علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الحرص على الحلال في طعامنا وشرابنا.. وحذرنا صلوات الله وسلامه عليه من أكل الحرام لأنه يقود صاحبه إلى جهنم وبئس المصير.. وأخبرنا عليه الصلاة والسلام أن المحافظة على أكل الحلال تجعل الدعاء مرجو القبول، وأن تناول ما حرمه الله، وما كان مصدره من حرام يحرم الإنسان من نعم كثيرة ويحجب عنه عفو الله ورحمته.

جاء في الحديث الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما تلي عند النبي قول الله عز وجل: يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً قام سعد بن أبي وقاص، فقال: يا رسول الله: ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعاء. فقال له: يا سعد أطب مطعمك تستجب دعوتك، والذي نفسي بيده إن الرجل ليقذف اللقمة الحرام من جوفه ما يتقبل منه أربعين يوما، وأيما عبد نبت لحمه من السحت والربا فالنار أولى به.

وعلمنا رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه كيف نحرص على الطيب الحلال في كل ما نأكله ونشربه فقال في الحديث الصحيح الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه: يا أيها الناس إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا، وأن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال تعالى: يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً (المؤمنون: 51) وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم (البقرة: 172) ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء ويقول يا رب، يا رب، ومطعمه من حرام، ومشربه من حرام، وملبسه من حرام، وغذي بالحرام فأنى أي فكيف يستجاب له؟.

ومن هذه الأحاديث والتوجيهات النبوية الكريمة يعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المحافظة على الحلال في كل شأن من الشؤون تعين على إجابة الدعاء وقبوله عند الله.. أما التشبع من المال الحرام، فإنه يميت القلب، ويجعل الدعاء بعيدا عن الإجابة والقبول.

قدوة.. ومثل

لهذا كان صحابة رسول الله عليه أفضل السلام الذين تعلموا منه يحرصون على تحري الحلال في كل أحوالهم، وخاصة فيما يأكلون ويشربون.. لهذا مثلا كان سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه لا يأكل طعاما ولا يشرب شرابا، ولا يلبس ثيابا، ولا يقتني متاعا إلا إذا عرف أنه قد أتاه عن طريق حلال حتى يبارك الله له فيه، وكان من عادته رضوان الله عليه أن يسأل خادمه عن مصدر ما يحضره له من طعام أو شراب، وفي يوم من الأيام اشتد الجوع بأبي بكر رضي الله عنه، وأكل من الطعام الذي أحضره له خادمه دون أن يسأله عن مصدره.. فتعجب الخادم وسأله: يا سيدي، لقد كنت تسألني كل يوم عن مصدر الطعام فما بالك اليوم لم تسألني كعادتك؟

فتوقف أبو بكر عن الطعام خائفا مضطربا وقال لخادمه: لقد أنساني الجوع ذلك، فمن أين جئت به؟ فقال الخادم: كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية فأعطاني هذا الطعام.. فأدخل الصديق أصابعه في فمه وجعل يتقيأ ما أكل وهو يصيح: لقد كدت تهلكني يا غلام.. ثم أخذ يدعو الله ويقول: اللهم اغفر لي ما شربته العروق واختلط بالدماء لأنه لا يستطيع إخراجه.

فقيل له: أتفعل كل ذلك من أجل هذه اللقيمات؟ فقال: والله لو لم تخرج إلا مع روحي لأخرجتها، فقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كل لحم نبت من حرام فالنار أولى به ولقد خشيت أن ينبت شيء من جسدي من هذه اللقيمات الحرام فأصير بسببها إلى النار.

هذا مجرد نموذج لتربية نبوية صحيحة.. فالحرام الذي يحيط بنا نحن المسلمين الآن من كل جانب هو سبب فساد حياتنا كلها، وهو السبب الرئيسي في كل المصائب التي نعاني منها والتي أوصلتنا إلى العجز عن تدبير طعامنا وشرابنا بالطرق الحلال التي يرضى عنها الله ورسوله.

يقول الدكتور علي جمعة مفتي مصر: يسأل كثير من الناس عن سبب شيوع سوء الأخلاق في العالم كله من حولنا.. وأحد أهم الأسباب في رأيي هو سوء الطعام، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: أطب مطعمك تكن مستجاب الدعاء وهو توجيه نبوي كريم مكون من مقطعين: الأول: أطب مطعمك وهو أمر يطلب فيه رسول الله أن يطيب الإنسان مطعمه وذلك على مستويين:

المستوى الأول أن يكون الطعام حلالا، ومعنى هذا أن يكون مصدر الدخل حلالا ليس فيه شيء من الرشوة أو السرقة أو الاختلاس أو الاغتصاب أو التدليس أو الغش، ويكون أيضا بعيدا عما حرم الله من المطعومات كالخمور والخنزير والميتة والدم المسفوح.. قال تعالى: قل لا أجد في ما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتةً أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقاً أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم (الأنعام: 145).. بل إن قصة آدم عليه السلام في القرآن بينت نكد أكل الطعام المخالف وجعلته سببا للطرد من الجنة.. قال تعالى: فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين ولهذا قال الحسن البصري رضي الله عنه: كانت بلية أبيكم آدم أكلة، وهي بليتكم إلى يوم القيامة.

المستوى الثاني: هو أن يكون الطعام نفسه طيبا في مذاقه وفي إعداده.. والذي يطلب هذا النوع من الطعام هو رقيق القلب رهيف الحس الذي لا يدفعه الجوع لملء البطن دون تلذذ بالتذوق والاستحسان، وهي صفة نراها في قوله تعالى عن أهل الكهف بعد بقائهم 309 سنوات في سبات ونوم: فلينظر أيها أزكى طعاماً فليأتكم برزق منه وليتلطف ولا يشعرن بكم أحداً (الكهف: 19). فالجوع لم يدفعهم إلى طلب أي أكل ولو كان حلالا في ذاته وفي مصدره، بل طلبوا أن يكون مرتبطا بأنه الأزكى ثم تشير الآية إلى كمية الطعام وأنها برزق منه سبحانه.

وهنا نرى العلاقة مع الطعام نتيجة تزكية النفس ونرى في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تزكية النفس من طيب المطعم يقول: الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب له.

الترشيد الواجب

وهنا يؤكد الدكتور علي جمعة على حقيقة مهمة تتعلق بعلاقة المسلمين بطعامهم وشرابهم وهي أن الإسراف في تناول الطعام والشراب وإهداره سلوك يجلب على المسلم غضب الله وعقابه.. فالذي يسرف في طعامه وشرابه، والذي يلقي به في صناديق القمامة ولا يعرف كيف يستفيد من بواقي طعامه ولو كان بتقديمها للفقراء والجوعى فهو إنسان مستهتر بنعم الله لا يقدرها حق قدرها، ولا يلتزم بالأمر الإلهي الواضح وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين.. فكما ان الطعام مهم من الناحية الصحية فإنه أيضاً مهم من الناحية الاقتصادية ولذلك يعلمنا رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه أن القليل من الطعام أكثر فائدة وبركة من الكثير، ويضع للمسلم معياراً معتدلا ومناسبا من الطعام والشراب فيقول: ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه، بحسب ابن آدم أكلات وفي رواية لقيمات يقمن صلبه فإن كان لا محالة، فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه. وقد أدرك كل الأطباء وأساتذة الصحة العامة هذه الحقيقة وأكدوا على ضرورة تجنب امتلاء المعدة بالطعام والشراب حتى يقي الإنسان نفسه من كثير من الأمراض ويعيش سليم البدن، صحيح النفس، قوي التركيز، يؤدي واجباته الدينية والدنيوية على الوجه الأكمل.

يقول الدكتور محمد عبدالحليم عمر استاذ الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر: لابد أن نواجه الإسراف البشع في التعامل مع الطعام في بلادنا العربية والإسلامية خاصة أن العالم كله مقبل على مجاعة يحذر منها كل خبراء الزراعة والتغذية في كل أرجاء الأرض.. والتعامل الرشيد مع الطعام والشراب سلوك وأدب يرشدنا إليه ديننا الإسلامي الحنيف ويجب أن نربي أطفالنا عليه منذ الصغر، فالإسراف يبدأ من داخل البيت، ويخرج ليعم ويسيطر على كل شيء في حياتنا.