محمد حماد
لما نزلت آية سورة الأحزاب: (إن الله وملائكته يصلّون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلّوا عليه وسلّموا تسليماً)، جعل الناس يهنئون النبي بهذه الآية، لأن الله تعالى أخبر عن نفسه، ثم عن الملائكة بالصلاة على رسول الله.
وقد أتاه صلى الله عليه وسلم، آتٍ من ربه يخبره بأجر من يصلي عليه، فإذا هو أجر عظيم، فيه تكريم للنبي صلى الله عليه وسلم، فصلاتك عليه مرة تجلب لك صلاة عليك من ربك عشر مرات، فإذا أردت أن يصلي الله عليك، فصلّ على رسوله صلى الله عليه وسلم، وإذا أردت أن يقبل ربك دعاءك فقدّم بين يديه الصلاة على رسول الله، وإذا أردت أن تدركك شفاعة رسول الله فصلّ عليه وسلّم تسليماً كثيراً، وإذا أردت أن يكفيك الله همّ الدنيا والآخرة، فاجعل دعاءك لرسول الله شغلك اليومي، صباح مساء، فهو الذي اختصه الله بالصلاة عليه وأمرنا بالصلاة عليه، صلاة تحصل بها على عشر صلوات من الله، وتكتب لك عشر حسنات وتمحي عنك عشر سيئات، وترفعك عشر درجات، قال صلى الله عليه وسلم: «من صلى عليّ واحدة صلى الله عليه عشر صلوات وحطّ عنه عشر خطيئات ورفع له عشر درجات».
أجر عظيم
وصلاتك عليه صلى الله عليه وسلم تزيل الهموم، وانظر إلى أحد الصحابة وهو يستمع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: «أتاني آت من ربي فقال: ما من عبد يصلي عليك صلاة إلا صلى الله عليه بها عشراً، فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله إني أكثر من الصلاة فكم أجعل من صلاتي لك (أي من صلاتي عليك) قال: (ما شئت) قال: الربع، قال:(ما شئت، وإن زدت فذلك خير لك)، قال: فالثلث، قال: (ما شئت، وإن زدت فذلك خير لك)، قال: فالنصف، قال: (ما شئت، وإن زدت فذلك خير لك)، قال: فلسوف أجعل صلاتي لك كلها (أي أحبس وقتي كله بعد أداء الفرائض للصلاة عليك)، قال: (إذن يُكشف همك، ويزول غمك، ويغفر الله لك).
ليس هذا فقط فالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، سبب لغفران الذنوب، وسبب لكفاية الله ما أهمّ المؤمن، وسبب لقرب العبد منه صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، وسبب لصلاة الله على المصلي وصلاة الملائكة عليه، وسبب لرد النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة والسلام على المصلي، وسبب لطيب المجلس، وألا يعود حسرة على أهله يوم القيامة، كما أنها سبب لنفي الفقر.
والصلاة على رسول الله تنفي عن العبد اسم (البخيل) إذا صلى عليه عند ذكره صلى الله عليه وسلم، وهي سبب لثناء الله سبحانه وتعالى على المصلي بين أهل السماء والأرض، لأن المصلي طلب من الله أن يثني على رسوله ويكرمه ويشرفه، والجزاء من جنس العمل، فلا بد أن يحصل للمصلي نوع من ذلك، وهي سبب للبركة في ذات المصلي وعمله وعمره وأسباب مصالحه، وهي سبب لعرض اسم المصلي عليه صلى الله عليه وسلم وذكره عنده، كما تقدم قوله صلى الله عليه وسلم: «إن صلاتكم معروضة علّي»، وقوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله وكّل بقبري ملائكة يبلغونني عن أمتي السلام»، وكفى بالعبد نبلاً أن يُذكر اسمه بالخير بين يدي رسول الله.
قلب عامر بالمحبة
والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، سبب لهداية العبد وحياة قلبه، فإنه كلما أكثر الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم وذكره، استولت محبته على قلبه، حتى لا يبقى في قلبه معارضة لشيء من أوامره، ولا شك في شيء مما جاء به، بل يصير ما جاء به مكتوباً مسطوراً في قلبه ويقتبس الهدى والفلاح وأنواع العلوم منه، فأهل العلم العارفون بسنته وهديه المتّبعون له كلما ازدادوا فيما جاء به من معرفة، ازدادوا له محبة ومعرفة بحقيقة الصلاة المطلوبة له من الله.
وصلاتك على نبيك، تسبق بها دعاءك، تصعد به إلى رب العالمين، قال فضالة بن عبيد: سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً يدعو في صلاته فلم يصلّ على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«عجل هذا»، ثم دعاه فقال له ولغيره: «إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله والثناء عليه، ثم يصلي على النبي، ثم ليدعُ بعد بما يشاء»، وقد ورد في الحديث: «الدعاء محجوب حتى يصلي الداعي على النبي صلى الله عليه وسلم»، وعلى هذا قال ابن عطاء: «للدعاء أركان وأجنحة وأسباب وأوقات، فإن وافق أركانه قوي، وإن وافق أجنحته طار في السماء، وإن وافق مواقيته فاز، وإن وافق أسبابه نجح، فأركانه: حضور القلب، والرقة، والاستكانة، والخشوع، وتعلق القلب بالله، وقطعه الأسباب، وأجنحته: الصدق، ومواقيته: الأسحار، وأسبابه: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم».
الثبات على الصراط
والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم سبب لتثبيت القدم على الصراط، والجواز عليه لحديث عبد الرحمن بن سمرة الذي رواه عنه سعيد بن المسيب في رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم وفيه: «ورأيت رجلاً من أمتي يزحف على الصراط ويحبو أحياناً ويتعلق أحياناً، فجاءته صلاته عليّ فأقامته على قدميه وأنقذته».
والصلاة على رسول الله سبب لشفاعته صلى الله عليه وسلم لك عند ربه يوم العرض العظيم، لقوله صلى الله عليه وسلم: «من صلى عليّ حين يصبح عشراً وحين يُمسي عشراً أدركته شفاعتي»، وعن عمر رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول وصلّوا عليّ فإنه من صلى عليّ مرة واحدة صلى الله عليه عشراً، ثم سلوا لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلاّ لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلّت عليه الشفاعة»، وعن ابن مسعود مرفوعاً: «أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم عليّ صلاة».
ولا يفوتنا كما يفوت الكثيرين، أن المقصود من الصلاة عليه والتسليم والإكثار منهما هو صحبته ومحبته، فإننا إن أكثرنا ذكره كما أمرنا أصبحت صورته ومعناه في قلوبنا بمثابة النور الذي نهتدي به إلى ذكر الله ومحبته.
أوقات مستحبة
إن صلاتنا على الرسول الكريم تبلغه، ويبلغه سلامنا، كما جاء في الحديث، وقد حدد العلماء المواطن التي تستحب فيها الصلاة على النبي، فقالوا: تستحب الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الدعاء، وعند ذكره وسماع اسمه أو كتابته فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصلّ عليّ، رغم أنف رجل دخل رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له، ورغم أنف رجل أدرك أبواه عند الكبر فلم يدخلاه الجنة»، ويستحب الإكثار من الصلاة عليه يوم الجمعة فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فأكثروا عليّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي».
وتستحب الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم عند دخول المسجد وعند الخروج منه، فعن فاطمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا دخلت المسجد فقولي بسم الله الرحمن الرحيم والسلام على رسول الله اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد واغفر لنا وسهل لنا أبواب رحمتك فإذا فرغت فقولي ذلك غير أن قولي: وسهل لنا أبواب فضلك».