لا تكاد مدينة سورية تخلو من بلدة أو قرية أو منطقة تسمى باسم الشيخ سعد . . هذا الاسم ذائع الانتشار في المحافظات السورية، لكن، ومن باب التبيان، فإن لكل بلدة تحمل هذا الاسم سبباً في ذلك .

المعروف أنه في دمشق هناك الشيخ سعد قرب منطقة المزة وهي نسبة لشيخ جليل عاش في عهد مضى، وكذلك في محافظة طرطوس وغيرها، إلا أن الحديث عن بلدة الشيخ سعد في مدينة درعا جنوب دمشق يختلف تماما، والسبب في ذلك أن اسم المدينة لم يعرف له سبب حتى الآن وإن كانت الترجيحات تتجه نحو وجود رجل دين جليل عاش في هذه البلدة في عصر ما من العصور التي تلت مجيء الدين الإسلامي الحنيف .

إنها الشيخ سعد البلدة الدرعاوية الواقعة إلى الشمال الغربي من المحافظة الشهيرة، والقريبة من الحدود الأردنية بمسافة مئات الأمتار لا أكثر .

تعتبر الشيخ سعد من أهم وأقدم البلدات في التاريخ المأهول، وقد تحولت بفضل تاريخ غني وأحداث ثرية، إلى مدينة أثرية وردت كثيرا في كتب التاريخ والمؤلفات، وذلك عبر عصور عديدة وبأقلام متباعدة القرون .

من الفراعنة إلى الغساسنة

ذكرت الشيخ سعد باسميها القديمين الشمس وقرنيم عشتروت أي المدينة الجديدة، في كتابات مصرية تعود إلى القرن الثالث عشر قبل الميلاد وذلك عندما دخل المصريون إلى حوران فأولوها أهمية كبيرة على الصعيد الاستراتيجي كونها مدينة ذات أرض خصبة وخيرة ساعدها على ذلك سهولة وصول المياه إليها لانخفاضها ولوجود قنوات لجر المياه إليها للري والسقاية .

كما وردت في كتابات هيروغليفية؛ وقد ثبت ذلك عملياً من خلال مكتشفات أثرية وجدت أثناء عمليات التنقيب في تلّها الشهير، وذلك منذ العام 1924 على يد بعثة أوروبية تشيكية .

في العصر اليوناني القديم، دخل الفرس وسيطروا على حوران الإقليم الذي تنتمي إليه الشيخ سعد وقام الفرس بتقسيمه إلى إقليمين، فكانت حصة الشيخ سعد أن تصبح إقليماً وحدها، وذلك للاستفادة منها زراعياً، وحتى عسكرياً .

وفي العهد الروماني، تمتعت الشيخ سعد بوجه حضاري مختلف تماماً عن العصور التي سبقته، وذلك لانتشار المعابد فيها بشكل كبير وعلى نحو غير سائد في تلك العصور حتى أطلق عليها الرومان اسم بلدة المعابد أو الديانات .

وفي العام 106 للميلاد تحولت هذه البلدة إلى أسقفية من أسقفيات الولاية العربية، وذلك قبل مجيء الإسلام إليها بقرون قليلة .

وفي العام 117 للميلاد، وخلال حكم العرب الغساسنة لها، أنجز الملك هاذريان طريقاً يمر منها إلى فلسطين، وبالتالي أصبحت على صلة بمنطقة ذاع صيتها في تلك الحقبة دينيا، وقد تحول اسم ذلك الطريق إلى طريق الحرير نظرا لقوة التبادل التجاري بينها وبين الدول المجاورة، وحتى البعيدة .

مقام النبي أيوب

وفي القرن الرابع للميلاد قامت المؤرخة والباحثة الشهيرة ارتيريا بزيارة إلى بلدة الشيخ سعد فأبهرتها معابدها وتوضع الحواكير الزراعية فيها والقدرة على وصول المياه بسهولة إليها، كما أدهشها وجود مقام للنبي أيوب فيها، وكذلك حمام شهير لايزال موجوداً إلى يومنا هذا .

وبسبب وجود حمام أيوب بجانب مقامه، أصبحت المنطقة مقصداً سياحياً يؤمه أجانب من مختلف دول العالم، وقد زاد على ذلك في عهود متقدمة قيام دير أيوب وسوق أيوب .

ويعرف سوق أيوب بأنه من أهم أسواق بلاد الشام، ويشتهر ببيع الحبوب والمنتجات الصناعية التي يشتريها الدمشقيون ويتاجرون بها مع شبه الجزيرة العربية . وبالعكس، فإن تجار الجزيرة العربية يرسلون بضائعهم ومنتجاتهم إلى سوق أيوب ليشتريها السوريون وذلك إلى أيامنا هذه .

لم تتأخر الشيخ سعد في الدخول بالإسلام، وكان ذلك أيام فتح بلاد الشام في مراحل الإسلام الأولى . وقد تمتعت بأهمية كبيرة نسبة لموقعها .

فالتخطيط لمعركة اليرموك الشهيرة التي قادها الصحابي الجليل والقائد العسكري الإسلامي الشهير خالد بن الوليد استهلك أياما فيها قبل الانتقال إلى الوادي الشهير، كما وعقدت فيها مؤتمرات إسلامية مفصلية أبرزها مؤتمر الجابية أيام الخليفة عمر بن الخطاب . وبعد ذلك أخذت فيها بيعات لخلفاء من بني أمية سفيانيين ومروانيين، إلى أن تحولت في العصر العباسي إلى مركز باتجاه فلسطين المجاورة وذلك من خلال طريق الحرير تجارياً .

وفي العصر العثماني أصبحت المنطقة عبارة عن لواء كامل في حوران، قبيل عقود قليلة من انهيار السلطنة العثمانية، وذلك في العام 1872م .

في العام 2007 قامت بعثة أوروبية للتنقيب عن الآثار بالبحث في الشيخ سعد، فعثرت على لقية تعود إلى 1300 قبل الميلاد، كانت عبارة عن نصب تذكاري للملك رمسيس الثاني بعلو 3 أمتار وبعرض 120سم، وهو عبارة عن قطعتين من حجارة البازلت وقد وجد في الباحة الخارجية للمعبد القديم والذي سمته البعثة الأوروبية في العام 1924 بمعبد الأسود (جمع أسد) نسبة لمنحوتات اكتشفت في ذلك العام، وهي لأحجار على شكل أسود، وقد نقلت إلى المتحف الوطني في العاصمة السورية دمشق . . . وفي النصب التذكاري صورة واضحة للملك رمسيس الثاني وصور أخرى لعظماء عاشوا في تلك الفترة الغابرة نقشت عليها عبارات وكتابات باللغة الهيروغليفية، وقد أقيم ذلك النصب على يد المصريين في عهد رمسيس الثاني في القرن 13 قبل الميلاد عندما دخلوا حوران لملاقاة جيش الحثيين في معركة قادش التي جرت قرب حمص .