عندما بدأ الشيخ محمد متولي الشعراوي عام 1973 برنامج «نور على نور» في التلفزيون المصري، وجد فيه المشاهدون خطاباً جديداً يجمع بين العلم الراسخ والنظرة الثاقبة والعبارة القريبة، ووجدوا فيه حديثاً إيمانياً رهيفاً قريباً من أنفسهم، يخاطب الوجدان ويدخل بسرعة إلى شغاف القلب، فأحبوه وذاع صيته، وصار متابعوه بالملايين داخل مصر وخارجها، تسلم منصب وزارة الأوقاف المصرية، واستقال منها عام 1978 ليتفرغ لبث العلم، فبدأ عام 1980 دروساً مسجدية في تفسير القرآن الكريم بُثت تلفزيونياً تحت عنوان «خواطر إيمانية»، قدم فيها الشعراوي بأسلوبه البسيط المحبب تفسيراً عميقاً للقرآن، جمع فيه علم الأولين في مجال التفسير، وأضاف إليه نظرات حديثة من بنات فكره وعقله الذكي، ولا يزال هذا البرنامج إلى اليوم يعاد بثه في القنوات التلفزيونية والإذاعية ويلقى الإقبال الذي كان له في تلك الفترة، وقد استطاع من خلاله أن يربط بقوة بين المسلم والقرآن ويعمق فهمه وإيمانه والتزامه الديني بشريعة وأخلاق القرآن.
كان برنامج «خواطر إيمانية» هو العاملَ الحاسمَ في ذيوع صيت الشعراوي، وجعله أكبر داعية إسلامي في النصف الأخير من القرن الماضي، وأكثر الدعاة تأثيراً في العالم الإسلامي، وتقديمه داعية معاصراً يمتاز بالوسطية والاعتدال والتسامح والبعد عن التطرف، في وقت نبتت فيه الحركات التكفيرية نمو الفطر، وعلا صوتها كثيراً، وكان لا بد من مواجهتها بصوت الاعتدال والسماحة والكلمة الطيبة والقول اللين، الذي يجمع ولا يفرق، ويَعذر ولا يكفر، ويسامح ولا ينتقم، ويقبل الآخر ولا يستأصله، وكان الشعراوي أبرز ممثلي ذلك الصوت المعتدل، وأفلح في المواجهة أيما فلاح، معطياً بذلك صورة صحيحة عن الإسلام الذي هو دين تسامح ومحبة وأخلاق، ولهذا لقي الشعراوي القبول في العالم، وصار يدعى لبلدان عدة إسلامية وغير إسلامية ليحاضر فيها عن الإسلام.
ولد محمد متولي الشعراوي (1911 - 1998م) بقرية دقادوس مركز ميت غمر بمحافظة الدقهلية بمصر، والتحق بالكتّاب وأظهر نبوغاً فحفظ القرآن الكريم وهو في الحادية عشرة من عمره، ودرس الابتدائية في معهد الزقازيق الابتدائي الأزهري، ثم الثانوية بمعهد الزقازيق الثانوي الأزهري، وجعلته براعته في الحفظ والفهم بارزاً بين زملائه في المعهد الثانوي، فاختاروه رئيسًا لاتحاد الطلبة، ورئيسًا لجمعية الأدباء بالزقازيق، وكان زملاؤه يرجعون إليه في تقييم وتقويم ما يكتبونه من شعر وأدب.
في الأزهر لم ينشغل الشعراوي بالدراسة وحدها، لكنه أيضاً انشغل بالسياسة والحركة الوطنية المقاوِمة للاحتلال البريطاني، وكان الأزهر آنذاك منبع الحركة الوطنية المناهضة للاستعمار، فمنه انطلقت حركة مقاومة المحتلين الإنجليز سنة 1919م، ومنه خرجت المنشورات التي تعبر عن سخط المصريين على الإنجليز المحتلين، وقد انتسب الشعراوي لحزب الوفد، وساهم بأشعاره وخطبه في الحركة النضالية الوطنية، وقد تعرض الشعراوي للاعتقال أكثر من مرة بسبب نشاطه السياسي ذاك.
بعد تخرجه عين الشعراوي في المعهد الديني بطنطا، ثم انتقل بعد ذلك إلى المعهد الديني بالزقازيق ثم المعهد الديني بالإسكندرية، وفي عام 1950 سافر ليعمل أستاذاً في جامعة أم القرى في السعودية، ثم عاد عام 1963 وعين مديراً لمكتب شيخ الأزهر الشريف الشيخ حسن مأمون، ثم سافر بعد ذلك إلى الجزائر رئيساً لبعثة الأزهر هناك، ومكث بالجزائر حوالي سبع سنوات قضاها في التدريس، ثم عاد إلى مصر وتنقل بين عدة وظائف، وسافر مرة أخرى إلى السعودية للتدريس، وفي عام 1976 عين وزيراً للأوقاف وشؤون الأزهر، ثم استقال بعد ذلك من الوظيفة، ليتفرغ لعمله في الدعوة ونشر العلم، وفي عام 1987م اختير عضواً بمجمع اللغة العربية بالقاهرة.
كنز التفاسير
تظهر مداولات العلماء الكثيرة حول تفسير الشعراوي للقرآن مكانة هذا التفسير والتأثير الذي تركه، فقد قال الشيخ محمد سيد طنطاوي- شيخ الأزهر الشريف السابق- عن مكانة تفسير الشعراوي بين التفاسير قديماً وحديثاً: «مَن لم يستمع إلى نظرات الشيخ الشعراوي، وخواطره، وتجديداته، واجتهاداته؛ في التفسير، والفقه، والحديث الشريف، والدعوة، والسيرة النبوية، واللغة، والبلاغة، وعلوم العصر؛ فقد فاته من الخير؛ الكثير الكثير، إن تفسير الشعراوي؛ هو كنز التفاسير؛ بل هو تفسير التفاسير، وخلاصة الفكر، والنظر، والأثر». ووصف المرحوم الدكتور عبد الله شحاتة الشعراوي بأنه «عمدة المفسرين في القرن العشرين، وأبلغ من عاش مع كتاب الله العزيز؛ تلقياً، وتفكراً، واستنطاقاً، واستلهاماً، وتمثلاً في أغلب فترات حياته» أما الدكتور شوقي ضيف، رئيس اتحاد المجامع اللغوية العربية السابق، وصاحب التفسير الوجيز؛ فقال عن تفسير الشعراوي: «لقد أنار لنا الشيخ الشعراوي دروب الفهم، والتحليل، والتمنطق، والتفلسف، والاجتهاد؛ فاقتربنا أكثر من واحة القرآن؛ وأسعفنا؛ بمقدرة المرء؛ صاحب العقلية الراجحة الناقدة، والاستيعاب التام، والفهم العجيب، والتذوق العالي، والكشف الروحاني؛ على مطارحة كبار علماء الأمة في مسائل العلم الشرعي، وغير الشرعي».
وقال عنه أحد الباحثين في رسالة تخرج حديثة بالأزهر إن «الشيخ الشعراوي كان يتعامل مع اللفظ القرآني وكأنه كائن حي يتأمل قسماته، ويجس نبضه ويتسمع إلى خلجاته، لذلك تجده في كثير من الألفاظ يأتي منها بما لا نعلم، فكانت اللغة هي المفتاحَ الذي من خلاله نفهم معاني القرآن، وولعه باللغة والشعر كان مفتاحًا لتميزه كمفسر لغوي للقرآن له شأن جماهيري شاسع، فقد استطاع بعبقرية فذة أن يفتح عقول وقلوب الجماهير العريضة لفلسفة الإيمان الديني».
بدأ الشيخ محمد متولي الشعراوي تفسيره في التلفزيون بمقدمة حول التفسير ثم شرع في تفسير سورة الفاتحة وانتهى عند أواخر سورة الممتحنة وأوائل سورة الصف، وحالت وفاته دون أن يستكمل الباقي، فبقي له آخر الجزء الثامن والعشرين، والجزء التاسع والعشرون، أما الجزء الثلاثون (جزء عم) فقد فسره تفسيراً مستقلاً مسجلاً، وعندما بدأ الشعراوي تفسيره قال في مقدمة البرنامج: «خواطري حول القرآن الكريم لا تعني تفسيراً للقرآن، وإنما هي هبات صفائية، تخطر على قلب مؤمن في آية أو بضع آيات.. ولو أن القرآن من الممكن أن يفسر، لكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى الناس بتفسيره، لأنه عليه نزل وبه انفعل وله بلغ وبه علم وعمل، وله ظهرت معجزاته، ولكن رسول الله عليه السلام اكتفى بأن يبين للناس على قدر حاجتهم من العبادة التي تبين لهم أحكام التكليف في القرآن الكريم، وهي «افعل ولا تفعل».
شغف بالإصلاح
يؤثر عن الشعراوي سعيه الدائم للإصلاح في كل المناصب التي مر بها، فكان لا يدخر جهداً لكي ينفع بها أبناء وطنه والمسلمين، ويسعى في ذلك بكل إمكانياته، سواء على المستوى المادي أو الثقافي أو العلمي، وكان كريماً منفقاً في سبيل الله ساعياً في حوائج الناس، يحب الخير، ويحمل هم الإسلام والمسلمين، وإليه يعود الفضل في توقيع قرار وزاري بإنشاء أول بنك إسلامي في مصر، ومنح الإمام الشعراوي وسام الاستحقاق من الدرجة الأولى لمناسبة بلوغه سن التقاعد في 15 إبريل 1976، وذلك قبل تعيينه وزيراً، كما منح وسام الجمهورية من الطبقة الأولى عام 1983م، وعام 1988م، وحصل على الدكتوراه الفخرية في الآداب من جامعتي المنصورة والمنوفية، واختارته رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة عضوًا بالهيئة التأسيسية لمؤتمر الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية، الذي تنظمه الرابطة، وعهدت إليه بترشيح من يراهم من المحكمين في مختلف التخصصات الشرعية والعلمية، لتقويم الأبحاث الواردة إلى المؤتمر، وجعلته محافظة الدقهلية «شخصية المهرجان الثقافي لعام 1989م»، والذي تعقده كل عام لتكريم أحد أبنائها البارزين، واختارته جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم شخصية العام الإسلامية في دورتها الأولى عام 1998م.
سافر الشعراوي إلى نيويورك وحاضر في مقر الجمعية العامة للأمم المتحدة، وألقى خطبة الجمعة بالمسجد الملحق بمبنى الأمم المتحدة، كما قام بجولات دعوية في أمريكا وكندا ودول أوروبية عدة.
ترك الإمام الداعية كتباً عديدة تركز في معظمها على رسالة القرآن الكريم، وقضايا العقيدة والفكر الإسلامي، وأحكام الفقه الإسلامي. ومن هذه الكتب: «المنتخب في تفسير القرآن الكريم»، و«الفتاوى»، و«نظرات في القرآن الكريم»، و«الطريق إلى الله»، و«على مائدة الفكر الإسلامي»، و«الإسلام والفكر المعاصر»، و«الشورى والتشريع في الإسلام»، و«مئة سؤال وجواب في الفقه الإسلامي».