تمثل الصحف المجانية واحدة من أبرز الظواهر الجديدة التي بدأت تطفو على ساحة الصحافة العربية، وترتبط بالعديد من الشركات الإعلانية التي تعتمد على الترويج للسلع والمنتجات الأساسية بالمجتمعات عبر هذه الصحف. ومؤخرا تطورت الخدمة لتشمل صحفا مجانية أخرى لم تعتمد على الترويج والدعاية فقط، ولكنها شملت أيضا المواد التحريرية.

الظاهرة تجربة جديدة في العالم العربي، ومنه مصر، التي بدأت تتسع فيها الظاهرة بشكل لافت، وهو ما يسعى الخبراء والصحافيون إلى تفسيرها، وما إذا كانت في خدمة العمل المهني، أو كونها تقف بالخدمة عند محلك سر.

يرى الخبراء، أن الظاهرة ينبغي أن تكون إضافة حقيقية لما هو قائم من نماذج صحافية بتقديم المعالجة القوية لاهتمامات القراء وقضاياهم، بحرية مسؤولة وألا يختلط فيها الإعلان بالمادة التحريرية.

والواقع، فإن السوق الصحافي العالمي لم يكن بمنأى عن ظاهرة الصحف المجانية ويقول الكاتب الصحافي صلاح عيسى: كان من الضروري أن يتأثر السوق الصحافي المصري بما يجري حوله في السوق العالمي، إذ لا يمكن لجريدة أو ملحق إعلاني يتم توزيعه مجانا، ولا يضع نصب تركيزه أهمية العائد المادي، خاصة أن عمليات الإصدار لا تتم إلا من خلال دراسة وبحث يستغرقان وقتا طويلا، ولذلك فليس من الممكن قبول فكرة الصحف المجانية، من دون أن يكون وراءها دوافع ربحية.

ويرى عيسى أن هذه الصحف نجحت في إغراء القراء على متابعتها بل وقيامهم بتوزيعها مجانا، من دون اللجوء إلى شركات توزيع الصحف، حتى لا تزيد أعباء على مواردها المالية.

والخطورة التي يحذر منها عيسى أن يكون الإعلان الغالب على مثل هذه الصحف، في الوقت الذي تبدو فيه الملاحق الإعلانية معتمدة بشكل أساسي على الإعلانات، ولذلك يبدو تركيزها في الأصل على الإعلانات، على عكس الصحف التي تتبنى المادة التحريرية، وتعمل من خلالها على جلب الإعلانات.

ويلتمس عيسى لمثل هذه الصحف مبررها في اعتمادها على الإعلانات، كونها تصدر في شكل مجاني، في الوقت الذي أصبحت فيه صناعة الإعلام ومهنته مكلفة للغاية، وإن كان لا يرى أن يكون ذلك دافعا لهذه الصحف بالخلط مثلا بين الإعلان والتحرير، حتى لا يظهر خلل جديد في سياستها بعد أن طغت على سياستها التحريرية المادة الإعلانية بشكل كبير.

ولا يرى أن مثل هذه الظاهرة يمكن أن تهدد أو تكون بمثابة منافس حقيقي وفاعل لما هو قائم من صحف، وذلك لأن دور هذه الصحف، كما يقول، إعلاني بالدرجة الأولى، وتعتبره مشروعا تجاريا، الهدف منه تنشيط الإعلانات.

وحسب الرأي الأكاديمي، فإن الخبراء يعتبرون التجربة موجودة بشكل كبير في دول أوروبا وأمريكا، حتى أصبح توزيع هذه الصحف يفوق الصحف المدفوعة الأجر، ونجحت في تحقيق جماهيرية كبيرة، لكونها تعالج قضايا مهمة تهم القطاع الكبير من القراء.

هذا الرأي يذهب إليه الدكتور سامي الشريف، الأستاذ في كلية الإعلام بجامعة القاهرة، حيث يؤكد أن مثل هذه النوعية في الغرب، نجحت في أن تقدم نموذجا فعليا للصحف المجانية، بمفهومها المعروف، أما ما هو قائم، حسب قوله، فإن هناك بعض الملاحق الإعلانية التي تصدر، لا ينبغي وصفها بالصحف، أو تصنيفها في إطارها.

ويرى أن الظاهرة تجربة مفيدة للغاية، إذ أنها يمكن أن تساهم في تشجيع المواطنين على القراءة لكونها صحفا مجانية لن تتطلب منهم أعباء مالية، يمكن أن تثقل كاهلهم الاقتصادي.

ومن بين الصحافيين الذين خاضوا التجربة لإصدار مثل هذه النوعية من الصحف، يأتي الكاتب الصحافي سمير رجب، رئيس تحرير جريدة 24 ساعة المجانية الذي يؤكد أن التجربة جديدة بالفعل في العالم العربي وخاصة في مصر، ولذلك فإنه لابد من الاستفادة منها وتطويرها.

ويتوقع سمير رجب أن تتطور هذه الظاهرة بعد تجربة صحيفة 24 ساعة، وتدشينها لنوعية جديدة من الصحافة في مصر، خاصة أنه مع الزيادة السكانية الهائلة في مصر، حسب قوله، فإن السوق الصحافية تسمح بصحف جديدة، خاصة إذا كانت متنوعة وجديدة عما هو قائم من تجارب صحافية متنوعة.

ولا يرى رجب للسياسة الإعلانية تأثيراً على المادة التحريرية للصحيفة المجانية التي يترأس تحريرها، ويقول: نحن نعمل فيها بمنطق ومعيار المهنة، ووفق ضوابطها المعروفة والالتزام بالقواعد والضوابط الصحافية، التي نحرص على تطبيقها، وينبغي أن يعمل بها كل من يعمل في المجال الصحافي.

ويؤكد رجب أن سياسة جريدته تعتمد على الحيادية والموضوعية في تقديم المادة الصحافية، دون أن يطغى عليها الإعلان التجاري، والذي يعد ضرورة لأية وسيلة أو جهاز إعلامي، باعتبار الإعلام صناعة مكلفة للغاية. ويتوقع رجب أن تنجح التجربة الجديدة في مصر، لتكون بداية لمرحلة صحافية جديدة.

ويرهن الدكتور عدلي رضا رئيس قسم الإذاعة والتلفزيون في كلية الإعلام في جامعة القاهرة نجاح هذه التجربة، بما تقدمه هذه النوعية من الصحف الجديدة على السوق الصحافية المصرية والعربية حيث ينبغي أن يعتمد المحتوى الذي تقدمه على اهتمامات القراء وتناول قضاياهم ومشاكلهم واهتماماتهم ومراعاة الضمير الصحافي بالدرجة الأولى ويضيف: نجاح أية صحيفة يعتمد على ارتباطها بأجواء الحريات، وبقضايا الجمهور، حتى لا تصبح صورة كربونية مما هو قائم من صحف، ولتكون نموذجا حقيقيا في الشكل والمحتوى.

ويبدي عدلي رضا خشيته من سيطرة الإعلان على مثل هذه الصحف المجانية، فيتأثر المضمون الصحافي بها، وتنعكس عليه، ويرى أن الصحف المجانية على وجه العموم، تعد عنصرا جاذبا للقراء بل وذات تأثير كبير منهم، نظرا لتوزيعها مجانا، الأمر الذي يجعلها نوعية مهمة من الصحف، والتي ينبغي أن تستثمر ذلك في أن تكون منافسا قويا لما هو قائم في السوق الصحافية، وذلك بتقديم المعالجة الجادة لاهتمامات القراء، والتعرض فيها لكافة الآراء الموضوعية.