في القرن الثاني عشر، شهد جنوبي فرنسا، أو المنطقة المعروفة باسم بروفانس، حركة شعرية أدبية منحت الأدب الغربي طابعاً دائماً ومتواصلاً حتى الزمن الراهن . معظم الدارسين يؤكدون أن مصدر هذه الانطلاقة كان الشعر العربي، والأندلسي منه بخاصة، حين استلهم أوزانه وموضوعاته شعراء البروفانس .
هذه القضية تناولها الشاعر والكاتب المكسيكي أوكتافيو باث في كتابه شعلة اللهب المزدوجة (1995) قبل وفاته بوقت قصير . وجاء تناوله في سياق انصرافه إلى مسائل الحب في التاريخ والأدب والحضارة بعامة . فكرس فصلاً كاملاً تحت عنوان السيدة والقديس لبحث مفهوم الحب في الأدب الغربي . كان منطلقه ما اعتقد أنه أول ثقافة أوروبية في العصور الحديثة تشكلت عناصرها في جنوبي فرنسا تحت تأثير عدد من المؤثرات، أكثرها أهمية الحضارة العربية، وفي مجال الشعر الغنائي وفلسفة الحب بخاصة، تلك التي تعرفت أوروبا إلى مفهومها الجديد والإنساني عبر هذه الحضارة .
يرى باث أن الجنوب الفرنسي شهد للمرة الأولى ميلاد الحب كعقيدة ومثال سام للحياة في القرن الثاني عشر، الحب الذي يطلق عليه تسمية الحب البلاطي أو الحب العذري، إذا نظرنا إلى المضمون لا إلى المكان الذي ظهر فيه، أي بلاطات أمراء الإقطاع . كان هذا الظهور أشبه بالمعجزة، لأنه لم يكن نتاج تعاليم دينية أو مبادئ فلسفية، بقدر ما كان إبداعاً لمجموعة من الشعراء في مجتمع تثقله القيود، مجتمع إقطاعي في بلاد الغال القديمة .
لم يولد مفهوم الحب الجديد في إمبراطورية عظمى، ولا كان ثمرة حضارة قديمة، بل ظهر بين جماعة نبلاء يمتلكون إقطاعيات شبه مستقلة في مرحلة مضطربة سياسياً، وإن كانت على جانب كبير من الثراء الروحي .
ويرى باث، أنه في هذا القرن الذي ولدت فيه أوروبا الحديثة، برزت سماتُ ما سيعتبر لاحقاً من إبداعات الحضارة الغربية، ومن ذلك الشعر الغنائي وفكرة الحب بوصفه طريقة حياة . وعكس المصطلح الذي أطلق على هذا النوع من الشعر تمييز القرون الوسطى الأوروبية بين الحياة في المدينة والحياة في البلاطات الريفية المستقلة . أي أن موضوعة هذا الحب تختلف عن المعنى الشائع المبتذل، فهي عاطفة متسامية من سمات بلاط النبلاء . ولم يطلق الشعراءُ على موضوعة شعرهم هذا تسمية الحب البلاطي، بل تسمية فن الحب التي تعني الحب النقي الخالص، الحب الذي لا يستهدف الانغماس في المتعة الجسدية أو التناسل، بل الجمال الخالص المتنسك . ومع أن أسماء متميزة برزت في هذا المجال مثل غليوم بواتييه و دوق إكويتن وجيوفر روديل ووالكونتيسة بياتريس، إلا أن أعمالهم بمجموعها هي التي تحظى بالأهمية، لأنهم يشتركون في القيم والمبادئ نفسها رغم اختلافاتهم الفردية العميقة .
* * *
يقول باث إن هؤلاء الشعراء أبدعوا في أقلّ من قرنين مدونة للحب مازال عددٌ من وجوهها سارياً حتى اليوم، وخاصة في الأشكال الغنائية الأساسية للشعر الغنائي الغربي . وكان موضوع هذا الحب هو العلاقة بين الرجل والمرأة، ولغته هي اللهجة العامية . ويقدم الشاعر الإيطالي دانتي سبباً لتغليب العامية على اللاتينية في هذا الشعر أساسه رغبة الشعراء في أن يكونوا مفهومين من قبل سيدات البلاط، وكون قصائدهم لم تكن للقراءة، بل للإلقاء والاستماع إليها بمرافقة الموسيقى في بلاط سيد القلعة .
بروز هذه الوضعية، كما يقول، يعني أحد التجديدات التاريخية الكبرى حيث أصبحت التجمعات تجمع بين الجنسين . فما هي الظروف التي جعلت ولادة مثل هذا النوع من الحب العذري ممكنة؟ عن هذا يجيب باث بالقول إن السبب يعود إلى وجود الإقطاعيات الثرية المستقلة نسبياً، والرخاء الاقتصادي في القرن الثاني عشر الميلادي الذي شهد بداية المتاجرة، ليس بين الأقاليم الأوروبية فقط، بل ومع الشرق والانفتاح على الخارج، فقد اتصل الأوربيون بثراء وعلوم الشرق، واكتشفوا أرسطو عبر الثقافة العربية، وكذلك الطب والعلوم . وكانت العلاقة بإسبانيا الأندلسية مثمرة سياسياً وتجارياً وثقافياً، ولم يكن من الأمور الغريبة وجود مطربين وراقصات من عرب الأندلس في بلاطات هؤلاء الإقطاعيين . وأنتج هذا التنوع ثقافة استثنائية ليس من المبالغة القول إنها أول ثقافة أوروبية .
وفي بحثه عن الأفكار والمبادئ التي ألهمت هذا النوع من التحرر، وهذا النوع من الشعر، يلاحظ باث إنه ولد في مجتمع مسيحي بعمق رغم أن مبادئه كانت تتعارض مع مبادئ الكنيسة، بل وضدها أحياناً . بل ودخلت مصادرُ إلهام عدد كبير من الشعراء في نزاع مع كنيسة روما؛ كانوا مؤمنين مخلصين ولكنهم لعبوا في الوقت نفسه دوراً في قيام مذهب دنيوي لم يكن معترفاً به في روما .
وبعد أن يستبعد في بحثه تأثير الموروث الإغريقي/ الروماني الذي كان الشعراء يجهلون لغته اللاتينية، يصل إلى تأثير النزعة الأفلاطونية، ويضعها كفرضية قابلة للبحث . ويرى أنه رغم عدم وجود انتقال مباشر لمبادئ الحب الافلاطوني إلا أن من المحتمل أن تأملات وأفكاراً معينة وصلت إلى شعراء جنوبي فرنسا عبر العرب . وهنا يدخل في بحث العلاقة بين الفكر والشعر العربيين وهذا النمط الشعري .
* * *
في هذا المجال يتفق أغلب المختصين على أن شعراء جنوبي فرنسا تبنوا شكلين شعريين شهيرين لدى عرب الأندلس هما الزجل والموشح، واستعاروا موقفاً كان له أثر كبير، ليس في الشعراء فقط، بل وفي العادات والتقاليد، هو الموقف بين المحب وسيدته . محور العلاقات السلطوية في جنوبي فرنسا كان يقوم على علاقة عمودية وقانونية بين السيد والتابع، بينما كان الأمراء والسادة في الأندلس يصفون أنفسهم بكونهم خدماً أو عبيداً لمن يحبون . وتبنى الشاعر البروفنسالي هذا التقليد العربي، محدثاً بذلك انقلاباً في العلاقة التقليدية بين الجنسين، فأطلق على حبيبته اسم سيدتي، وعلى نفسه لقب خادمها . وكان هذا التغير ثورة حقيقية ألغت صورتي المرأة والرجل اللتين كرستهما التقاليد، وأحدث تأثيراً في المعايير، وترك بصمته على المفردات، وبوساطة اللغة أحدث تأثيراً في رؤية العالم والنظرة إليه .
في الكتابات العربية، يعد الحب الخالص أعلى درجات الحب، ويمجد الكتّابُ العفة وكبح الشهوات، وهذه الفكرة تعود، كما يعتقد باث، إلى أفلاطون بتأثير عدم معرفته كما يبدو بتيار الحب العذري في الشعر العربي، وهو تيار نشأ بعيداً عن مدارس الفلسفة وتياراتها، وعلى هذا نجده يبني في هذا الجانب على الفكرة الشائعة عن تأثير الفلسفة الإغريقية في الفكر العربي؛ لقد تعرف الفلاسفة العرب منذ وقت مبكر إلى أعمال أرسطو ونصوص أفلاطونية، ونصوص من الأفلاطونية الجديدة . ويميز هنا بين أولئك الذين تصوروا الحب طريقاً إلى الذات الإلهية، واولئك الذي قيدوه بالمجال الإنساني . ولكن رغم أن الاتجاه العام يعارض التصور الأول إلا أن هذا التحريم لم يمنع ازدهار التصوف . وحتى محمد بن داود القاضي والشاعر العباسي نجده يقدم أطروحة في الحب في كتاب الزهرة متأثراً بمحاورتي أفلاطون فايدروس و المأدبة . فالحب لديه يبدأ من الجسدي ثم يعلو وصولا إلى الروحي . وبعد قرن من كتاب الزهرة يكتب الشاعر والفيلسوف الأندلسي ابن حزم أطروحة قصيرة حول الحب تحت عنوان طوق الحمامة، وفيها الفكرة الأفلاطونية ذاتها، بل يشير إلى فقرة في كتاب الزهرة .
ويجد باث أصداء طوق الحمامة، ليس في الشعر البروفنسالي فقط، بل وعند دانتي، ويقرأ لدى هذا الأخير، في كتابه الحياة الجديدة، فقرات كاملة منقولة عن ابن حزم، ويتساءل: أين تعرف الشعراء البروفانساليون إلى أطروحة ابن حزم؟ ومع أنه لا يتوصل إلى جواب يقيني، إلا أنه يجد بعد مئة وخمسين عاماً أطروحة في الحب كتبها أندريه لا شابلين تكرر صيغ وأفكار طوق الحمامة . ويلاحظ أنه قبل أن تكتب هذه الأطروحة في العام 1185 ميلادية، كان شعراء البروفانس على معرفة بالأفكار العربية حول الحب، وهضموا أوزان الشعر العربي ومفرداته العاطفية، وكانت هناك صلات نسب كثيرة، مثل مذهب الجمال الذي ينطلق مما هو مادي، ودرجات الحب، وتمجيد العفة، ورؤية الحب بوصفه تجلياً لما يتجاوز الواقع الإنساني، ولكن ليس كطريق إلى الذات الإلهية . وهذه نقطة مهمة، لأن الحب العذري ليس صوفياً، وكذلك هو في أفكار ابن حزم، ففي كليهما يعد الحب بشرياً رغم أنه يتضمن تأملات في واقع آخر .
الاستنتاج الأخير الذي يصل إليه باث هو أن مفهوم الحب لدى الغرب يظهر نسباً كبيراً بينه وبين مفهومه عند العرب والفرس أكثر مما يظهر بينه وبين مفاهيم الهند والشرق الأقصى . وهو أمرٌ لا يعده مفاجئاً، لأن كلا المفهومين، الغربي والعربي، مستمد من ديانة توحيدية، وكلاهما يشترك في الإيمان بروح خالدة للإنسان .