(والأرض ذات الصدع (الطارق: 12) .

يقسم الله تعالى في سورة الطارق بالعديد من الآيات الكونية كالسماء والطارق وتوصف السماء بأنها ذات الرجع ويقسم بالأرض وتوصف بأنها ذات الصدع وهذه الحقيقة الأخيرة كشف العلم الحديث عنها بصورة واضحة ومتطابقة مع هذا الإخبار الإلهي، وبالتالي نفهم أن هذا القسم إشارة إلى أهمية ما يقسم الله تعالى به، ونتساءل إزاء هذه الآية: ما أهمية وجود صدوع في كرتنا الأرضية؟

يقول صاحب اللسان: الصدع هو الشق في الشيء الصلب كالزجاجة والحائط وغيرهما، وجمعه صدوع وقوله عز وجل: يومئذ يصدعون قال الزجاج: معناه يتفرقون فيصيرون فريقين فريقاً في الجنة وفريقاً في السعير، وصدع الشيء فتصدع فرقه فتفرق، والتصديع التفريق . ويقول ابن كثير في تفسيره: والأرض ذات الصدع قال ابن عباس: هو انصداعها عن النبات وكذا قال سعيد بن جبير وعكرمة وأبو مالك والضحاك والحسن وقتادة والسدي وغير واحد . ومن الناحية العلمية تعد الصدوع التي تقطع القشرة الصخرية الخارجية من الأرض لعشرات الآلاف من الكيلومترات، وفي جميع الاتجاهات، ولأعماق تصل إلى ما بين 65 إلى 150 كم، من أبرز علامات الكرة الأرضية، ولم تكتشف هذه الصدوع إلا بعد الحرب العالمية الثانية، وتم شرحها من خلال نظرية الألواح التكتونية التي تمت صياغتها في أواخر الستينات وأوائل السبعينات من القرن الماضي، علماً بأن القرآن الكريم وصف الأرض من قبل ألف وأربعمئة سنة بأنها ذات صدع . والحقيقة أن هذه الشبكة الهائلة من الصدوع العملاقة أو الأودية الخسيفة التي تمزق الغلاف الصخري للأرض تحيط بالأرض إحاطة كاملة في كل الاتجاهات ويتصل بعضها ببعض وكأنها صدع واحد .

صدوع في قيعان المحيطات

في الآونة الأخيرة اكتشف علماء الجيولوجيا أن الطبقة الصخرية الخارجية للكرة الأرضية والمعروفة بالليثوسفير والتي يبلغ سمكها في قيعان المحيطات نحو 65 - 70 كم وتحت القارات نحو 100-150 كم مقسمة إلى شبكة من الصدوع العميقة يبلغ عددها اثني عشر لوحاً صلباً، إضافة إلى ألواح صغيرة عدة تسمى لويحات . وتطفو هذه الألواح على طبقة بلاستيكية شبه منصهرة معروفة بالطبقة، وتتحرك بحرية نحو بعضها أو متباعدة أو متجاوزة بعضها . ويقول العلماء إن ألواح الليثوسفير هذه متحركة بشكل مستمر على سطح الكرة الأرضية، وبما أنها تحمل فوقها القارات فإن القارات أيضاً دائمة التحرك إما نحو بعضها وإما متباعدة . وبشكل عام تشكل هذه الصدوع شبكة من المناطق الصدعية التي تحيط بالكرة الأرضية، وعلى طول هذه الصدوع تتم عملية الانفراج والتقارب والتجاوز بين ألواح الليثوسفير، كما تمثل هذه الصدوع ممرات من أجل تسرب الحرارة المحبوسة تحت طبقة الليثوسفير (بشكل مستمر وهادئ) وتدفق الصهارات . وترتفع الصهارات بسبب قلة كثافتها في بؤر عدة حارة في أعماق الغطاء الخارجي للأرض، ثم تنخفض ثانية حين تبرد متسببة في إنشاء تيارات الحمل الحراري، وتتسبب هذه التيارات في تحريك ألواح الليثوسفير وإنشاء تحركاتها التقاربية والانفراجية والتجاوزية، حيث يحدث الانفراج في الجزء المتصاعد لتيار الحمل الحراري ويحدث التقارب في الجزء المنخفض . ولا تقتصر عمليات الانفراج والتقارب والتجاوز لألواح الليثوسفير على قيعان المحيطات، بل تحدث أيضاً عند حواف القارات وداخلها . فمثلاً يتسع شق البحر الأحمر بنسبة 3 سم في السنة وشق خليج كاليفورنيا بنسبة 6 سم في السنة، ولقد تسبب تصادم اللوح الهندي مع اللوح اليوروآسيوي وتآكل اللوح المحيطي الذي كان بينهما في تكوين سلسلة جبال الهمالايا التي تعد أعلى قمم على سطح الأرض .

تشكل القارات

ويشير الباحثون إلى أن القارات كانت منذ نحو 500 مليون سنة في أماكن مختلفة تماماً عن مواقعها الحالية، وتسببت تيارات الحمل الحراري في تحريك تلك القارات الفتية إلى أن تجمعت مع بعضها البعض منذ نحو 200 مليون سنة، لتكون قارة وحيدة ضخمة يسميها العلماء (بانجيا) ومحيطاً وحيداً ضخماً سمي (بانثالاسا) .

وكان الليثوسفير يمثل غطاء يمنع تسرب الحرارة من داخل الكرة الأرضية وتسببت الحرارة المحبوسة في تكوين شبكة الصدوع الهائلة تلك في وسط القارة الأم التي كبرت على مدار السنين حتى فصلت ما بين شمال أمريكا وشمال إفريقيا منذ 180 مليون سنة وما بنيها مبين أوروبا منذ 150 مليون سنة، وتلا ذلك فصل جنوب أمريكا عن إفريقيا منذ 110 ملايين سنة وفصل غرينلاندا عن النرويج منذ 65 مليون سنة، ليبدأ تكوين ايسلندة . وفي بداية عملية الفصل هذه بدأ مجرى مياه في التشكل على هيئة خليج واسع، إلى أن زحف تدريجياً فوق قارة (بانجيا) ليقسمها إلى قارتين إحداهما شمالية تسمى (لوراسيا)، وأخرى جنوبية تسمى (غوندوانا) وبعد استكمال عملية الفصل هذه تكونت قارتنا الحالية كما نعرفها، والتي مازالت واقعة تحت تأثير فصل مستمر، يسمى الصدع الأصلي وهو صدع يقع وسط الأطلنطي، ومازال يمثل موقعاً نشطاً لانصهار البازلت مثله مثل الكثير من مناطق الصدوع التي تحدث على طولها عمليات انتشار ونمو في قيعان المحيطات .

توجد فوق القارات جبال بركانية عدة مثل جبل آرارات بتركيا (5100 متر فوق سطح البحر) وجبل اتنا بإيطاليا (3300 متر فوق سطح البحر)، وجبل فيزوف الذي يقع شرقي مدينة نابولي (1300 متر) وكيليمانجارو (5900 متر) وجبل كينيا ثاني أعلى جبل إفريقي (5100 متر) . وهذه الجبال البركانية مرتبطة بشبكات تصدع عميقة داخل فوهاتها تخترق الليثوسفير لتصل إلى الأثنوسفير (الطبقة العليا من الوشاح التي تقع أسفل قشرة الأرض مباشرة ولا يزيد سمكها على 275 ميلاً) التي تتسبب - في تجزيء القارات الحالية إلى كتل أرضية أصغر نسبياً .

لقد أقسم الله تعالى بالأرض ذات الصدع قبل ألف وأربعمئة سنة تفخيماً لظاهرة من أروع ظواهر الأرض وأكثرها ابهاراً للعلماء، وأشدها لزوماً لجعل الأرض كوكباً صالحاً للحياة وللعمران، فمن دون هذه الصدوع لم يكن ممكناً للأرض أن تكون صالحة فعبر هذه الصدوع العملاقة خرج كل من الغلافين المائي والغازي للأرض ولا يزالان يتجددان، وعبر النشاط الملازم لهذه الصدوع تحركت ألواح الغلاف الصخري الأولي للأرض فتكونت القارات والسلاسل الجبلية، والجزر البركانية، وتجددت قيعان المحيطات، وتزحزحت القارات وتبادلت اليابسة والمحيطات وثارت البراكين لتخرج قدراً من الحرارة الأرضية الحبيسة داخل الأرض والتي كان من الممكن أن تفجرها لو لم تتكون تلك الصدوع العملاقة . ولقد خرجت كميات هائلة من المعادن والصخور ذات القيمة الاقتصادية مع هذه الثورات البركانية ونشطت ديناميكية الأرض وثبتت ألواح غلافها الصخري بالجبال وكل ذلك يجعلنا ندرك أهمية الصدوع في تهيئة الأرض للعمران .