الصلاة ليست مجرد طقوس وحركات وسكنات يؤديها المسلم، ثم ينتهي أثرها في حياته بمجرد الانتهاء منها، بل هي عبادة متعددة المنافع والفوائد، لذا كانت لها منزلتها السامية في الإسلام، فهي عماد الدين وأول ما أوجبه الله تعالى من عبادات على عباده.
والصلاة في البيت تشيع روح الطاعة والعبادة لله، قال صلى الله عليه وسلم: اجعلوا من صلاتكم نصيبا في بيوتكم، ولا تتخذوها قبورا وقال صلى الله عليه وسلم إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده، فليجعل لبيته نصيبا من صلاته، فإن الله جاعل في بيته من صلاته خيرا.
كيف نجعل من البيت المسلم مسجدا يجسد تعاليم الدين بكل ما فيه من خيرات وبركات؟ وكيف ندرب أولادنا على الصلاة في أوقاتها؟ وكيف نزرع في أولادنا حب أداء الصلوات لتكون هذه العبادة سببا في تقويم السلوك، واستقامة الأبناء وتعويدهم على الالتزام منذ نعومة أظفارهم على ما يعود عليهم وعلى المجتمع كله بالنفع الدنيوي والأخروي معا؟
في البداية يؤكد الشيخ علي أبو الحسن رئيس لجنة الفتوى السابق أن البيت الذي تؤدى فيه الصلوات باستمرار يكون فيه من الهدوء والسكينة والاستقرار ما ليس في أي مكان آخر، ولقد ثبت علميا أن المداومة على الصلاة بأركانها الصحيحة تربي لدى المسلم القدرة على التركيز في أي عمل من أعماله العقلية والذهنية.
ويضيف: وينبغي أن نستخدم الصلاة لجذب أبنائنا إلى طريق الهداية بعيدا عن المفسدات وأصدقاء السوء الذين يملأون كل مكان في المدرسة أو الجامعة أو الشارع.
مراحل تعليم الصلاة
ويحدد د. علي أبو الحسن مراحل تعليم الصلاة فيقول: أولا لابد أن نشجع الطفل على الصلاة وأن يطلب منه الأبوان الوقوف معهما في الصلاة، فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذا عرف الغلام يمينه من شماله فمروه بالصلاة ويجب ألا ننهر الطفل في هذه المرحلة على أي خطأ يرتكبه.
أما عندما يصل الطفل إلى سن السابعة فعلينا أن نعمل بحديث النبي صلى الله عليه وسلم مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع وهكذا فقد خصص النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث سنوات متواصلة لتأصيل الصلاة في نفوس الأبناء ونكرر طلب الصلاة من الطفل باللين والرفق والحب.
ويرى الشيخ علي أبو الحسن انه من الضروري أن نكرر دائما في سن السابعة على مسمع الابن حديث النبي الذي حدد مبدأ الضرب بعد العاشرة تحذيرا من التهاون في الصلاة، فإذا ما أصر على عدم المداومة عليها فلابد أن يعاقب ولكن وفقا للشروط التي حددها النبي عليه الصلاة والسلام في ضرب الأبناء.
وينبه الشيخ أبو الحسن إلى أن الطفل الذي ينشأ في بيئة صالحة ويهتم والداه بكل ما حدده الإسلام من تعاليم ومبادئ تربوية وكانا قدوة له في المحافظة على الصلاة فإنه من الصعب أن يترك الصلاة خاصة مع التشجيع المعنوي والمادي.
الاقتداء بالنبي
د. مبروك عطية الأستاذ بجامعة الأزهر يدعو الآباء والأمهات إلى الاقتداء بأسلوب النبي صلى الله عليه وسلم في التربية حيث يقول: لاعبوا أولادكم سبعا وأدبوهم سبعا وصاحبوهم سبعا، وهذا معناه أن أولادنا يحتاجون للحب والتقدير والحرية كي ينشأوا نشأة صحيحة دينيا ونفسيا واجتماعيا.
يجب أن نعلم أولادنا مكانة الصلاة في الإسلام وأن نتعامل نحن مع الصلاة على أنها هدف حيوي في التربية الإيمانية للطفل.
ويضيف: إن تعويد الأبناء على أداء فرائض دينهم وتربيتهم عليها منذ وقت مبكر أمر ضروري جدا لكيلا يشق الأمر عليهم حين البلوغ، كما أن تدريب الأبناء وتعويدهم على أداء الصلوات يعتبر مدخلا للالتزام بكل تعاليم الإسلام الأخرى كالصيام وقراءة القرآن وحسن الخلق واحترام الوقت والنظام ونحو ذلك من الأحكام والآداب الإسلامية التي ربما لا يسعف الوقت عند الكبر لتعليمها وتلقينها.
ويرى د. مبروك عطية أن تنشئة الأبناء على حب الصلاة له أكبر الأثر في حياتهم، حيث يتوقف عليها صلاح حياة المسلم واستقراره روحيا ونفسيا واجتماعيا فالصلاة ليست مجرد أقوال باللسان وحركات بالجوارح من دون تدبر ولا خشوع من قلب فالصلاة تمد المسلم بطاقة تعينه على مواجهة كل متاعب الحياة ومصائب الدنيا.
وينصح د. مبروك عطية الأسرة المسلمة أن تدرب أولادها على التقرب إلى الله تعالى ليس عن طريق الصلاة فقط، بل إن العبادة باب واسع. فما أجمل أن يجتمع أهل البيت على قراءة القرآن ويختموا قراءته مرة كل شهر على الأقل، وما أجمل أن تجتمع كل أسرة مرة في الأسبوع تتعلم أمور دينها وتذكر الله سبحانه وتحرص على أذكار الصباح والمساء، وتقرأ في كتب السنة والفقه وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، حتى تعود الصور المشرقة لبيوت صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان يسمع من بيوتهم دوي كدوي النحل من قراءة القرآن والصلاة بالليل والبكاء بين يدي الله سبحانه.
الإرادة القوية
د. عبدالغني عبود أستاذ التربية بجامعة عين شمس يؤكد أن الأبناء ينشأون على ما رأوه من سلوك وما عهدوه من خصال، لمسوها من الأهل إن خيرا فخير وإن شرًا فشر. ويقول إن أهم ما يجب أن ينتبه إليه الآباء ويحرصوا عليه هو الالتزام بالفرائض وعدم التهاون فيها وخاصة الصلاة، حيث إن أداءها في وقتها وفي جماعة، يطبع في أذهان وقلوب الأبناء المحافظة عليها منذ الصغر، فلا تثقل عليهم عند الكبر.
وقد بينت السيدة عائشة رضي الله عنها مدى حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على الصلاة فتقول: كنا نجلس مع الرسول صلى الله عليه وسلم يحدثنا ونحدثه فإذا أذن للصلاة قام بيننا فكأنه لا يعرفنا ولا نعرفه.
ويرى عبدالغني عبود أن شهر رمضان فرصة عظيمة لخلق إرادة قوية داخل الأبناء وتعويدهم على الصيام والصلاة معا ويقول: ومن الأفضل أن تقترن هذه التجربة بمكافأة مادية تقدم في نهاية كل يوم يؤدي فيه الابن الصلاة في مواعيدها مع الأخذ في الاعتبار أن الطفل عادة يحب المكافأة السريعة، وهو ما يدفعه ويجعله يستمر في تأدية هذه الفريضة حتى تصبح الصلاة عقيدة وسلوكا.
ويضيف: ومن الطرق المفيدة هنا أيضا أن تقترن الصلاة في حياة الطفل بذكريات مفرحة وسارة مما يشجع على انتظار الصلاة.
خطأ فادح
د. هبة عيسوي أستاذة الطب النفسي بجامعة عين شمس تحذر من الخطأ الفادح الذي يرتكبه بعض أولياء الأمور وذلك بمنعهم أبناءهم من الصلاة في المسجد بحجة الخوف عليهم أو بحجة أنهم لم يبلغوا السن التي تجب عليهم فيها الصلاة، وفي حقيقة الأمر أن هذا السلوك إساءة للأبناء وليس إحسانا لهم كما يتصور البعض، فعلى الأهل أن ينتبهوا لهذه الأمور وأن يستثمروا إقبال أبنائهم على الصلاة بتشجيعهم والأخذ بيدهم على هذا الطريق الذي يحتاج إلى دعم معنوي من الأهل.
وترى د. هبة عيسوي أن تدريب الأبناء على الصلاة بأن ترتبط مواعيد الأسرة بالصلاة، فمثلا نقول: سنقابل فلانا بعد صلاة العصر، سنذهب إلى النادي بعد صلاة المغرب.