جُبل الشاعر الجاهلي على قول الشعر، وهي فطرة جادت بها قريحته بكلام موزون ولغة جزلة، جميلة التراكيب والأوصاف والصور. وكانت الطبيعة أحد مصادر هذا الشعر في جانبه التخييلي، وفي قدرة هذا الشاعر على ابتكار صورة حية من وحي المكان والبيئة التي يعيش بها، وهي في الغالب بيئة صحراوية شاسعة، ولكن ذلك لا يعني أنها كانت مقفرة؛ بل تزخر بمناطق جمال تتجلى فيها الوديان التي تزين هذه البيئة، بمساحات شبه خضراء صالحة للرعي والكلأ.
هذه العوامل مجتمعة جعلت الشاعر الجاهلي يبرع في وصف كل ما يشاهده، منطلقاً من قصيدته الطللية مروراً بوصف محبوبته والأماكن التي يتردد عليها، وهو وصف طال الناقة والجمل والفرس، والظعن في الصحراء، التي تشبه السفن وهي تمخر عباب البحر. هذه المشهدية العالية في قصيدة الشاعر الجاهلي، لم تكن لتكتمل من دون اهتمامه بما كان يحدث من صولات وجولات قبيلته في المعارك والحروب، وكانت القصيدة الحربية عنده ذات بعد ملحمي واضح، وكأنها تسرد قصة بطولية فيها قليل من امتزاج الحقيقة بالخيال، ومثل هذه المشهدية في تحليلها النقدي، كانت تغطي وحدة درامية زمنية ومكانية وكأنها نص روائي مدهش مقسم إلى مشاهد عدة، يتلقاها القارئ فتلهب وجدانه بما فيه من شخصيات وأحداث وفعل درامي، تتناغم فيه كل هذه العناصر وكأنه أي المتلقي أمام مشهد مسرحي روائي مكتمل الأركان.
يؤكد النقاد انتشار الشعر الملحمي كشكل أدبي بين قبائل الجاهلية، وربما كان المثال الأوضح للملحمة هو المعلقة الشعرية. والملحمة تعرف بأنها وحدة نصية تمثل شكلاً ثابتاً للنظم الشعري، وهدفها كان بكل تأكيد، هو تمجيد البطولة، وهي من أبرز ما ظهر في الشعر الجاهلي الذي مزج بين الواقع والخيال؛ شأنه شأن الملحمة اليونانية والرومانية مع اختلاف هذين النوعين اللذين استغرقا في الخيال ومزج الآلهة بالبشر على نحو مبالغ فيه.
كانت المعلقة الشعرية مثالاً صارخاً على الشعر الملحمي، فهي تصور الحرب بوصفها تعبيراً عن تجربة حياتية ووجودية فردية وجماعية، متكاملة العناصر، ومثل هذه الحماسة في القصيدة الملحمية القديمة، كانت تزخر بألوان من المشاهد والمواقف الفروسية، حيث الفروسية مفهوم يتضمن قيمة جمالية وأخلاقية تسع الكثير من المواقف، كالحب والنخوة ومديح القادة وإبراز عناصر البطولات الفردية، والمواقف الشجاعة عند الأفراد، الذين يشكلون في مجموعهم لبنة أو وحدة متراصة تتجلى في الجماعة أو القبيلة، التي هي عنوان هوية الشاعر ومصدر فخره واعتزازه.
قبل الحديث عن الشعر الملحمي بنوع من التفصيل، نعود إلى الوصف حيث الطبيعة كانت من أهم مصادر الإبداع الفني، التي يستقي منها الشاعر الجاهلي إبداعاته الفنية، فيطرز قصائد ملهمة غنية بمظاهر الطبيعة وما فيها من جمال ساحر أخّاذ، فظهرت العديد من القصائد التي زخرت بصور فنية وأسلوبية، وهنا يبرز امرؤ القيس، الذي يصفه النقاد بالشاعر الذي كان من أول من لطف المعاني، واستوقف على الطلول، ووصف النساء بالظباء والمها والبیض، وشبه الخیل بالعقبان والعصي...الخ، حيث يقول في وصف الطل:
ألا عِم صباحاً أيها الطَلل البالي
وهَل يعمن من كان في العصر الخالي
وَهَل يَعِمَنْ إلا سَعِيدٌ مُخَلَّدٌ
قليل الهموم ما يَبيتُ بأوجالِ
وَهَل يَعِمَنْ مَن كان أحدثُ عَهدِه
ثَلاثِينَ شهراً في ثَلاثَة ِ أحوَالِ
دِيارٌ لسَلمَى عَافِيَاتٌ بذِي خَالِ
ألَحّ عَلَيها كُلُّ أسْحَمَ هَطّالِ
وتحسبُ سلمى لا تزالُ ترى طَلا
من الوَحشِ أوْ بَيضاً بمَيثاءِ مِحْلالِ
وتحسِبُ سلمى لا تزالُ كعهدنا
بوَادي الخُزَامى أوْ على رَسّ أوْعالِ.
هذه المشهدية في قصيدة امرؤ القيس، وهي قصيدة طويلة تتجاوز خمسين بيتاً، كانت هائلة بما فيها من وصف، حيث الطبيعة مالكة الأرجاء وهي الملاذ الذي يحتضن روح الشاعر، فيخلصها مما فيها من قلق وقيود.
أشار النقاد للمعلقات الشعرية بوصفها الأجمل من حيث الأسلوب والمفردة وقوة التعبير والتشبيهات، التي قدمت تفاصيل البيئة التي عاشها الشاعر فتغنى بها، وربما ترجمها على نحو فلسفي كما هو عند الشنفرى، وهو من الشعراء الصعاليك، وكان يرى في الطبيعة ملاذاً يخلصه من شرور الناس، على الرغم مما فيها من وحوش، ولنتأمل قصيدته «اللامية»:
وفي الأرض مَنْأىً للكريم عن الأذى
وفيها لمن خاف القِلى مُتعزَّلُ
ولي دونكم أهلون سيدٌ عملّسٌ
أرقطُ زهلول وعرفاءُ جيألُ.
أوس بن حجر، وهو شاعر مضري من كبار شعراء تميم، يعد من الطبقة الثانية من شعراء الجاهلية، واشتهر شعره بالحكمة والرقة، وكان بارعاً في الوصف، له قصيدة في وصف السحاب بعنوان: «ودّعْ لميسَ وداعَ الصّارم اللاحي» يقول:
يا منْ لبرقٍ أبيتُ اللّيلَ أرقبُهُ
في عارِضٍ كمضيءِ الصُّبحِ لمّاحِ
دان مسفّ فويق الأرض هيدبه
يكاد يدفعه من قام بالراح
يمزعُ جلدَ الحصى أجشّ مبتركٌ
كأنّهُ فاحصٌ أوْ لاعبٌ داحي
وإذا كانت الطبيعة قد قدمت مشاهد شعرية عالية في الوصف والتخييل، فكذلك هي الحرب، حيث كان شعراء العرب في الجاهلية على الرغم من رفضهم للحرب وأهوالها، إلا أنهم وقد فرضت عليهم هذه الحرب سطروا فيها ملاحم شعرية خالدة، فها هو عنترة العبسي في قصيدة له بعنوان: (كَمْ يُبْعِدُ الدَّهْرُ مَنْ أَرْجُو أُقارِبُهُ): يقول:
كَمْ يُبْعِدُ الدَّهْرُ مَنْ أَرْجُو أُقارِبُهُ
عنِّي ويبعثُ شيطاناً أحاربهُ
فيا لهُ من زمانٍ كلَّما انصرفتْ
صروفهُ فتكتْ فينا عواقبهُ
دَهْرٌ يرَى الغدْرَ من إحدَى طبَائِعهِ
فكيْفَ يَهْنا بهِ حُرٌّ يُصَاحِبُهُ
جَرَّبْتُهُ وَأنا غِرٌّ فَهَذَّبَني
منْ بَعْدِما شَيَّبَتْ رَأْسي تجَاربُهُ
وَكيْفَ أخْشى منَ الأَيَّامِ نائِبة ً
وَالدَّهْرُ أهْونُ مَا عِنْدي نَوائبُهُ
كم ليلةٍ سرتُ في البيداءِ منفرداً
واللَّيْلُ لِلْغَرْبِ قدْ مالت كوَاكبُهُ
سيفي أنيسي ورمحي كلَّما نهمتْ
أسدُ الدِّحالِ إليها مالَ جانبهُ
وَكمْ غدِيرٍ مَزجْتُ الماءَ فيهِ دماً
عندَ الصَّباحِ وراحَ الوحش طالبهُ
يا طامعاً في هلاكي عدْ بلا طمعٍ
ولا تردْ كأسَ حتفِ أنت شاربهُ).
والحرب كما يؤكد الناقد والباحث الدكتور كامل عبد ربه حمدان، هي بالنسبة لكثير من شعراء الجاهلية كانت تعبر عن مرارة وقسوة، لكنها تهون أمام عزة الشاعر، واضطراره لخوضها دفاعاً عن كبرياء قبيلته وشرفها، فها هو الشاعر أبو قيس بن الأسلت من بني وائل بن زيد من الأوس، كان سيد قومه، وترجح الروايات أنه دخل الإسلام، أسندت إليه قبيلته موقعة بُعاثٍ قبل الهجرة بخمس سنين، عرف بشدَّة بأسه، ويقالُ إنه لبِثَ في الحرب أشهراً بعيداً عن زوجِه، فلما دخل عليها أنكرته لتغير حاله، فقال: أنا أبو قيس، فقالت: والله ما عرفتك حتى تكلمت، فنظم في ذلك قصيدة منها:
قالَت وَلَم تَقصِد لِقيلِ الخَنا
مَهلاً فَقَد أَبلَغتَ أسماعي
أَنْكَرْتِهِ حَتّى تَوَسَّمْتِهِ
وَالحَربُ غولٌ ذاتُ أَوجاعِ
مَن يَذُقِ الحَربَ يَجِد طَعمَها
مُراً وَتَحبِسهُ بِجَعجاعِ
قَد حَصَّتِ البَيضَةُ رَأسي فَما
أُطعَمُ غُمضاً غَيرَ تَهجاعِ
أَسعى عَلى جُلِّ بَني مالِكٍ
كُلُّ اِمرِئٍ في شَأنِهِ ساعِ
لكنها أيضاً حرب لرد الظلم والذل والهوان، فعنترة العبسي يذكر بأخلاقه السمحة الطيبة، لكنه يرفض الظلم ويأنف من الذل والهوان يقول:
أثني علي بما عملت فإنني
سمح مخالفتي إذا لم أظلم
فإذا ظلمت فإن ظلمي باسل
مر مذاقته كطعم العلقم
والحرب على الرغم من ويلاتها، إلا أنها من زاوية نقدية أسهمت في نضج واكتمال القصيدة العربية، التي تغنت بقيم الفروسية الشائعة، وهكذا حالها عند كثير من شعرائها في الجاهلية مثل: امرؤ القيس، ومهلهل بن ربيعة، وعبيد بن الأبرص، وزهير بن أبي سُلمى، وعنترة بن شداد، وقيس بن زهير، وقيس بن الخطيم، وعروة بن الورد وغيرهم.
وبعد، فمثل هذه المفردات التي استثمرها الشعر الجاهلي في تأثيث مشهدية الصحراء من حيث هي حاضنة لحيوات بشر، وهواجس وقضايا وهموم، كانت سبيلاً لبروز شعرية خاصة تتحرك بالتوازي مع حياة البدوي في الصحراء، وبالتوازي مع فهمه لوجوده، ومحاولته إيجاد معنى لهذا الوجود، باحثاً عن قيم تخصه وحده، وترسم علاقته بما يحيط به من مؤثرات، وهو في هذا السعي، إنما كان يعبر عن قيم المجموع وأخلاق الجماعة، أو القبيلة التي ينتمي إليها في وجه من يحاول أن ينال من هذه القيم.
لقد أبدع الشعر الصحراوي، ما يمكن اعتباره فضاءات مشهدية آسرة، مما هو متاح في الطبيعة والأرض والرمل والنبات وكذلك الحيوان، وكافة أشكال الكائنات التي عاشت في بيئته، والتي كانت ترافقه في حله وترحاله، وفي لحظة التقاط الشاعر لأنفاسه، كان يركن إلى ظل واحة أو بجوار طلل، فيهجس بمطولة شعرية متتبعاً مشي ناقته أو جمله وسرعة فرسه أثناء احتدام المعارك، فكان يمدح ويفخر، مخلداً لملحمة الحرب وصهيل السيوف والانتصارات، وهو في غمرة هذا كله، لم ينس الحبيبة فيتغزل بها، واصفاً جمال أنوثتها، تلك الحبية التي كانت تمده بكل أسباب الشجاعة والإقدام، والنصر في المعركة، ليعود مضمخاً بالتهاليل والزغاريد مكافأة له على نصره، في رد كيد الأعداء والغازين.
هذه الصور والأخيلة الصحراوية ولنقل الأوصاف الخاصة بهذه البيئة، وما فيها من أحداث ووقائع، يصح استثمار ما فيها من مشاهد في المسرح الصحراوي، الذي أقام فكرته على ركائز أساسية تهتم بهذه البيئة بوصفها احتضنت خيالات ملهمة، في قصائد شعراء ملهمين أيضاً، كتبوا قصائدهم أو معلقاتهم في هذه البيئة ومكوناتها، وما فيها من جماليات وأخلاق، فأدهشوا بقصائدهم أمة عربية مترامية الأطراف، بدأ فيها الحرف العربي، وتشكل أبجدية زاخرة بالمعاني والدلالات والأوصاف والتشبيهات والمجازات، التي تدرس في الأكاديميات وتعتبر بحق ذخيرة لغوية ونثرية هائلة..
هي أشعار يحق لها أن تستنفر وتستفز مخيلة كتاب النصوص المشاركين في المسرح الصحراوي، لعل فيها فائدة كبيرة تضيف لهذا المهرجان وما يقدم فيه من عروض ومسرحيات.
الشعر الجاهلي.. مشهدية تؤسس لدراما خالدة
18 ديسمبر 2017 02:13 صباحًا
|
آخر تحديث:
18 ديسمبر 02:13 2017
شارك
الشارقة: عثمان حسن