون الدولي التي يرجع ما فيها من جلال إلى الإسلام وانتشار تعاليمه من خلال الحضارة الإسلامية في الأندلس .