تدور العلاقات الاجتماعية في شبكتين منفصلتين - العائلة والأصدقاء - . وفي المجتمعات التقليدية، يرتبط كل فرد ارتباطاً مباشراً بباقي أفراد المجتمع، سواء كانت الصلة قرابة رحمية، أو بحكم التداخل الذي تحكمه الأعراف والتقاليد . أما في المجتمعات الافتراضية، كمواقع التواصل الاجتماعي فإن هذا لم يعد صحيحاً، إذ يعيش الفرد بين حشد من الغرباء، المتوهمون بأنهم أصدقاء . تعيش الكائنات الحية، في مجموعات رهينة لبيئتها، حول مصادر الحياة التي تجمعها كالغذاء والماء والمناخ . وكذا الحال عند مدمني المواقع الاجتماعية . إذ يعتقد الكثيرون، أنها بمثابة مجتمعات من نوع آخر للإنسان . علاقات المشتركين به مبنية على مفاهيم مجتمعية، تتشابه إلى حد ما - حسب معتقداتهم - مع تلك التي تجمع آخرين بالعوالم الحقيقية .
لأن كل كائن حي لا يحتاج إلى توظيف ذكائه أكثر من اللازم، كي ينسجم ويعيش في مجموعة، فإن مواقع التواصل الاجتماعي، مثل فيسبوك والمنتديات العادية، لا تحتاج إلى معرفة التفاصيل الشخصية عن كل عضو لبناء علاقات معه تمتد إلى أبعد ما يكون، وإنما يتوجب على كل عضو أن يكون على دراية جيدة بالحاسب الآلي الذي يمثل نافذة لمجموعته .
وكانعكاس لهذا، فإن هناك علاقة بين القدرة العقلية للفرد، وتصرفات المجموعة الاجتماعية التي ينتمي إليها . وبعبارة أخرى، يبدو -علمياً- أن حجم الدماغ هو الذي يحدد خريطة طريق لعلاقات الفرد .
وثبت علمياً، أن الارتباط بين حجم المجموعة وحجم المخ لدى الإنسان، وربما عدد قليل من الثدييات الأخرى، مثل الدلافين والخيول والكلاب والفيلة، يتطور حسب حجم الدماغ، حيث يكبر حجم الدماغ بشكل غير عادي في الأنواع التي تعيش تحت مظلة إدارة عقول أخرى .
ويزيد حجم مجموعة إذا كانت لها إدارة تهتم بترتيب أمورها الداخلية وتعمل بصورة متواصلة على فض النزاعات التي تنشب داخلها . ويركز الفرد جهده الاجتماعي في علاقاته ليضمن أن هؤلاء الأصدقاء سيساعدونه عندما يحتاج إليهم . وفي الوقت نفسه، وبهذا التصرف الفطري، فهو يحافظ على تماسك المجموعة، أو الشبكة الاجتماعية الموجود بداخلها، والتي تشبه التسلسل الهرمي المتداخل .
ولم يكتشف العلماء حتى الآن، كيف تحافظ القرود على مثل هذا التوازن الاجتماعي، لكن الشيء المهم هو أنها تستطيع تقدير منظور معتبر للفرد داخل المجموعة . وهذا المفهوم عند البشر، عرّفه العلماء بنظرية العقل أو mentalising، وهو مفهوم يدل على أن أي شخص لديه أفكار ومعتقدات تختلف بصورة أو بأخرى عن مفاهيم الشخص الآخر .
وتكشف تجارب مسح دماغ الأشخاص الذين يقومون بالمهام داخل المجموعة، عن استخدامهم الكثير من النشاط العصبي في هذه العمليات المعرفية، وخاصة في الفص الجبهي من المخ .
ولصعوبة الانسحاب من علاقات ذوي القربى، فإن الأسر الكبيرة هي في الواقع أقل حظاً في علاقاتها مع الأصدقاء . والسبب أنه عندما تكون الأسرة ممتدة ولها عدد أكبر من الأعضاء، تقل الحاجة للمساعدة من الأصدقاء، وإن كانوا حميمين .
والعلاقة أياً كانت في الأسرة أو الأصدقاء، فهي علاقات تختلف في نواح أخرى مهمة أيضا . إحداها هو أن الصداقات مهما كانت، فهي عرضة للإهمال . لأن عدم رؤية صديق لمدة ستة أشهر أو نحو ذلك يقلل العاطفة بين الطرفين، ما يؤدي إلى إسقاط العلاقة إلى أسفل طبقات هرم العلاقات في المجموعة . وعلى النقيض، فهي ربما تكون مرنة بشكل لا يصدق، فإن تعرضت للإهمال، ستعود بمجرد إحيائها من جديد، لذلك، فإن العلاقات في الشبكات الاجتماعية تظل راسخة طوال حياتنا في حين أن عنصر مثل الصداقة يخضع لتغير كبير على مر الزمن .
وعلى الرغم من أن متوسط علاقات الشخص في الشبكة الاجتماعية، يحتوي على حوالي 150 من الأصدقاء، فإن هناك تفاوتاً كبيراً من الناحية الفردية . فبعض الناس لهم أقل من 100 صديق، وقد يكون 250 أو أكثر، وأسباب ذلك ثلاثة رئيسة: هي المساواة بين الجنسين، واختلاف المهارات الاجتماعية والعلاقات الشخصية .
وتحدثت مجلة ليوساينتت عن العوامل الثلاث مشيرة إلى أن المهارات الاجتماعية عامل مهم عند إدارات هذه المواقع لإدارتهم لعالم وهمي يمكن وبكل بساطة وصفه بالمعقد والمتغير باستمرار . فهم - إدارة شبكات التواصل الاجتماعي-، يعتمدون على مهارات الإنسان في فهم الطرف الآخر . والمثال لذلك أن المرأة تميل إلى امتلاك أكبر مجموعة من الأصدقاء وهي في ذلك أفضل من الرجل، وليس من المستغرب أن لدى المرأة، وفي كثير من الأحيان، مواقع اجتماعية ذات أعضاء أكثر بكثير من المواقع التي تنحصر على الرجال .
وتلعب الخصوصية دوراً مهماً في تكوين العلاقات في شبكات التواصل الاجتماعي . فعلى سبيل المثال، يهتم المشتركون بكتم أمورهم الشخصية ولديهم عدد أقل من الأصدقاء والعكس صحيح . وبمعنى آخر، فإن الأشخاص المنفتحون يحصلون على دوائر صداقات اجتماعية أكبر من الانطوائيين .
وللتكتلات الاجتماعية آثار سلبية وإيجابية على حياة الفرد، منها، التدخين أو الإقلاع عنه، السعادة أو الاكتئاب، بناء علاقة أو فقدها مع عدد من الأصدقاء . ويمكن أيضاً لشبكات التواصل الاجتماعي أن تساعد في الخروج من الأزمات النفسية عن طريق إيهام النفس بمدى قوة العلاقة بين الأصدقاء الموجودين على قائمة المشترك الخاصة، وهذه تبدو وكأنها ضبط للجهاز المناعي، وتجعل الشخص أكثر قدرة على مقاومة المرض . والسؤال هنا: ما هي العوامل التي تؤثر في شكل ووظيفة الشبكات الاجتماعية؟
أثبتت التجارب العلمية، أن المستوى العقلي يتوافق مع حجم الفئة الاجتماعية، ومن هذه العلاقة فإنه نتوقع أن يكون حجم الجماعة البشرية بنحو 150 شخصاً، وهو ما يعرف برقم دنبار، وعدد دنبار هو مقترح تقديري لعدد الأشخاص الذين يمكن لهم أن يحفظوا علاقاتهم الاجتماعية . وتاريخيا، كان هذا الرقم هو متوسط - حجم أبناء القرى الإنجليزية، وهو عدد أفراد وحدة من الجيش، وعندما يتجاوز العدد ال ،150 فسيكون أعضاء المجموعة مجرد معارف .
وروبن دنبار هو أستاذ علم الأجناس البشرية في جامعة أكسفورد، وزميل في الاكاديمية البريطانية، ومهتم بشكل خاص في بنية وديناميكية الشبكات الاجتماعية والإنسانية وآثارها على تماسك المجتمع . والرقم ،150 جاء ضمن بحثه الذي يركز على تطور السلوك الاجتماعي .
ونتيجة لذلك، فإن تجاوز هذا الرقم، يمكن أن يسبب مشاكل في المجموعة لاسيما في الشركات والجيش، منها الزمن الذي تستغرقه عمليه تمليك المعلومة . والمثال حرب ''القرم''، التي شهدت بطء في نقل التعليمات ساهم في إرباك الجيوش الإنجليزية في معركة بلاكلافا التي خاضتها ضد الروس نهاية القرن ال ،18 والسبب كثرة عدد القوات وعدم تقسيمها إلى مجموعات متكافئة .
واليوم احتوى العسكريون، هذه المشكلة بتقسيم القوات إلى مجموعات -الصغرى داخل الكبرى - بطريقة إدارية صارمة ترتكز على طاعة كبار المسؤولين . في حين أن الإنسان الطبيعي، يخصص أكثر من 60 % من وقته لأقرب 5 أصدقاء، وعليه فإن الوصول إلى الحافة أي الرقم 150 شخصاً، فإننا سنلاحظ أن بعضهم سيحظى بلقاء واحد في السنة أي بالمناسبات أعراس كانت أو مآتم .
يقول مارك غرانوفيتر خبير علم الاجتماع في جامعة ستانفورد في كاليفورنيا: الأشخاص الذين تربطنا بهم علاقات ضعيفة، في شبكات التواصل الاجتماعي، مفيدون بشكل خاص في العالم الحديث، فمن خلالهم نعثر على الوظائف الشاغرة وغيرها من الفرص الاقتصادية أو الاجتماعية .
وعلى الرغم من الفرص التي قدمتها الثورة الرقمية، فإن مردود الاستخدام لا يخلو من بعض المآخذ . أحدها هو أن علاقات الانترنت لا تتعدى كونها فقاعة تزول وتتلاشى دون أن تترك أي أثر . لأننا لا نرى الناس الذين نتحدث إليهم، وإنما الصورة التي هم عليها مرهونة فقط داخل عقولنا وخيالنا . فنحن نعزو لهم كل السمات الجيدة التي نرغبها فيهم أو نتمناها أن تكون في الشريك المثالي . وهذا يجعل من السهل جداً الوقوع في شراك كل نوع بشري، ويعتقد أن خسائر عمليات الاحتيال الرومانسي عبر الإنترنت تتعدى ال 2 مليار دولار سنوياً على الصعيد العالمي .
والمشكلة الثانية هي أن الأطفال يقضون مع أصدقائهم الكثير من الوقت على شبكات ومواقع التواصل الاجتماعي بدلاً من الالتقاء بهم وجهاً لوجه . في حين يجب على الطفل مواجهة أصدقائه ليتعلم طرق التفاوض والحوار، لأن النقاش لا يكون مجدياً عبر الإنترنت، إذ يمكن للطفل الانسحاب والهروب من واقع ربما- عليه مواجهته ولهذا انعكاسات تربوية سلبية .
توفر التكنولوجيا الرقمية الجديدة، فرصة التعمق في سلوك البشر عند التواصل الاجتماعي . فالهواتف التي تدعم تقنية البلوتوث، على سبيل المثال، يمكنها الكشف عن أي جهاز على بعد 5 أمتار، وبالتالي يمكن استخدامها لتحديد معلومات خطيرة وخاصة للشخص الآخر . وهذا يتيح لنا استكشاف هيكل وديناميكية الشبكات الاجتماعية، حيث أظهرت دراسة حديثة، أن المشتركين يقللون الوقت الذي يمضونه في اتصال مع معارفهم ويبالغون في الدردشات مع الأصدقاء، إذ ومن الممكن أيضا لاستخدام صديق واحد للوصول إلى الملايين من الناس في وقت واحد .
وكسياسة إدارية، اعتمدت مواقع الشبكات الاجتماعية على أهم جوانب السلوك الإنساني، وهي الالتزام والحفاظ على الأصدقاء، في وقت كثرت فيه ظواهر الصداقة المهملة التي تتلاشى تدريجياً .
ولا يمكن لشبكات الإنترنت أن تزيد عدد الصداقات ولا الحفاظ عليها، لأن ذلك يخضع لقيود نفسية الشخص المشارك . وهنا تكمن المعضلة: إذ يجب عليه التواصل مع أصدقائه القدامى أو مواجهة علاقات جديدة فرضت نفسها عليه . ولكن السائد، أن معظم المشتركين، يميلون إلى الصديق الجديد، وإن كانت مواكبة القديم تبدو لطيفة إلى حد ما.