الصداقة أسمى علاقة إنسانية في الوجود، فهي اندماج شخصيات مختلفة في علاقة ومشاعر واحدة، حيث اقتضت حكمة الله، عز وجل، في خلقه أن جعل الإنسان ميالاً بطبعه إلى مخالطة الآخرين ومجالستهم والاجتماع بهم، وهذه المجالسة لها أثرها الواضح في فكر الإنسان ومنهجه وسلوكه، وربما كانت سبباً فعالاً في مصير الإنسان وسعادته الدنيوية والأخروية، أو شقائه وانحرافه.
وقد اهتم علم الأخلاق الإسلامي بقيمة الصداقة، ورفعها فوق كل العلاقات الاجتماعية، فالصداقة هي علاقة مودة قوية، وهي عاطفة مكتسبة تخضع لاختيارات الإنسان، منشؤها التعاطف والمشاركة في الميول والمشارب، وأساسها المساواة بين الأصدقاء، وتعززها المخالطة والمصاحبة.
وللصداقة دور مهم في بناء المجتمع وعلاجه من الفساد، فحين تسود أفراده الصداقة التي من شروطها المحبة والتواد، وانتفاء المصلحة الفردية والعداوة والبغضاء، يتحررون من الأنانية، فالصداقة هي البديل للعداوة والتخاصم.
تناولت قيمة الصداقة بالحديث والدراسة طائفة كبيرة من المسلمين، كان بينهم أدباء وشعراء وفقهاء ومفكرون، وأفاض في تناولها وتوضيح آدابها ابن المقفع وابن حزم والماوردي، وأبرز من تناول الصداقة عند المسلمين جماعة «إخوان الصفا»، حيث اهتموا بها اهتماماً بالغاً، وأولوها عناية كبيرة، وأفردوا لها رسالة خاصة من بين رسائلهم المعروفة ب«عشرة إخوان الصفا». كما اهتم بها من علماء الأخلاق المسلمين «أبو حيان التوحيدي»، وخصص لها رسالة بعنوان «الصداقة والصديق»، وهي أحد المصادر الجامعة لأقوال الأدباء وأرباب اللغة في الصداقة وأحوال الصديق. وقد حظيت قيمة الصداقة باهتمام كثير من علماء الحضارة الإسلامية، مثل الفارابي ومسكويه وابن سيناء والغزالي.
حامل المسك ونافخ الكير
يقول د. محمد عبد الفضيل القوصي، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر: عني الإسلام كثيراً بقيمة الصداقة، وحث على تخير الأصدقاء الذين يكونون عوناً وسنداً للإنسان في السراء والضراء، والذين يخلصون النصيحة له، ونشر كل ما هو راقٍ من السلوك بين الأصدقاء، وأقام العلاقة بين الأصدقاء على الحب والإخلاص والوفاء والإيثار والعفو والتسامح.
وورد الحديث عن هذه القيمة في القرآن الكريم في قول الله تعالى: (فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ)، وهو شأن كل من ضل الطريق، وسار في طريق الغواية والانحراف، فهو لا يجد من يشفع له، ولا يجد من يخلصه النصيحة من الأصدقاء.
وقد أخلص رسول الله، صلى الله عليه وسلم، النصيحة لكل المسلمين باختيار الصديق الصالح الذي يكون عوناً للإنسان في كل المواقف يعضده عندما يحتاج إلى ذلك، ولذلك حث على ملازمة الجلساء الصالحين، وحذر من الجلساء الفاسدين؛ وذلك لما للرفقة والمجالسة من تأثير في الفرد في حياته وسلوكه، فإذا كانت الرفقة صالحة، فإنها تقوده إلى الخير، وتدله عليه، وإذا كانت سيئة، فإنها ستقوده إلى الشر لا محالة. وقد ضرب رسولنا الكريم مثالاً لتأثير الصديق في حياة الإنسان وفكره ومنهجه وسلوكه، حيث قال، صلى الله عليه وسلم: «إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك - يعطيك - وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحاً خبيثة»، (ونافخ الكِير هو الحداد الذي يصهر الحديد، وينفخه فيتطاير منه الشرر).
فالرسول يشبه الجليس الصالح بحامل المسك أو الطيب، إما أن يعطيك مسكاً أو طيباً على سبيل الهدية، أو أن تشتري منه، أو تجد منه ريحاً طيبة، والجليس الصالح يخلص لك النصيحة، ويغفر زلتك، ويقيل عثرتك، ويستر عورتك، وإذا اتجهت إلى الخير حثك عليه ورغبك فيه، وبشرك بعاقبة المتقين وأجر العاملين، وأعانك عليه، وإذا تكلمت بسوء أو فعلت قبيحاً منعك عنه بلطف، وحال بينك وبين ما تريد، فواجب الصداقة وحسن العشرة بين الأصدقاء يفرض عليه أن يفعل ذلك.
جسد واحد
كما وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ضرورة الإخلاص في الصداقة، وأن تتجرد علاقة المودة والمحبة بين الأصدقاء من كل الأهواء والمصالح الدنيوية، ولذلك قال في الحديث الصحيح: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار».
فقوله عليه الصلاة والسلام «وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله» إشارة إلى الحب والمودة والرحمة التي تجمع بين الأصدقاء، فهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه جزء تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، وهم كالبنيان يشد بعضه بعضاً، قال صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه جزء تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»، وقال: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً». وأسباب الحب بين الناس كثيرة ومتنوعة، ويجب أن ترقى فوق كل المنافع والمصالح، وأن تكون متجردة عن كل هوى، فالصديق الصالح قدوة حسنة، وعون على الخير، وحفز للهمة للإسهام في جميع مجالات البر، فمن أحب إنساناً أحب صحبته، واحتذى حذوه واقتدى به واهتدى بهديه، وكان على الخير دليله. أما في الآخرة فحسب الأصدقاء الرفقة التي أكرمها الله برضوانه، وما أعد لهم من نعيم مقيم، حيث يقول سبحانه: (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ، يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ).
وإذا كان الإسلام قد نشر بين الناس جميعاً قيم الوفاء والإخلاص والتسامح والرحمة، فهي في محيط الأصدقاء أولى، ولذلك هذب الإسلام العلاقة بين الأصدقاء، وجردها من كل هوى.