والقرآن الكريم في بنائه الأخلاقي للإنسان، جاء بكل ما هو راق ومتحضر، وسما بسلوكه فوق كل الصغائر، ورسم له حياة راقية تغلفها المعاني الإنسانية الرفيعة ليكون إنساناً سوياً، قادراً على التعايش والتعاون مع كل المحيطين به، مترفعاً عن الصغائر، متجنباً للرذائل، مجسداً صورة زاهية لدينه، ملتزماً في سلوكه وأخلاقه وتعاملاته مع الناس جميعاً بما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال عنه خالقه "وإنك لعلى خلق عظيم" .
" . . سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار"
برهان ساطع على قوة الإيمان، وصدق يقين المسلم بخالقه . . إنه الصبر الذي حث عليه القرآن الكريم في العديد من آياته، حيث إنه أكثر خلق ورد ذكره في كتاب الله، وقد جعله سبحانه خلقاً ملازماً للمسلم في كل أحواله، ووصف من يتحلى به من عباده بأجمل الصفات وأكمل الخصائص . . وقد قال بعض العلماء إن الصبر داخل في أكثر أخلاق الإيمان . . يقول الحق سبحانه في شأن بعض الصابرين: "والصابرين في البأساء - أي المصيبة - والضراء - أي الفقر وحين البأس - أي المحاربة أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون" .
وقد جعل القرآن الصبر وحده أساس صلاح وفلاح الإنسان في الآخرة ودخول الجنة واستحقاق التحية من الملائكة، فقال سبحانه في شأن الأبرار من عباده: "وجزاهم بما صبروا جنة وحريراً"، وفي شأن عباد الرحمن: "أولئك يجزون الغرفة - أي الجنة - بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما"، وفي شأن أولي الألباب من عباده الأخيار: "والملائكة يدخلون عليهم من كل باب . سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار"، وهكذا يحمل الصبر في طياته الكثير من شعب الإيمان وأخلاق الإسلام العظيمة . . إنه أساس كل الفضائل .
والصبر - كما عرفه علماء الأخلاق - هو: حبس النفس على ما يقتضيه الشرع والعقل، وعكسه الجزع يقول الحق سبحانه: "سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص"، فالجزع حزن يصرف الإنسان عما هو بصدده لشدة اضطرابه وذهوله، يقال: جزع فلان إذا عجز عن تحمل ما ألم به . . أما الصبر فهو تحمل للآلام بثبات لا ضعف معه، وباحتمال للمكاره من دون شكوى منها . . وهذا هو الصبر الجميل .
يقول أستاذ العقيدة وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر، د . محمد عبد الفضيل القوصي: الصبر قيمة رفيعة ترقى بسلوك صاحبها وتفرض على الآخرين احترامه وتقديره والتعامل معه برأفة ورحمة وحلم . . وهو يعني أن يلتزم المسلم بما يأمره به خالقه فيؤديه كاملا، وأن يتجنب ما ينهاه عنه، وأن يتقبل بنفس راضية كل ما يصيبه من مصائب وشدائد، ومن شأن المسلم الصادق في إيمانه أن يتحلى دائما بالصبر، ويتحمل المشاق، لا يجزع ولا يحزن لمصائب الدهر ونكباته، وذلك استجابة والتزاما بقول الحق سبحانه: "يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين" .
" . . لعلكم تفلحون"
ويضيف: المسلم مطالب بالصبر في كل الأحوال، لأن حياة الإنسان متقلبة ولا تستقر على حال، فالصحيح يمرض وعليه أن يصبر ويأخذ بالأسباب ويترك النتائج على الله، والغني قد يعتريه الفقر ويشعر بالحاجة، وهو مطالب بالصبر، والفقير الذي لا يجد ضرورات الحياة مطالب بالصبر وعدم النظر أو الحقد على الآخرين، وهكذا الحياة صراع دائم بين الخير والشر، والحق والباطل وعلى المسلم أن يعيش حياته بخيرها وشرها وأن يتعامل مع الشدائد والمصاعب والتحديات التي تواجهه بالصبر وقوة العزيمة حتى يتخطى العقبات بصبر جميل، وحكمة بالغة، وعقل مستنير، وعزيمة قوية، ذلك لأن الحياة التي نحياها ليست دار جزاء واستقرار، وإنما هي دار عمل واجتهاد، وامتحان وكدح من أجل الحصول على مطالبها، وكل ذلك يقتضي اختلاطاً بالناس الذين تختلف أمزجتهم وتتباين مصالحهم، وتتضارب مقاصدهم وغاياتهم .
إن المسلم مطالب في كل أحواله بأن يكون في يقظة دائمة، وصبر حكيم، وعزم مكين، حتى يتغلب على كيد أعدائه، وهنا يقول الحق سبحانه: "يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون" .
إن فضيلة الصبر هي التي تضبط سلوك المسلم في كل شؤون حياته، فهو أساس كل مكارم الأخلاق، والإنسان الصبور هادئ الطبع، متزن، مستقيم في فكره، معتدل في سلوكه يعرف كيف يتصرف في كل المواقف من دون ضعف أو سلبية أو خروج على منهج الله .
سلوك الأقوياء
والصبر سلوك الأقوياء وليس علامة ضعف واستسلام للواقع، كما يتوهم البعض، فهو سلوك إيجابي لا يصدر إلا عن إنسان لديه إرادة وقوة عزيمة، ولذلك يتسلح به المؤمن الحريص على رضاء خالقه، ولذلك وصف الله المؤمنين بالصبر، فقال تعالى: "والذين صبروا ابتغاء وجه الله" .
يقول د .القوصي: الصبر ليس سلبية في مواجهة مصاعب الحياة وتحدياتها، بل هو ضبط للنفس وتحمل للمشاق طمعاً في الأجر والثواب الذي كفله الخالق للصابرين، وهو يفرض على المسلم ألا يستسلم للواقع، بل يعمل ويكافح ويبذل الجهد والعرق ويسهر الليالي من أجل تغيير هذا الواقع .
والصبر يجسد قدرة الإنسان على الاحتمال وضبط النفس، ويترجم إيمانه بالغاية والهدف الذي يسعى إلى تحقيقه، وهو يتطلب - كما يقول أطباء النفس - قدرة فائقة على سيطرة الإنسان على نفسه وضبط لانفعالاته وهذا ليس في مقدور إلا هؤلاء الذين أنعم الله عليهم بالصبر والقدرة على الاحتمال، وعلى تحكيم تعاليم دينهم في سلوكهم العام، وخاصة ما يتعلق بمواجهة الشدائد والأزمات، ولهذا قال الله سبحانه في شأن هؤلاء الأقوياء تجسيدا في شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي تعرض لشدائد ومشاق ومظاهر اضطهاد من قومه ومن خصوم دعوة الحق: "واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور" .
ولعظم فضيلة الصبر قرنها الحق سبحانه بالصلاة في قوله تعالى: "يأ أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين"، وقرنها بالمرابطة في سبيل الله والتقوى في قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون" .
الصبر الجميل
وقد فند د . محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر الراحل - رحمه الله- مزاعم الذين يعتقدون أن الصبر علامة ضعف واستلام، فقال في مؤلفه "العقيدة والأخلاق": "الذين يتوهمون أن الصبر معناه الخنوع والاستسلام للواقع الذليل، والرضا بالهوان والضعف، والسكوت عن معالجة الأمور والتثاقل عن أداء الواجب مخطئون وواهمون، ذلك أنه لا أساس لما يرددون ويزعمون من النقل الصحيح أو من العقل السليم، لأن الصبر الجميل الذي مدحه الله تعالى هو الذي يحمل صاحبه على بذل أقصى الجهد لاعتناق الفضائل واجتناب الرذائل، وعلى السعي في الأرض بالطرق الشريفة لتحصيل المنافع التي أحلها الله تعالى، وللتعاون مع الغير على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان" .
والصبر الجميل - كما أوضح د . طنطاوي - هو الذي يدفع صاحبه لتخطي العقبات وتحمل التبعات من أجل نشر الأمان والسلام والرخاء، والعلم النافع، والخير الوفير بين الناس، ولذا قال بعض الحكماء: "الصبر هو تعويد النفس الهجوم على المكاره"، وليس معنى ذلك أن الصبر يناقض الإحساس بالحزن والشعور بالآلام، لأن هذا الشعور وذلك الإحساس أمران طبيعيان في كل نفس إنسانية سوية، وإنما الذي تأباه شريعة الإسلام هو الخضوع الخانع لهذا الإحساس، والتصرف الذي يأباه الشعور الإنساني السليم، كأن يجزع جزعا يدل على عدم رضاه بقضاء الله وقدره، وكأن يظهر من الهلع والخوف ما تأباه الرجولة ومكارم الأخلاق .
وفضيلة الصبر تدل على أن صاحبها قد تحلى بضبط النفس، وثبات القلب، ورباطة الجأش، وصدق الإيمان، وكمال الرجولة، لأن أثقال الحياة وتكاليفها وأحداثها لا يطيقها الضعاف والمهازيل، وإنما يطيقها أصحاب النفوس الكبيرة .
والصبر أشكال وأنواع، ولكل نوع مجالاته الواسعة، فهناك صبر على طاعة الله تعالى وأساسه أداء التكاليف الشرعية بإتقان وإحساس ومداومة وإخلاص، ولا شك في أن هذا الأداء الجامع لكل أنواع الفضل، يحتاج إلى جهد وتعب ومشقة وصبر على أداء هذه الطاعات . . وهناك صبر على المعاصي بالحرص الدائم على الابتعاد عنها، وهذا يكلف الإنسان ما يكلفه من صبر وتحمل ومعاناة، لاسيما في زمن كثرت فيه المغريات وصارت فيه الشهوات المحرمة قريبة المنال . . وهناك صبر على المصائب التي تصيب الإنسان في نفسه أو ولده أو ماله أو غيره ذلك من النوازل .
فما أحوجنا - نحن المسلمين - اليوم إلى فضيلة الصبر، وما أحوج أولادنا إلى هذا الخلق القرآني الجميل، لكي نعالج ما في نفوسهم من ضعف وجزع وعدم قدرة على تحمل مشاق الحياة ومصاعبها .