لا يمكن الحديث عن الشعر، من دون الحديث عن فضاء الحرية الذي يتواشج معه، في ما إذا كان هذا الشعر نابعاً عن تجربة أصيلة أو مهجوساً بهمّ المبدع، ومن حوله من محيطه الاجتماعي والإنساني بشكل عام.

ولعل من تلك الوشائج ذات الصلة بالشعر، أن المبدع في مجاله، لابد له من أن يكتب ويعبر عن رؤيته تجاه العالم برمته، بعيداً عن أية سطوة يمكنها أن تنال من تلك العلاقة التي تربط الشاعر بما حوله.

لأن من أهم وظائف الشعر على الاطلاق، أن يكون لسان حال المبدع عما يجيش في نفسه من أحاسيس وهواجس وارهاصات في ما يخص التراث والآخر، ويعرف عنها، ليكون ذا موقف واضح تجاه ثنائية الخير والشر، منحازاً للمظلوم في وجه الظالم، والمستبد من دون أن يبالي بأية مثبطات وغوايات من شأنها النيل من موقفه الفطري السليم.

لقد راح كثيرون من المنظرين ليروا أنه لا يمكن لأي نوع من الفن بعامة، أن يكون نبيلاً، وسامياً، وصادقاً إن لم تكن هويته واضحة في الذود عن الحق في وجه الباطل، بل هناك من راح يشكك حتى في العنصر الجمالي الذي قد يظهر خلاله أي ضرب من الفنون ما لم يكن على هذا النحو، ليكون مثل هذا المضمون شرطاً رئيساً في رسالة الأدب والفن.

وإضافة الى مثل هذا الجانب المتعلق برسالة الفن، فإن هناك إجماعاً من قبل دارسي الشعر على ضرورة تهيئة المناخ اللازم للشاعر، حتى يستطيع أن يكتب تلك القصيدة التي تتلون بأحاسيسه الإنسانية تجاه القضايا الحساسة التي تجيش في أعماقه. ومن هنا، تماماً، فإننا لنرى ثمة ثقة كبرى بالخطاب الشعري الذي يرهن نفسه ليكون غيرياً، يخدم مصلحة الإنسان والوطن، ومن بين ذلك مصلحة الشاعر نفسه باعتباره منتمياً إلى الجماعة نفسها.

وأمام ثنائية الخير والشر، يمكن فرز مواقف الشعراء عبر بارومتر جد دقيق بحسب الناقد د. عامر الأخضر الذي يجد أن ليس أمام الشاعر غير هذين الخيارين، بل إنه راح أبعد من ذلك إذ عد التصامم إزاء الشر والتخارس أمام قولة الحق من أنواع الانخراط في لجة الشر نفسها، وهو ما جعلنا نجد الشاعر يجني حصيد موقفه في كلتا الحالتين، وقد تكون ضريبته التي يدفعها من أجل موقفه غالية، كما أنه قد يمكن أن يكون جناه الشخصي وافراً، إلا أنه في المحصلة سيخسر نفسه. الخليج الثقافي التقت عدداً من الشعراء استطلعت آراءهم حول العلاقة بين الشعر والحرية.

أكد الشاعر خالد الظنحاني تلازم الحرية والإبداع، حيث لا يمكن لأحدهما أن ينفصل عن الآخر، وقال بما أن الأدب هو مرآة المجتمعات فلا بد له أن يعبر عنها ويصف معاناتها وظروفها من دون قيود، فهو لسان حالها، والحرية هي ذاك الفضاء الذي يستطيع الشاعر أن يقول فيه ما يشاء. ولقد كان الشعر على مدار عقود طويلة مصدر توثيق للحدث، وقد استطعنا الوقوف عند مراحل تاريخية مهمة من خلال القصيدة، وإذا لم تنعم الكتابة بمساحة كافية من الحرية، فلا يمكن لهذه الأحداث أن تصلنا في صورتها الحقيقة، ولا يمكننا نحن بالمقابل أن ننقل للأجيال القادمة ما عايشناه من تجارب ومراحل.

وأشار الظنحاني إلى قصيدة إرادة الحياة لأبي القاسم الشابي التي كتبت قبل عقود، وعادت اليوم بالتزامن مع ثورة الشعب التونسي الذي ردد أبيات هذه القصيدة، فأصبحت شعاراً لثورته. وأضاف أن الشعر قد واكب العديد من الأحداث السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وهناك من كتب عن الثورة والفقر والظلم والحرية وغيرها من موضوعات تتصل بشؤون المجتمعات والشعوب.

وأشار الظنحاني إلى أن الشعر خير وسيلة للتعبير والبوح، فللكلمة أثرها في نفوس الجميع، ومن خلالها نستطيع تلمس الهموم الجمعية والذاتية، وإرسال كل ما نريد للرأي العام في الداخل والخارج، لأن الشاعر هو من ينوب عن الشعوب في نقل رسالتها وقضاياها. ومن هنا، فإن على المجتمعات أن تمنح مساحة كبيرة للحرية، لتواصل الكلمة بوحها في القصيدة والقصة والرواية وكل أشكال الكتابة الأدبية.

وقال الشاعر محمد العزام الحرية هي الجناحان اللذان يحلق بهما الشاعر في فضاء الجمال، وكلما نظر الشاعر من مكان أكثر علواً تأتي الرؤيا أشمل وأكثر ديمومة، وبذلك نرى أن الشاعر هو الذي يكسر القيود التي تكبله ورتابة المشهد الذي يحيط به، ليرى ما وراء الأشياء وما وراء اللغة.

وأضاف أن هذه القيود قد تكون تقاليد بالية أو نظرة نمطية لا تستند إلى فهم واع، يحاول البعض أن يفرض شروطها على الإبداع والمبدعين.

و أكد العزام أن حرية التعبير عند الشاعر هي الهواء الذي يجب أن يتنفسه النص ليكبر بين يدي الدهشة، فلا يجب أن يحد الهاجس الأمني في بعض الحالات من التعبير عن بعض القضايا التي تهم الوطن، فالوطن يبدأ دائماً كفكرة في خيال حالم ما حتى تجد أرضاً جديدة في قصيدة جديدة لتبدأ في النمو، وتنتشر الحدود في جهات القصيدة الكثيرة، شرط أن يبقى الإبداع مبللاً بغيم الشعر، ولا يخرج من عباءته إلى عباءة الخطابة أو المقالة السياسية، كما يفعل البعض ممن يكتبون خطباً سياسية يسمونها شعراً. وأنا مؤمن كذلك بأن الحرية لا تعني الفجاجة في الطرح، فالشاعر هو ذلك الإنسان الذي يصنع جرحاً صغيراً في ثمرة الجمال الناضجة ليتركها تنزف سكرها على مهلها.

الشاعر سالم الزمر قال: الحرية رغيف خبز مشترك، وجدول ماء منهله واحد، وسماء تُظل الجميع ،وأرض يشاركك فيها حتى النمل تحت أقدامك. الحرية مفهوم واسع مختلف عليه، لكني لا أرى الحرية حرية وفيها اعتداء على الآخر، أياً كان إنساناً أوحيواناً أو نباتاً.

وليست حرية تلك التي لا يشعر بسببها الإنسان أنه يؤذي غيره حتى بنسمة الريح الباردة التي قد تؤذي جارك السقيم.. الحرية شراكة بين الجميع لا يمكن أن تكون حراً حرية مطلقة بلا قيود إلا أن تعيش منعزلاً في بقعة نائية وحتى في تلك البقعة النائية ستجد من يشاركك تلك البقعة من غير الناس من الحيوان والطير وسائر الأحياء، الحرية رغيف خبز مشترك يقاسمك فيه الجميع.

أما الشاعر الحقيقي فلا يعيش مغرداً منشداً إلا وهو طائر محلق في سماء بلاحدود إلا حدود الجمال والذوق الرفيع، فإذا حبس غنى ولكن غناء حزيناً مُرّاً:

إنما الشعر طائر لا يغني

وهو في قبضة الحياة سجينُ

يتغنى وضاحكات الأماسي

مِلء بُرديه والمنى والفتونُ

وجناحاه رفرفاتُ أمانٍ

تتغنى وفي الغناء شجونُ

وله الكونُ غدوةٌ ورواحٌ

وله الدوح موطنٌ والغصونُ

وقال الشاعر عبدالرزاق الدرباس: أول إحساس لي بفقد الحرية كان حين كنت في الصف الأول الابتدائي حيث حرمني المعلم من فسحة الغداء وأبقاني محبوساً في الصف لأن إحدى البنات في المدرسة اشتكتني للمعلم بدعوى سرقة إحدى الوردتين اللتين بحوزتها، والحق يقال إني لم أسرق الوردة من البنت إلا بعد أن طلبتها برجاء حار فرفضت، فاستخدمت مهاراتي لأنال حصتي من ثرائها. الشعر غرسة الوجود والحرية هي تربته الخصبة، ولا يمكن للقيود أن تسهم في كبت الشاعر ولا المشاعر، تكاد تكون الكلمات مفاتيح الأصفاد، والأبيات جرافات لهدم السجون، والأمثلة حية أمامنا، فالشعر كالنار لا يمكن لرشة الماء الخفيفة إلا أن تزيد الأوار، منذ العصر الجاهلي ترنم طرفة بن العبد بالحرية وكانت تعني في مفهومه ثلاثية اللهو (الشراب، والسيف، والجميلات) وحين لم يأخذ قيس بن الملوح حريته في حبه ليلى، تغشاه الجنون، ولعمري إن جنونه هو أعلى درجات الرشد.

لقد فرضت الحرية على شعراء أمتنا الكبار أن يعيشوا نزلاء فنادق بيروت وباريس ولندن ودمشق والقاهرة وبرلين، وبمجرد ذكر نزار قباني والجواهري والبياتي والحيدري ومظفر النواب تجد خلافاً مع النخب الحاكمة في بلدانهم فيخرجون من ترابهم حاملين شعلة الحرية وجذوة الشعر وهما شعلتان توأمان، وحيث ازدهر الشعر في القصور قديماً وحديثاً فهو أسلوب صحيح لكن حين يتعارض القصر والبلاط مع رغبة الشاعر التي هي غالباً رغبة الشعب، يختار الشاعر الأصيل طريق الحرية ويسقط الشاعر المتكسب في مهاوي القصور ليكون بوقاً مزعجاً.

ربما تذهب صرخات الحرية التي يطلقها الشعراء أدراج الرياح أحياناً لكن الريح التي أبعدتها تعيدها للآذان طازجة فتفعل الأفاعيل، ألم يستيقظ الشابي في تونس ويوقظ معه التونسيين في درب الحرية وكأنه ما مات؟ ألم توقظ صرخات خليل مردم بك وخير الدين الزركلي وبدوي الجبل السوريين ليقولوا: لا لتقسيم بلدهم تحت الاحتلال؟ ألم يصنع المفدي زكريا قذائف من نوع خاص لمحاربة فرنسا في الجزائر؟ ثم ألم يكن عبدالرحيم محمود وإبراهيم طوقان وكمال ناصر وقوداً لشمعة الحرية في كفاح الشعب الفلسطيني؟

أجل لقد جعلوا البيت الشعري قذيفة والقصيدة كتيبة في وجوه المحتل، لكن المعيب المخجل أن يتحول نضال الشعوب والشعراء في سبيل انتزاع الحرية ليس من الاستعمار هذه المرة، بل من الحكومات الوطنية التي كانت ثورية وجماهيرية حين قامت، لقد ترهلت الثورات وشاخت وتحولت ديكتاتوريات في معظم البلدان العربية فتوجب على الشعراء أن يبحثوا عن مسارب جديدة للحرية، هذه المسارب تقف بجانب الشعوب وتقول للسلاطين الجائرين كلمة حق هي أفضل أنواع الجهاد.

إن القمع هو عدو الشعر الأول، بل هو نقيض كل إبداع فني أو أدبي أو علمي، ولم يتفوق الغرب والشرق علينا نحن العرب والمسلمين إلا بفسحة الحرية التي ينعمون بها، فيرقى إبداعهم ونبقى نحن حبيسي التعقيدات ومقص الرقيب الجاهل، ومرهوني الجدر العازلة والمطبات الصناعية المعيقة.

أقول هذا مع اعترافي بأن الحرية ليست هي الفوضى واللامسؤولية، فالحرية مسؤولية وأمانة ويجب توظيفها في المصلحة العامة لا أن تتحول إلى انفلاتٍ وغرائز جامحة ونزعات فردية شوفينية بغيضة.

الشاعر مخلوق حر بالفطرة وأي قيد يفرض عليه يجب أن يلقى ردة فعل، وأختم بمقطع من ديواني الأخير (موانئ النورس) حيث جاء في قصيدة مطوّلة تحتم على الشاعر أن يكون حادي العيس وحادي الحرية، عنوانها الشاعر:

خبّئ بحورَ الشعر في دمِك المباح..

حتى إذا جاؤوكَ ينتهكون حرمة إصبعيكَ فقل لهم:

إني دخلتُ السجن ثم خرجتُ أقوى..

ورُكلتُ بالأقدام ثم نهضتُ أعلى..

وقل لهم: لا ضيرَ مهما قد فعلتم..

بعد موتي سوف أحيا.

دقّ المساميرَ الشهيدة في تلافيفِ النعوش

وقسوة الظلم اليبابْ..

وغنّ في تلك الجنائز مرّة:

يا حاديَ العيسِ التي غاصتْ برمل الغار حول قريشنا...

صفراً على صفرٍ ويبتدئُ الحسابْ.

الحبر يغرقُ راحتيك فلا تمانعْ..

وعجينُ أمك صارَ أرغفة مربّعة وبطنُ القبر جائعْ

كل الكلام كسيفِ عنترة الجسورِ

وحبرُك السري في حلقِ الطغاة

كجرعةِ السمّ الذي في الفعلِ ناقعْ.

الشاعر السعودي عبدالله آل إبراهيم وصف موضوع (جدل الشعر والحرية) بالموضوع المتشعب الذي تتفرع منه عدة محاور ومنها ما يتعلق بالحرية الشخصية والفكرية وانعكاس البيئة والتربية على الشخص، فالحرية من وجهة نظره يجب أن تكون نتاجاً طبيعياً يشعر به المرء من دون إملاءات خارجية.

إن مفهوم الحرية في الشعر يرتبط بعدة عوامل تؤثر في الشعر نفسه، فثمة درجات متفاوتة من الحرية يمكن رصدها في المبدع الفرد وهي تؤول إلى ما يشبه المقننة حين تتأرجح ما بين التقوقع على الذات والخجل وغيرها من العناوين المهمة.

البيئة التي ينتمي إليها الشاعر بحسب آل جعفر قد تمنح الشاعر أفقاً محلقاً وقد تمنحه قيداً إذا تنامت فيها معيقات لا تمنحه فرصة التعبير عما يجول في خاطره أو يشتعل به فؤاده.

الناقد الدكتور زياد الزعبي يرى أن الحديث عن جدل الشعر والحرية يستدعي بالضرورة الحديث عن جدل الثقافة والحرية بالضرورة، وقال: جدل الشعر والحرية جزء لا يتجزأ من جدل أوسع هو جدل الثقافة والحرية، والحرية تمثل محوراً أساسياً في العملين الإبداعي والثقافي، وهنا يجدر بنا أن نتساءل عن الدور الذي يمكن أن يلعبه المثقفون في مجتمعاتنا العربية؟ ولا بد من القول إن الثقافة تلعب دوراً مزدوجاً، الأول هو دور إيجابي يتعلق بعملية التأسيس للوعي والحرية والكرامة الإنسانية، والثاني هو دور يختلف عن الدور الأول من حيث الوظيفة وذلك حين تصبح الثقافة حاضنة للسلطة، وأقصد الثقافة وكل ما ينضوي تحتها بما في ذلك الشعر، إضافة إلى أننا يمكن أن نشير إلى ثقافة عربية مارست الدورين معاً، لكن ما هو مهم أن تكون الثقافة والشعر هما سلطة بحد ذاتهما، وأقصد سلطة الإنسان وحريته وليس أي نوع آخر من السلطة.

إن الشعر الحقيقي هو دائماً مع الحرية، وهو شعر يحمل سمة الخلود، ويحفل تاريخ الشعر بنماذج كثيرة لا تعد ولا تحصى تؤكد أن الشعر الحقيقي هو الذي ينبع من متطلبات الحرية بمعانيها الواسعة، وهنا يمكن أن نشير إلى نموذج معين على سبيل المثال لا الحصر هو قصيدة إرادة الحياة للشاعر التونسي أبي القاسم الشابي التي قال فيها: (إذا الشعب يوماً أراد الحياة/ فلا بد أن يستجيب القدر) وقد قال الشابي تلك القصيدة ضد الاستعمار، واليوم يتم أخذ تلك القصيدة من سياقها التاريخي لتعبر عن واقع آخر داخلي، وهكذا فإن الحرية بهذا المعنى الشعري والإنساني هي حرية لا تنفصل مكوناتها عن بعضها بعضاً، فلا يمكن أن نطلب الحرية من الاستعمار من دون أن يعني ذلك الحرية من كل أشكال الاستبداد، وترديد قصيدة الشابي اليوم هو تأكيد للعلاقة الجدلية والراسخة بين الشعر والحرية، وبهذا المعنى فأنا أجد أن الشعر لا يتحدث عن الواقع بوصفه واقعاً محدداً ومؤطراً، وإنما يقدم رؤية للإنسان المتعطش للحرية، ويرسم له مثالاً أعلى، وهو بذلك يتجاوز الواقع نفسه.

ورأت الشاعرة جميلة الماجري من تونس أن الشاعر أشبه بالنبتة، فكما أن الماء والهواء والنسغ من الضرورات المستلزمة بالنسبة إليها، فإن الحرية تلعب مثل كل هذه الأدوار بالنسبة إلى الشاعر، وينبغي ألا يلجم من قبل أية سلطة، مهما كان نوعها.

وأضافت: نحن لو تتبعنا الشعر منذ بداية الخليقة وحتى الآن، لوجدنا أن ثيمة الحرية كانت محوراً مهماً لحديث الشعراء، ولا يمكن لأية قصيدة - أياً كان نوعها - إلا وتكون ذات صلة وثيقة بالحرية، نابعة عنها، أوناشدة لها.

الشاعر المكبل بأي نوع من القيود، لا يمكن له أن يكون حراً، ولا يمكن لما ينتجه أن يكون صادقاً، لأن ما هو غير صادق لا يمكن أن ينبع إلا عما هو صادق، إن أي قيد على الشعر يجعل منه منقوصاً.

ولا يمكنني أن أتصور شاعراً غير حر، يستطيع أن يكتب شعراً سلساً شفافاً، يعبر عن لحظته ويصلح أن يكون لسان حال البرهة الزمنية. ومن هنا فإننا قبل أن نتبين مدى مصداقية شاعر ما، بل ومدى مصداقية ما يكتب، علينا أن نعاين مساحة الحرية، أو هامشها المتاح له، لنعلم أهو حر في ما كتب أم لا؟ فلاشعر بلا حرية البتة.

وقالت الماجري: واسترسالاً حول الموضوع نفسه، فإنني كشاعرة تونسية وإزاء الهزات الكبرى التي شهدها بلدي هذا، أجد أن الشعر لم يستطع بعد أن يعبر عن احتفائه بالحرية، وتغنيه بها، ورصد ما يجري من تحولات في موضوعة الحرية، ولعل السبب يعود إلى أن الشاعر لم يستوعب الحدث بعد، بالشكل المطلوب، ولا بد من مدة زمنية ما، حتى يستطيع بعدها أن يرصد ما يجري.

بينما رأى الشاعر جاسم الصحيح أن الحرية تعد جوهر الشعر، وإكسيره المتوهج لدرجة أنه لا يوجد شعر من دون حرية.

كذلك لا بد من معرفة أنه لا ينبت الشعر في غير منابت الحرية، ولا يوجد فن إن لم توجد هنالك في المقابل حرية. واسترسل الصحيح قائلاً: أجل الحرية هي جوهر الشعر والإبداع بل الوجود والحياة، وإذا آمنا أن الشعر هو حجم انتمائنا للحياة، فلا توجد حياة من دون الحرية، فإن الحرية هي الأصل، والباقي هو فروع من هذا الأصل.

وما دامت الحرية كما أسلفت هي جوهر الشعر، وعلى هذا القدر الكبير من الشأن بالنسبة إلى المبدع بعامة، والشاعر بخاصة، فإن الشاعر الذي لا ينطلق من أرض صلبة من الحرية، يقف عليها، فإن ما يكتبه لن يلامس شغاف قلب متلقيه، ويكون مجرد غثاء لا شأن له، سيكون كلاماً من دون روح، كلاماً من دون نبض وحياة، بالرغم من أن الشعر عادة هو الحياة.

على الشاعر الحق وهو يكتب قصيدته التي يريد لها الحياة أن يسأل نفسه: هل أنا حر أو لا؟ وهو السؤال الذي لا بد منه لكي يتأكد من أن ما يكتبه جدير بالحياة.

الحرية ضمن هذا المفهوم خميرة الشعر، وهي مكونه الرئيس، وهي رئته بل الفضاء الرحب الذي عبره يستطيع أن يتنفس.

توظيف

يرى الشاعر السعودي عبدالله آل ابراهيم أن بامكان المبدع توظيف فنون الشعر لإيصال رسالته من دون التخوف في الوقوع في المحظور، باستخدام قليل من الرمزية والكناية والاستعارة، كما يستطيع الشاعر التحايل في تمرير فكرته حين يعبّر عن القضايا الوطنية والمصيرية، وفي المحصلة من المستحسن أن يكون الشاعر على معرفة بآليات الخطاب ولمن يوجه شعره، كما أن فضاء الشعر هو فضاء مجازي بكل الأحوال، وتتوافر للشاعر على وجه الخصوص، ملكات إضافية يمرر من خلالها رسالته إلى القارئ بقليل من الحرج.

انفصال

كثير من الشعراء العرب فهموا الكثير من المقولات الحداثية بشكل خاطئ، ومنها أن حرية الشاعر هي تفجير اللغة من داخلها. إن الشعر لا يمكن أن ينفصل عن حركة المجتمع، أو يبتعد عن حركة التاريخ، وإذا انفصل الشعر عن المجتمع والتاريخ فهو قد انفصل إذاً، عن المتلقي، والثقافة كذلك، وهو ما يفسر جزءاً كبيراً من الجفاء الموجود بين الشعر والمتلقي.