لا أدري من هو الذي أطلق عبارة الشعر ديوان العرب، وكيف يمكن الربط بين الديوان وبين الشعر، فكلمة الديوان تحيل في بعض الذاكرات الشعبية إلى المجلس وهو مكان اجتماع ومكان التقاء وله مكانة اعتبارية، ففي مجالس وجهاء القوم في الجاهلية على سبيل المثال كانت تحل الخصومات بين الناس، وكان للشعر مكانه أيضاً في هذه المجالس التي هي الدواوين والتي هي أيضاً أماكن لتداول الآراء والأفكار، والشعر لم يكن بعيداً عن هذه الدواوين . لا بل كان للشعر سوق تعقد فيها قراءات يتناوب فيها الشعراء على الإلقاء، ومن هذه السوق كان الشاعر أحياناً يحصل على صك الاعتراف به كشاعر .

فحول الشعراء عند العرب هم من كانوا يتحكمون أو يديرون هذه الأسواق وهذه الدواوين، لكن الشاعر العربي لم يكتف بالديوان ولا بالسوق، فقد رحل بشعره إلى حيث يمكن له أن يحظى بالوقوف بين يدي الأمير أو الخليفة ليلقي قصيدته واقفاً أمام رجل له هو الآخر دراية بالشعر، ويعرف كيف يميز الغث من السمين سواءً في اللغة أو الفكرة أو في المعنى .

هكذا أصبح الشعر ليس ديواناً بالمعنى المكاني، بل هو رحلة نحو المجهول أحياناً، فلم يكن، مثلاً، للمتنبي مكان واحد يلقي فيه شعره وكفى . لم يكن له ديوان ولم تكن له سوق . لقد ترحّل بشعره بين أكثر من بلد وهو يبحث عن المجد الآخر . . مجده الشخصي تماماً لو أنه أصبح أميراً على إمارة أو كان له سلطة ونفوذ ملك أو أمير .

كان المتنبي أكبر من السوق وأكبر من الديوان، ولذلك فهو شاعر الرحيل إن جازت العبارة . . الرحيل صوب الحلم الذي لم يتحقق لشاعر الحمى وشاعر الليل والخيل والسيف والقرطاس والرمح .

القرطاس والقلم وحدهما حققا المجد للمتنبي، في حين لم ينفعه السيف ولا الرمح، أما البيداء التي ذكرها المتنبي وقال إنها تعرفه، فقد عرفت شعره إلى اليوم .

هذا الشعر الذي لا يموت ولا يفنى مع الزمن أو في الزمن .

الليل أيضاً، ليل المتنبي لم يكن سوى غطاء معتم للهرب من مكان إلى آخر . لقد خرج المتنبي من مصر بعدما خذله كافور الإخشيدي تحت جناج الليل . . الليل الذي كان فيه الشعر هارباً لا بطلاً .

نتحدث عن نموذج المتنبي باسترسال نوعاً ما . . لنعود ثانية إلى فكرة الديوان، الفكرة التي لم تكن تخطر على بال شاعر في حجم المتنبي الذي يشكل حتى الآن عبقرية إبداعية في الثقافة العربية، وفي الشعر تحديداً، لم يتجاوزها بل لم يجرؤ أحد من الشعراء العرب على تجاوز هذه العبقرية .

ولكن أين كان ديوان المتنبي؟

ديوانه كان في صدره، بل، كان في قلبه الذي قليلاً ما تسرّب إليه حب امرأة، فقد كان قلب الشاعر متعلقاً بما هو أكبر وأكثر من النساء .

ديوان المتنبي في ذاته القلقة:

على قلقٍ كأن الريح تحتي

أحركها يميناً أو شمالاً

قلق ليس وجودياً كما يحلو للبعض أن يقارب الروح الوجودية من روح المتنبي، بل هو قلق الشاعر المتفرّد، المسكون بالأمل، والمسكون أبداً بالحلم حتى كأن الريح تحت هذا الرجل الذي قتله قاطع طريق تحت جنح الليل أيضاً، ولو كان المتنبي يحمل ديوانه كله أو حتى بعضه على ظهر حصان في تلك الواقعة لاتنهى شعره إلى متاهة الصحراء .

(2)

الشعر ليس ديوان العرب بمعنى التسامر أو السمر والقراءة أو الإلقاء ثم الشغف بصوت الشاعر، بل الشغف حتى الغيبوبة بسحر الكلام وسحر الشعر الذي يلقى في حالة الديوان في الليل على وجه الخصوص، بل الشعر ديوان العرب، بمعنى الذاكرة وبمعنى التاريخ .

الشعر ديوان العرب، لأنه لا ديوان لديهم غيره في مرحلة من مراحل الثقافة العربية، ولذلك عندما وصل النثر العربي إلى ذرى السرديات الروائية العربية الكبرى، ثم تراجع الشعر في مرحلة رمادية من تاريخه . أخذ بعض النقاد العرب على عاتقهم هذه العبارة المزلزلة حقاً وهي . . الرواية ديوان العرب . . .

الرواية ديوان العرب، توصيف مات في مهده عندما حمل معنى واحداً وهو أن الرواية العربية حلت في أهميتها وضرورتها الإبداعية والجمالية محل الشعر . فلا يمكن لجنس أدبي أن يحل محل جنس أدبي آخر . لا يمكن للموسيقا أن تلغي اللوحة التشكيلية، ولا يمكن لمشهد مسرحي أن يغطي على مشهد قصصي أو روائي، والشعر مهما وُصِفَ بأنه أرفع الفنون، هو أيضاً لا يمكن أن يزيح الرواية أو الموسيقا أو المسرح .

ما الشعر، إذاً؟

قد يكون الشعر هو بالضبط ديوان القلب .

يبدأ الشعر من القلب ويعود إليه يمر في دورة أشبه بالدورة الدموية، فهو يحمل لغة القلب وأشواق القلب .

القلب بيت الشعر

وإذا كانت الموسيقا لغة كونية تفهمها كل الشعوب لأن أبجديتها واحدة، وهي أبجدية القلب، فإن الشعر كذلك مكتوب بأبجدية واحدة أو بلغة واحدة حتى وإن كان هناك شعر عربي وشعر انجليزي وياباني وروسي وصيني، فالجذر الشعري الكوني هو جذر واحد . شعر ينبع من قلب إنساني واحد ولكن بأصوات مختلفة، فاللغة الشعرية هي لغة كونية . صوت كوني واحد ولكنه متعدد في إيقاعه، وأحياناً عندما تصغي إلى شاعر هندي أو إفريقي أو كاريبي يقرأ بلغة بلاده الضيقة جداً وغير المعروفة والتي لا تفهم منها شيئاً، فإنك تشعر من خلال إيقاع هذه اللغة التي لا تعرفها أنك تصغي إلى قطعة موسيقا .

أصوات الشعراء الذين يقرأون بلغات بلدانهم وهي لغات لا نعرفها خصوصاً شعراء بعض القبائل الإفريقية الذين يحملون شعرهم على لغات تكاد تكون منقرضة . .هذه الأصوات هي في الواقع أصوات موسيقية، فنحن نصغي إلى اللغة وإلى صوتها وإلى إيقاعاتها، وهنا، نتفاعل مع اللغة التي لا نعرفها قراءة وكتابة بوصفها موسيقا .

صوت اللغة . . هو صوت موسيقي، أياً كانت هذه اللغة التي تصبح مفهومة عندما يستخدمها شاعر في قصيدة، أما المعنى، فهو حتى عند الشعراء الذين لا نعرف لغاتهم ليس في بطونهم، فالمعنى في الشعر الذي لا نعرف لغته، هو الآخر يتحول إلى معنى موسيقي أو يتحول إلى معنى الموسيقا .

. . والقلب، أيضاً، بيت الموسيقا .

من هنا . من القلب يلتقي شعراء العالم في هذا الديوان الكوني الكبير . . في هذا النشيد الإنساني المشترك .

(3)

تصف شاعرة صينية عاشت في القرن الثامن القمر بهذه الكلمات القليلة:

تلتف روحه كصنارة نحيلة

أو يكمل دورته كمروحة

هذا الجسم الصغير النامي ليأخذ شكله يُرى في بقع عديدة من الأرض .

ترجمة: صلاح صلاح .

الشاعرة الصينية لي يي كانت وهي تصف القمر على هذا النحو الجميل ترنو بعينيها إلى السماء، فلا قمر في الأرض، وهكذا كل شعراء العالم إذا أرادوا مخاطبة القمر أو الشمس أو الغيم أو المجرّات أو النجوم، فإن عيونهم - معاً - تتوجه إلى السماء، كي يكتمل هذا النشيد الإنساني المشترك الذي اسمه: الشعر .

تقول الشاعرة الإيرانية فروغ فرخزادة

كيف أخذتني روح الصحراء

وأبعدني فجر القمر عن القطيع

كيف كبر نقصان قلبي

ولم يكمّل أي نصف هذا النصف؟

ترجمة غسان حمدان

صوت شعري بالفارسية توفيت كاتبته فرخزادة وهي شابة في عام 1967 خلال حادث سير، وكأنما يلتقي هذا الصوت المؤثر مع صوت الشاعرة الصينية التي كانت قبل قليل تتحدث عن اكتمال دورة القمر (اكتمال دورة الشعر) منذ مئات وربما آلاف السنوات، بلغة كان يتداولها إمبراطور حكيم، تقول هوامش القصيدة، وهو الإمبراطور شون، أنه عندما توفي بكت زوجتاه كثيراً قبل أن تغرقا نفسيهما في نهر زيانج، أصبحت دموعهما، كما تقول الاسطورة، بُقعاً دائمة على القصب .

بعيداً عن الأسطورة، نقترب من أسطورة الشعر، بل أسطورة الشاعر، ونتساءل دائماً ما المركز الذي تعود إليه الكتابة أو تعود إليه اللغة . . هل هو الشعر أم الشاعر هل هو اللغة أم الموسيقا أم القلب . . أم كل ذلك معاً؟

إذا كان المشترك الإنساني الجميل في الشعر هو القلب . . من هنا نفهم كيف تلتقي قصيدة شاعرة إيرانية مع قصيدة شاعرة من الصين . . مشترك شعري حميم لأن الإنسان إذا أراد أن يرى القمر يرفع رأسه إلى السماء، يفعل ذلك كل بني البشر في كل مكان وزمان وفي كل لغة وفي كل جنس ودين وعقيدة .

تقول شاعرة من نساء البشتون

كيف جئت تحت القمر الساطع

أنت شامخ مثل شجر الدلب

أين سأخفيك

ترجمة جميل صلاح:

يشير مترجم هذا الكتاب الصغير والجميل حقاً إلى نوع من الشعر تكتبه النساء بلغة الباشتون، وهو اللاندي أي الموجز، وهي مقاطع شعرية قليلة جداً أشبه بشعر الهايكو في اليابان، ولكن بعيداً عن الشكل الشعري نعود مرة أخرى إلى المشترك الشعري الإنساني، أو دعنا نعود إلى شعر القلب وديوان القلب الذي هو الشعر وتتوحد فيه اللغات حتى تصبح كلها سُلماً موسيقاً واحداً في كون واحد .

في النماذج الثلاثة . . أو نموذج ثلاث نساء تحت القمر يصبح ديوان الشعر هو ديوان العالم كله، وليس ديوان العرب وحدهم؟

أما اللغة مرة ثانية وثالثة ورابعة، فإنها في الشعر وعند كل شعوب الأرض . . أقصد لغة القصيدة، أحياناً، لا تحتاج إلى ترجمة، وإذا كنا نقرأ دائماً أن الترجمة هي فعل خيانة، فالترجمة خيانة فقط في نقل الشعر من لغة إلى لغة أخرى، فقد يستطيع المترجم إجادة لغتين وأكثر بحيث ينقل القصيدة ومعناها ومضمونها من لغتها الأصلية إلى لغة أخرى، ولكن من الصعب على المترجم نقل روح الشاعر أو روح القصيدة إلى أي لغة مهما كان حرفياً في مهنة الترجمة .

أعود مرة أخرى إلى المشترك الشعري تحت ضوء القمر .

هنا، بالفعل ديوان إنساني واحد تحت قنديل ذهبي واحد معلق في السماء، حيث الإنسان يبحث عن ذاته في أكثر من متاهة، متاهة البر والبحر والغيم، ولكنه في الشعر يجد أرضاً بيضاء دائماً .

القلب أرض الشعر

الإنسان الوحيد والمنفي والمطارد والخائف والمضطرب في زمن الحرب وحتى في زمن السلام إنسان هذا الوقت وإنسان هذا العالم، ومنه عالمنا العربي الذي تسيل من شعوبه الكثير من الدماء والدموع . . هل لديه الوقت لكي يقرأ الشعر؟

الإنسان في مثل محنته هذه، وفي مثل التراجيديا السوداء التي يسقطها الطغاة على روحه الضعيفة وجسده الضعيف منذ فجر تاريخ الطواغيت والتراجيديات الكبرى وحتى يومنا هذا . . هو الذي يكتب الشعر أو هو الذي يصنعه، أما قراءة الشعر فهي، كما يبدو، تأتي ثانياً، أو تأتي أخيراً . . وربما من المنطقي أن نتأمل ولو بطريقة عابرة كيف أن غالبية قراء الشعر في العالم ما زالوا حتى الآن مولعين بالتراجيديات الشعرية الكبرى في تاريخ الثقافة العالمية مثل الأوديسة والإلياذة مع أن وقائع هذه الشعريات الطويلة قد جرت قبل مئات السنوات .

بهذا المعنى . . الشعر تاريخ وليس جماليات فقط، ومن ليس لديه الوقت لكي يقرأ الشعر، فإن الكثير الكثير من أبناء هذه الأرض الذين يبحثون عن الحرية والكرامة يقومون بكتابته بالدم والدموع، لكي يقرأ بعد ذلك بهدوء .