الحياة الزوجية ليست طريقاً مفروشاً بالورود في كل الأحوال، وبيت الزوجية ليس جنة يأوي إليها الزوجان فينعمان فيها بكل ما لذ وطاب وحقق الرضا للنفس من مشاعر وشهوات ومظاهر حياة رغدة . . وقد يتوافر كل ذلك للزوجين في مرحلة معينة، لكن الحياة الزوجية متقلبة بين السعادة والشقاء، بين الوفاق والتفاهم والخلافات والعواصف . . بين اليسر والرفاهية المادية والمعيشية وبين العسر والضنك الاقتصادي .

كل هذه الأحوال المتقلبة يمكن أن يتجاوزها الزوجان ويعيشا حياتهما بحلوها ومرها لو تحليا بالصبر والحكمة وعاشا حياتهما وفق منهج الإسلام وعملاً بتوجيهات القرآن ووصايا الرسول صلى الله عليه وسلم فالحياة التي تسير وفق منهج الله وعلى هدي رسوله الكريم لا يمكن أن تفسدها شياطين الجن والإنس .

سألنا بعض علماء الإسلام والنفس والاجتماع عن وسائل مواجهة الخلافات والعواصف داخل الأسرة لحمايتها وتحصينها من الانهيار، فاتفقوا على أن تحقيق المودة والتفاهم والرضا بين الزوجين يحتاج إلى الصبر وإلى التجاوز عن بعض الأخطاء والتغاضي عن الزلات والهفوات والنظر إلى الجوانب الطيبة في أخلاق الطرف الآخر، فالصبر خلق إسلامي يحمل جملة من المعاني الجميلة، أهمها الإخلاص وحفظ العهد . وعندما يتحلى الزوجان بالصبر تكون هناك فرصة طيبة لحل الخلافات والتجاوز عن السلوكيات المغضبة لكل من الطرفين .

الداعية الأزهرية د .آمنة نصير، أستاذة الثقافة الإسلامية بجامعة الأزهر، تؤكد بداية أن الصبر هو المفتاح السحري لحل كل المشكلات وإنهاء معظم الأزمات بين الزوجين . وتقول: الحياة الزوجية من الطبيعي أن تواجهها مشكلات وأزمات، وهي بطبيعة الحال لا تخلو من مشكلات تكون في بعض الأحيان عاصفة، وهنا لا بد أن يتخلى الزوجان عن العناد والإصرار على خوض حرب شعواء ضد بعضهما بعضاً، لأن العلاقة بينهما ليست علاقة تنافسية تنتهي بفوز أحدهما بلقب المسيطر والمهيمن، بل هي علاقة تقوم على التعاون والمودة والرحمة، فالله سبحانه وتعالى هو الذي حدد أهداف هذه العلاقة التي تجمع بين رجل وامرأة داخل بيت الزوجية فقال: ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة .

التحكم بالغضب

وتضيف: بعض الأزواج والزوجات يهدمون كل شيء وقت الغضب ويدوسون على العشرة والحب والعلاقة الطيبة وينسون أو يتناسون الذكريات الجميلة بينهما ويتحولون إلى أعداء ألداء يتبارزون وربما يتنابزون أمام الأهل والأبناء، رغم أن الخلاف بينهما قد لا يحتاج إلا إلى قدر بسيط من الصبر والحلم الذي يطفئ نيران الغضب، ويهدئ النفوس، فتذهب رياح الخلاف في سلام .

لذلك تطالب الداعية الأزهرية الشهيرة بضرورة التحكم بالغضب وتجمل كل من الزوجين بالصبر والحكمة في مواجهة ما يعترض حياتهما من مشكلات وأزمات، وتحذر من التمادي في العناد والإصرار على توجيه إهانات للطرف الآخر عند حدوث كل مشكلة، فكل مشكلة يمكن تجاوزها وكل خلاف يمكن حله إلا الإهانات التي يتعرض لها زوج أو زوجة من شريك حياته، فمن الصعب أن يغفرها له، وبذلك تتعقد المسألة وترتفع حدة الغضب بين الطرفين ويحدث أبغض الحلال عند الله نتيجة هفوات من الزوج أو الزوجة .

. . إلا الإهانة

أستاذة الطب النفسي بجامعة عين شمس، د .هبة عيسوي، تؤكد أن اختفاء الصبر من حياتنا أدى إلى ارتفاع معدلات الطلاق، فكم من زوج تخلى عن زوجته عند أول خلاف بعد أن عاشت معه سنوات طويلة من الكفاح، وكم من زوجة تخلت عن زوجها لأنه فقد عمله أو ضاع ماله في تجارة .

وتقول: إن شكل العلاقة بين الزوجين هو الذي يحدد مدى الصبر بينهما، والزوجة في الغالب أكثر صبراً من الزوج، ومفتاحها للصبر هو احترامها وعدم إهانتها، فالزوج الذي يحترم زوجته ولا يهينها، سيجد منها صبراً ووفاء بلا حدود، أما الإهانة خاصة إذا كانت متكررة من الزوج لزوجته، كالتقليل من شأنها أو سبها، أو ذكر أهلها بالسوء . . إلخ، فإن ذلك يولد فيها كراهية هذا الزوج، وتضمر له الكراهية حتى لو استمرت الحياة الزوجية لوجود الأبناء .

وتضيف: الإنسان الذي يشعر بعدم صبر أقرب الناس إليه على عيوبه وهو شريك حياته لن يكون مستقراً نفسياً، فكل واحد منا يحتاج إلى أناس أوفياء يصبرون عليه، ويعيشون بالقرب منه، لمساعدته على حل مشكلاته، وتجاوز أزماته، وحتى يتحقق ذلك لا بد أن نعلم أولادنا وبناتنا أن الحياة الزوجية تحتاج إلى مزيد من الصبر، وأنها لا تسير على وتيرة واحدة ونحذرهم من ثقافة الاستغناء عن الآخرين فهي أسوأ ما يمكن أن يكتسبه الإنسان لأنه سيكون جامداً في مشاعره، حاداً في قراراته وسيجعل حياة المقربين منه جحيماً .

مفتاح السعادة

أستاذة علم الاجتماع، ومديرة المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، د .نسرين البغدادي، ترى أن الصبر المتبادل بين الزوجين يطيل عمر علاقتهما الزوجية، وتقول: كل من طرفي العلاقة الزوجية مطالب بالصبر على شريك حياته، فالزوج مطالب بالصبر على زوجته حتى لو كانت ناشزاً، لأن صبره عليها ومواجهة نشوزها بحكمة بعيداً عن العنف والقهر سيعيدها إلى عش الزوجية محبة ومطيعة لزوجها .

وتضيف: لا يجوز للزوج شرعاً ولا عرفاً أن يبدأ بهجرها أو ضربها بل عليه أن يصبر عليها أولاً وتقول: منهج الإسلام في التعامل بين الزوجين يؤكد أن الصبر مفتاح السعادة بينهما والحلول الإسلامية لنشوز الزوجة وعصيانها أكثر واقعية من الحلول التي جاءت بها الأنظمة الاجتماعية الأخرى، فالإسلام جاء بحلول واقعية ومثالية من شأنها أن تحقق الاستقرار الأسري والاجتماعي، وما يحدث من شكوى من الأزواج أو الزوجات يكون نتيجة تجاوز الحدود الشرعية وعدم الالتزام بما جاء به الإسلام من ضرورة الصبر على عيوب شريك الحياة .

وتضيف: علّم الإسلام الزوج كيف يصبر على زوجته حينما حتم عليه أن يبدأ في علاج نشوزها بوعظها وجعل من الأفضل أن يكون هذا الأمر في ما بينهما بحيث يوجهها إلى الخطأ الذي ترتكبه في حقه، أو في حق الأسرة، لكن في شكل نصيحة هادئة، لا يعرف بها أحد غيرهما، لأن الزوجة مهما بلغت درجة الخلاف بينها وبين زوجها، يظل في النهاية هو الأقرب إليها، فلا تجد غضاضة في أن تتنازل عن كرامتها معه، إذا لزم الأمر، فإذا ما امتد الخلاف بينهما إلى الآخرين وزجرها أمامهم فسينقلب الموقف عندها إلى عناد ومكابرة وترفض الخضوع للزوج .

كما تنبه د .البغدادي إلى أن الضرب والهجر يجب ألا يلجأ إليهما الزوج إلا عندما تضيق به السبل ويجد نفسه عاجزاً عن كسب ود زوجته من جديد .

وتشير أستاذة علم الاجتماع إلى أن الزوجة في أحيان كثيرة تقدم لزوجها المسوغات كي لا يكون صبوراً عليها وكيف للزوج أن يصبر على زوجة دأبت على عصيانه والاستهانة به وتحريض الأهل والأبناء عليه بل ويعيش معها في حالة من النكد المتواصل؟ وكيف له أن يكون وفياً صبوراً على من لا تصون ماله وعرضه؟

كفران العشير

الداعية الشهير د .مبروك عطية، الأستاذ بجامعة الأزهر، يوضح كيف يتحقق الصبر والوفاء في حياة الزوجين، ويقول: الحياة الزوجية متقلبة ما بين السعادة والشقاء والصفاء والخلاف، والزوجان المؤمنان إيمانا صادقا يجعلان من الصبر سمة أساسية لحياتهما الزوجية والزوجة الصالحة الوفية تصبر على زوجها وتعينه على مشكلات الحياة .

ويضيف: الحياة الزوجية تتقلب ما بين العسر واليسر والصحة والمرض، والمؤمن الصادق يثبت جدارته بالحياة في كل الأحوال، كما جاء في الحديث الصحيح، حيث يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس لأحد ذلك إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له . أما الزوجة التي تكفر العشير فتنسى لزوجها ما قدمه لها من خير ويتبخر عندها كل ما نعمت به طوال سنوات حياته معها فإن سلوكها منهي عنه، وحذر منه النبي صلى الله عليه وسلم النساء: لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئا قالت: ما رأيت منك خيراً قط . والزوجة التي تطلب الطلاق من زوجها من دون أسباب قهرية تجعل حياتها متعذرة أو متعسرة تدخل تحت حكم الحديث الذي ينهى عن كفران العشير .

علاج النشوز

وعن كيفية التعامل مع الزوجة في حالة نشوزها وكيف يستطيع الزوج تأديبها قبل أن يلجأ إلى تطليقها في حالة فشله في تقويمها يقول الدكتور محمد نبيل غنايم، أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة القاهرة: الأهم من التأديب هو كيفية هذا التأديب وعدم التسرع في الانتقال من مرحلة إلى مرحلة أخرى من دون محاولة الإصلاح أكثر من مرة وبصبر وحكمة وهدوء .

ويرى د .غنايم أن النشوز لا يصيب الزوجة فقط لكنه يصيب الزوج أيضا ووسائل العلاج في حالة نشوز الزوج تحتاج إلى تدرج أيضاً فعلى الزوجة أن تنصحه وتطلب منه المعاملة الحسنة بالأدب، وفي صورة رجاء، فإذا فشلت فلتلجأ إلى تحكيم الحكماء من أهلها وأهله لعلهم يردعونه عما فيه، وإن فشلت فعليها أن تصبر وتحاول مرات عدة أن توقظ قلبه إذا كان غافلا بالإحسان إليه والصبر على أذاه .

وعن الأزواج الذين يلجأون إلى ضرب نسائهم في حالة وقوع النشوز منهن من دون اللجوء إلى الوعظ والهجر يقول د .غنايم: في حالة حدوث النشوز من المرأة يأتي الضرب في المرتبة الثالثة للإصلاح فإذا لم يفلح الوعظ والهجر فقد يصلحها الضرب في إطاره الشرعي، فضرب الزوجات ليس مباحا على إطلاقه وليس مرفوضاً على إطلاقه وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تضربوا إماء الله فجاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ذئرت النساء على أزواجهن، فرخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في ضربهن، فأطاف بآل رسول الله صلى الله عليه وسلم نساء كثير يشتكين أزواجهن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد أطاف بآل محمد نساء كثير يشتكين من أزواجهن ليس أولئك بخياركم .