كثيراً ما تطرح بعض وسائل الإعلام المختلفة موضوعات تتعلق بالأوقات المثالية للتعرض لأشعة الشمس، وكيفية الاستفادة منها كوصفة طبيعية مجانية منحها الله لأجسامنا، كما نسمع عن النسيم العليل، أو الهواء النقي حين نستنشقه نشعر بالهدوء والراحة النفسية، لكن ما مكونات أشعة الشمس الضارة والنافعة، والأوقات المثلى للتعرض لها؟ وما المدة اليومية الكافية ليحصل الإنسان منها على الفوائد، ويتجنب المضار؟ وما التفاعلات الفيزيائية التي تحدث داخل جسم الإنسان بعد التعرض لأشعة الشمس؟ وإذا كان لها أوقات ومنافع ومضار، ماذا يعني النسيم العليل؟ وما أثره في مزاج الإنسان وحالته النفسية؟ أسئلة كثيرة في هذا الصدد يجيب عنها المتخصصون في السطور الآتية:

عن أشعة الشمس الضارة والمفيدة لجسم الإنسان، يعلق الدكتور حسين المهدي، رئيس قسم الفيزياء بجامعة الشارقة، قائلاً: عند الحديث عن الإشعاع يجب أولا أن نحدد نوع أشعة الطيف الكهرومغناطيسي، التي يتعرض لها الإنسان، لأن شعاع الشمس ينقسم إلى عدة أقسام تعتمد على طولها الموجي، الذي يحدد الطاقة التي يحملها، وكلما زاد الطول الموجي للإشعاع الكهرومغناطيسي قلت طاقته، والعكس صحيح .

كما تجدر الإشارة إلى أن ضرر الأشعة على جسم الإنسان يعتمد على حجم الطاقة المنبعثة منها . ووفق ذلك، تقسم إلى إشعاع مؤين، وآخر غير مؤين، بحسب قدرة الإشعاع على إحداث تلف في المادة التي يسقط عليها ويتفاعل مع جزيئاتها .

ويقول: الإشعاع المرئي يقع ضمن الترددات بين 400 إلى 700 نانو متر من الأشعة غير المؤينة، وبذلك يصنف من الأشعة غير الضارة لجسم الإنسان، أما الإشعاع المضر فيكون ضمن جزم الأشعة فوق البنفسجية (UV)، التي تولد طاقة أعلى من الأشعة المرئية، ولها القدرة على إحداث تلف بخلايا الجلد .

ويتابع: لاشك أن أشعة الشمس لها فوائدها الكثيرة للإنسان والكائنات الحية، بما في ذلك النباتات التي تحتاج إلى ضوء الشمس في عملية البناء الضوئي، أما للإنسان ففوائدها جمة، إذ تؤثر في نسبة الفيتامينات في الجسم، لاسيما نقص فيتامين (د) الناتج عن قلة التعرض لضوء الشمس .

ويشير المهدي إلى الضرر الكبير التي تحدثه الأشعة فوق البنفسجية، وخاصة النوعين A، وB اللذين يحملان العديد من المخاطر، فالنوع A، يسبب سرطان الجلد، ويسبب التعرض للنوع B الحروق والبقع الجلدية .

وعن الأوقات المثلى التي يمكن للإنسان الاستفادة فيها من أشعة الشمس، يوضح أن خطورتها تحددها كمية الطاقة التي تحملها أشعتها، وكذلك المدة الزمنية التي يتعرض لها الجسم . لذلك ينصح العلماء بعدم التعرض لأشعتها بشكل مباشر من دون واق، وبخاصة في وقت الذروة أي منتصف النهار، عندما تكون الشمس عمودية وأقرب ما تكون من سطح الأرض، مشيراً إلى اختلاف التأثير باختلاف المنطقة الجغرافية، وموقعها بالنسبة لخطوط العرض والفصول الأربعة .

عن ماهية الاصطلاح العلمي للنسيم العليل، وكيفية الاستفادة منه يتابع أستاذ الفيزياء بجامعة الشارقة: من وجهة نظري العلمية كفيزيائي فإن النسيم العليل يعني الهواء النقي الخالي من الشوائب والملوثات، مثل الغبار، والمخلفات الناتجة عن استخدامات الإنسان اليومية للمعدات، والآلات، والسيارات، وما تخلفه المصانع من أبخرة وملوثات، أما بالنسبة لأوقات الاستمتاع به، ففي المدن ذات الكثافة السكانية العالية والمصانع الضخمة، يحرم سكانها من الهواء النقي، بينما يستمتع به ساكنو القرى الريفية والمدن الصغيرة، لخلوها نوعاً ما من الملوثات الصناعية .

وعن أوقات الاستمتاع بالهواء النقي يشير إلى أن نسبة التلوث الهوائي تقل في الليل وفي ساعات الصباح الأولى، عندما تكون سرعة الرياح قليلة، كما يكون الهواء نقياً بعد هطول الأمطار، لأن معظم الملوثات الجزيئية تتساقط مع المطر، وهذا ما يفسر صفاء الجو بعد هطول الأمطار .

تقسم أشعة الشمس، بحسب الدكتور علي سنجل، استشاري الأمراض الجلدية، إلى ثلاثة أنواع هي A،B،C، الأول C ويقينا منه الغلاف الجوي ولا يصل إلى الأرض، والثاني B الذي يصيب الجلد إصابة مباشرة محدثاً خللاً في الطبقة الخلوية، تصيبها بالاحمرار، الحرقة الشديدة . أما A فهو أشد أنوع الأشعة ضرراً بالجلد حيث يصيبه بالشيخوخة والسرطان في أحيان كثيرة .

ويضيف: تتفاعل أشعة الشمس مع الجلد بحسب نوعه ولونه، فهناك ستة أنواع للجلد مقسمة بحسب بلاد العالم، النوع الأول يتمتع به ساكنو الدول الأوروبية، وهي ذات بشرة بيضاء سريعة التفاعل والاحتراق من أشعة الشمس، والنوع الثاني والثالث للبلاد الأكثر دفئاً من الأوروبية، ويصاب أصحابه بدرجات أقل من الاحمرار وتغير اللون، أما النوع الثالث والرابع فيحمله ساكنو البلاد الشرق أوسطية الذين يتعرضون للشمس بكثرة، ولا تتأثر جلودهم بسهولة، وآخر الأنواع الخامس والسادس اللذين يحملهما أصحاب البشرة السمراء في الهند وإفريقيا، وهما نوعان يتحملان درجات الحرارة العالية، ولا يتأثران بسهولة بالأشعة الشمسية الضارة لاحتوائها على مادة الملاتين بكثرة .

ويشدد سنجل على خطورة ما يسمى بالتان أو تغيير البعض للون الجلد بشكل متعمد، من خلال كبائن الإضاءة في مراكز التجميل التجارية، وهو ما يؤدي إلى تلف مبدئي في الخلايا الخلوية للجلد، يزيد من فرص الإصابة بالسرطانات .

ويشير استشاري الأمراض الجليدية إلى أهمية الاستمتاع والاستفادة من أشعة الشمس بشكل يومي في الصباح والمساء، والابتعاد عنها في الفترة من العاشرة صباحاً إلى الرابعة عصراً، وذلك لتجنب الأشعة الضارة التي تصيب الجسم بأضرار بالغة، كما يدعو البعض إلى التخلي عن بعض الأفكار الخاطئة المرتبطة بالشمس، كمن يبالغون في وضع الواقي الشمسي حتى في المنزل، ومن يبعد الأطفال عن مورد طبيعي للفيتامينات .

يوضح الدكتور طلعت مطر، أستاذ الطب النفسي بكلية طب رأس الخيمة، أن صحة الإنسان النفسية ارتبطت منذ القدم بتعاقب الليل والنهار، والفصول الأربعة، وما يصاحبها من تغيرات مناخية، مشيراً إلى الأساطير الفرعونية والإغريقية القديمة التي رسخت مكانة الشمس كإله يعطي الحياة والحيوية للكون، ويأخذها عند أفوله .

ويلفت مطر إلى الإيقاع البيولوجي للإنسان، المرتبط بتعاقب الليل والنهار، وغياب أشعة الشمس، وتوقف المخ عن إفراز مادة الملاتونين، التي تؤدي إلى خلود الإنسان للنوم، وشعوره بالاكتئاب في حال دام غياب الشمس لأيام وأسابيع . وهو ما يفسر الحالة النفسية السيئة التي يكون عليها شعوب بأكملها، لا ترى الشمس لشهور عدة .

ويشير أستاذ الطب النفسي بكلية الطب برأس الخيمة إلى حاجة الجسم الدائمة للهواء النقي، ونسب الأوكسوجين في الدم، التي يؤثر قلتها في مزاح الإنسان وحالته النفسية، فكثيراً ما نسمع أحد الأشخاص، وهو يعبر عن نقص الهواء بأنه مخنوق، وهو ما يدل على الضغط النفسي الذي يعانيه .

ويضيف: يبعث الهواء النقي حالة من النشوى والتفاؤل على الإنسان، ويجعله أكثر تحملاً لضغوط الحياة، بينما يؤثر التلوث في حالته المزاجية بالسلب، منوهاً إلى التغيرات الجوية والفصلية التي تسهم في ظهور ما يسمى باضطرابات المزاج القطبية، التي غالباً ما تزيد في فصل الربيع، وما يصاحبه من تغيرات في حالة الطقس .

يتعجب الدكتور مصطفى شعراوي اختصاصي الأمراض الباطنية والقلب، ونائب مدير مركز شرطة دبي الصحي، ممن أسماهم الهاربين من الشمس، المتجاهلين لفوائدها الكثيرة التي تمنحها لأجسامهم، والعادات اليومية الخاطئة التي تحرمهم من الأشعة المفيدة، فتجد الشخص منهم في الصباح لابساً نظارة الماسك، ومسرعاً إلى داخل السيارة ذات العوازل الشمسية، أما النساء فيبالغ بعضهن في وضع الكريمات الواقية من الشمس في كل أوقات النهار .

وعن فوائد الشمس للجسم يقول شعراوي: تساعد الشمس المفيدة على تحفيز فيتامين د المسؤول عن مناعة الجسم، وتكوين الخلايا الجديدة، إضافة إلى أهميته الخاصة في ترسيب الكالسيوم في الجسم، وهو ما يعني أن عدم التعرض للشمس يجعل العظام ضعيفة وسهلة الكسر .

وعن المدة المطلوبة للحصول على الجرعة اليومية من أشعة الشمس يضيف: ينبغي للإنسان التعرض للشمس مدة لا تقل عن 40 دقيقة يومياً، خلال الفترة الصباحية قبل العاشرة صباحاً، وبعد الرابعة عصراً، ويفضل أن يعرض 40% من الجسم للأشعة المباشرة، حتى يتمكن من امتصاصها والاستفادة منها .

ويؤكد اختصاصي الأمراض الباطنية والقلب المفارقة الكبيرة التي يثبتها نقص فيتامين د لدى سكان البلاد الخليجية، فعلى الرغم من الأجواء الصحوة والمشمسة للخليج طوال فصول السنة، إلا أن نسب فيتامين د فيها تقل عن سكان البلاد الأوروبية التي لا تزورها الشمس إلا عدة أشهر في العام .