كتب: مصعب شريف

يمثل الطب الشعبي تراثاً قديماً في مختلف إمارات الدولة؛ حيث كان الجميع يتضافر لدرء الوبائيات التي كانت تداهم المنطقة في تلك الأيام مثل السل والجدري الذي كانوا يسمونه «التيبي»، وهي الأمراض التي دفعت الإماراتيين لابتكار أدواتهم الخاصة في العلاج، فبرز المعالجون الشعبيون الذين جسدوا قيم المجتمع الإماراتي المتحد كجسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
واعتمد الإماراتيون قديماً على الأدوية الشعبية والأعشاب للتداوي، وكانوا يجلبون بعضها من عدد من الدول منها الهند وإيران، وإلى جانب ذلك فإن تناقل الآباء والأجداد في العصور الماضية بعض التجارب والخبرات الطبية ذات الخصوصية المحلية، أي التي جاءت نتيجة للتفاعل الاجتماعي في محيط البيئة المحلية التي عاش فيها شعب الإمارات وشكل مصدراً مهماً من مصادر الموروث الشعبي. وهي في مجملها علاجات تدعو للوقوف عندها كثيراً خاصة مع نتائجها التي كانت ناجحة في الكثير من المواقف.

إرث ثقافي

اكتسب أهل المنطقة من الطب العربي والخبرة الإسلامية مهارة في التجبير، أي معالجة الكسور وشروخ العظام وانفصالها، وهي مهارة شعبية مستقاة من علم تشريح العظام، وكان المعالجون الشعبيون يجيدون التجبير متكئين على خبرة طويلة؛ حيث يقوم «البصير» بالتجبير، فيما يتولى معالجون شعبيون آخرون علاج الجروح والتضميد، وتعتبر مثل هذه الأشكال من التطبيب الشعبي، إرثاً ثقافياً انتقل للأجيال المختلفة وامتزج بالممارسات اليومية المتراكمة، نتيجة معايشة الإنسان اليومية لمثل هذه الحالات وحاجته لعلاجها الأمر الذي دفع به إلى اكتشاف العديد من الوصفات التي كان للكثير منها نتائج إيجابية في هذا المجال كعلاج الجروح بالملح بوصفه مطهراً وقابضاً للنزف إلى جانب علاجها باللبان العربي كمادة قابضة أو لاصقة، وكذلك عرف الإماراتيون علاج التقرح والحجامة والعصابة.

آخر العلاج.. البتر

وكان التداوي بالبتر حاضراً إذا استدعى الأمر وفشلت كل الأساليب العلاجية السابقة؛ حيث يلجأ الطبيب إلى بتر العضو المريض كوسيلة لمنع انتقال المرض إلى الأجزاء الأخرى من جسده، وهي معالجة ناجحة في بعض الأحيان وترجع إلى الطب النبوي ولا تزال معمولاً بها حتى الوقت الحاضر؛ إذ يلجأ الطبيب أحياناً لبتر عضو المريض عند إصابته ببعض الأمراض «كالغرغرينا» على سبيل المثال وأشهر حادثة رويت في هذا المجال ما ذكر عن السيد سعيد غباش «والد المرحوم سيف بن غباش»، الذي عانى، وتتناقل الروايات التراثية أن مثل هذا النوع من العلاج كان المعالجون يلجأون إليه في أعقاب المعاناة الطويلة للمرضى وتفاقم الآلام في أطرافهم؛ حيث تزداد قروحها يوماً بعد يوم، ليبدأ العلاج بتحضير ماء مغلي ومنشار وزيت حار ليتم البتر، والذي بواسطته يتمكنون من منع زحف القروح إلى بقية الجسد.
ولم تقتصر أدوار المعالجين الشعبيين في الإمارات على العلاج فقط، فقد كان شعارهم «الوقاية خير من العلاج»، وبذلك أسهموا بشكل كبير في إرساء التثقيف الصحي الذي بدأ في الدولة منذ منتصف الستينات، عبر الندوات والمحاضرات والقوافل الصحية التي كانت تجوب إمارات الدولة المختلفة، ليتطور بعد ظهور التلفزيون والإذاعات المحلية، وشاركت في هذا التطور المدارس والمساجد والأندية والجمعيات.

نجوم لامعة

ومن حقل الطب الشعبي في الإمارات برزت أسماء عديدة لنجوم لامعة أسهمت في الصحة المجتمعية، مثل صالح المطوع أشهر الأسماء في المعالجة بالطب الشعبي في السنوات الأخيرة، وهو إلى جانب شهرته بممارسة هذا النوع من العلاج كان الوحيد الذي ترك مؤلفاً في الطب الشعبي، إلى جانب أحمد بن سالم بن مزروع، الذي بدأ مسيرته في هذا المجال في العشرين من عمره عندما كان في رحلة مع والده للهند؛ حيث تعرض والده لكسر يده إثر حادث مفاجئ وعندما أخذ والده للعيادة تفاجأ بوجود أعداد كبيرة من أهالي الإمارات والخليج، الذين جاءوا يبحثون عن العلاج، لينبهر أحمد بقدرة الطبيب الهندي ومن هنالك تنطلق موهبته وتتفتق قدراته، وكذلك تجد في منطقة الشندغة بدبي أمهر من عرف بالوسم واسمه بخيت.

رفيعة بنت ثاني

ولم تشكل المرأة في الإمارات غياباً عن هذا الحقل المهم؛ حيث عرف المجتمع الإماراتي سيدات كثيرات بذلن الكثير من الجهود العظيمة لمجتمعهن أبرزهن رفيعة بنت ثاني زوجة السيد ناصر بن لوتاه ووالدة الشاعر حسين بن ناصر بن لوتاه، وعرفت هذه السيدة بقوة شخصيتها وبمكانتها الاجتماعية بين الشيوخ وكبار القبائل، إضافة إلى ذلك فقد عرف عنها براعتها وجرأتها في العلاج، وروي أنه كان يؤتى إليها بجرحى بعض الحروب والمنازعات وكانت تقوم بمعالجتهم، ومن أشهر القصص التي رويت عن جرأتها في العلاج أنها كانت تتعامل مع الجروح البالغة كجروح الرقبة التي تعتبر من الحالات الصعبة حتى في الوقت الحالي نظراً لشدة النزف وحساسية هذه المنطقة وكثرة الشرايين والأوردة فيها، بأن تقوم بمعالجة الجروح بمواد قابضة كاللبان العربي والسكر حتى يلتئم الجرح ثم تقوم بمعالجته بمواد مطهرة كما تسمى اليوم كالخل والزعتر.