ليس أبو جهل وحده، بل إن قريشاً كلها شهدت له صلى الله عليه وسلم بالصدق على جبل الصفا حين دعاهم لينذرهم ويبلغهم أنه رسول من الله إليهم، فحين نزل عليه قوله تعالى: وأنذر عشيرتك الاقربين، صعد النبي على جبل الصفا ودعاهم إليه، فلما اجتمعوا أمامه، قال: أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً تخرج بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقي؟ قالوا: ما جربنا عليك كذباً، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، وتكفيه شهادة ربه فيه، فقد شهد عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم بخلق الصدق فقال تعالى: والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون .
دع ما يريبك
وكما كان الصدق هو خلقه صلى الله عليه وسلم فقد كان أعلى شجرة الهدي النبوي الشريف، حيث وردت في السنة أحاديث كثيرة في فضل الصدق، جعلته على رأس القيم النبيلة التي تدعو إلى كمال النفس، والسمو بها، وأوضح لنا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم آثار الصدق والكذب النفسية فيما صح عن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما أنه صلى الله عليه وسلم قال: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الصدق طمأنينة، والكذب ريبة، فالصادق مطمئن النفس، منشرح الصدر، عالم بأنه أخبر بالحق، ونطق بالصدق، فلا يخشى أن ينكشف شيء على خلاف ما قاله، وعنده توافق بين ظاهره وباطنه، فلا تناقض ولا تعارض، بينما الكذب يبقي صاحبه في شك وحيرة واضطراب فلا هو مطمئن ولا متوافق مع نفسه، وبين لنا نبينا مآل كل منهما في الحديث الذي يرويه الشيخان وغيرهما عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: إن الصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، والكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً .
وأعظم ما في الصدق أنه يقود صاحبه إلى الجنة، وهذا هو الفوز العظيم، وقد ضمن صلى الله عليه وسلم الجنة للصادقين؛ فعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اضمنوا لي ستاً من أنفسكم، أضمن لكم الجنة: اصدقوا إذا حدثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدوا إذا ائتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم .
ليست الجنة فقط، بل يضمن صلى الله عليه وسلم لمن يترك الكذب أن يكون له بيت في وسط الجنة، وشهادة الضمان ينقلها إلينا أبو أمامة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: أنا زعيم ببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب، وإن كان مازحاً . وهذا هو الربح الأوفر لأهل الصدق، وأي ربح أعظم من الجنة، ومن بيت في ربضها؟
علامة المؤمن
والصدق هو علامة المؤمن التي يعرف بها، كما أن الكذب علامة المنافق، وقد روت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: يعرف المؤمن بوقاره، ولين كلامه، وصدق حديثه، والكذب لا يمكن أن يكون من بين الصفات التي يعرف بها المؤمن، وقد سئل صلى الله عليه وسلم: أيكون المؤمن جباناً؟ قال: نعم، قيل: أفيكون بخيلاً؟ قال: نعم، قيل: أفيكون كذاباً؟ قال: لا، ذلك أن أصل أعمال الخير كلها الصدق، والكذب أصل كل خلق غير حسن .
والمؤمن مطلوب منه الصدق في الأقوال وفي الأفعال وفي الأحوال كلها، مطلوب منه أن يكون صادقاً مع ربه أولاً، ثم مع نفسه ومع الناس جميعاً، فالصدق هو الباب الموصل إلى الفلاح، وقالها النبي صلى الله عليه وسلم للرجل الذي سأله عن الإسلام فلما أجابه صلى الله عليه وسلم قال الرجل والله لا أزيد على ذلك ولا أنقص، فقال النبي: أفلح إن صدق . والقصة يرويها البخاري ومسلم عن طلحة بن عبيد الله قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خمس صلوات في اليوم والليلة، فقال: هل علي غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وصيام رمضان، قال: هل علي غيره؟ قال: لا، إلا أن تطوع، قال: وذكر له رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة، قال: هل علي غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع، قال: فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفلح إن صدق .
أقوال خالدة
وتأسى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم به، فصدقوا ربهم وصدقوا نبيهم وصدقوا مع أنفسهم ومع الناس ومع عقيدتهم، وقد عبروا عن وعيهم بقيمة خلق الصدق فقالوا فيه أقوالا خالدة، وانظر إلى قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو يوصي بالصدق فيقول: عليك بالصدق وإن قتلك . وقال أيضاً: لأن يضعني الصدق، وقل ما يفعل، أحب إلي من أن يرفعني الكذب، وقل ما يفعل . وقال أيضاً: قد يبلغ الصادق بصدقه ما لا يبلغه الكاذب باحتياله، وقال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: أربع من كن فيه فقد ربح: الصدق والحياء وحسن الخلق والشكر . ومن أقوال خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز رحمه الله: ما كذبت مذ علمت أن الكذب يشين صاحبه، وقال الإمام الأوزاعي رحمه الله: والله لو نادى مناد من السماء أن الكذب حلال ما كذبت، وقال يوسف بن أسباط رحمه الله: لأن أبيت ليلة أعامل الله بالصدق أحب إلي من أن أضرب بسيفي في سبيل الله . وقال الشعبي رحمه الله: عليك بالصدق حيث ترى أنه يضرك فإنه ينفعك، واجتنب الكذب حيث ترى أنه ينفعك فإنه يضرك . وقال عبد الملك بن مروان لمعلم أولاده: علمهم الصدق كما تعلمهم القرآن .