أشار العديد من الدراسات والبحوث الاجتماعية إلى أن نمط السلوك الاستهلاكي لدى الفرد يتأصل لديه منذ الصغر، ويتأثر بالعديد من العوامل النفسية والاجتماعية والاقتصادية . وانطلاقاً من هذه الدراسات أعدت منظمة الصحة العالمية وثيقة للبحث في كيفية الحد من تأثير الإعلانات، وضرورة حماية الأطفال من استغلال الشركات والبرامج الإعلامية التي تمارس ضغوطاً نفسية عليهم مستغلة متابعتهم الحثيثة للتلفزيون وبرامج الترفيه وأفلام الكرتون . ويدعو الناشطون في مجال الطفولة إلى فرض حظر كامل على مثل هذه الإعلانات، خاصة التي تروج لأطعمة غير صحية أو تحرض الطفل على سلوك يحدث خللاً في التكوين الأسري .
يقول يزن راوي، موظف في الشارقة: لا تمضي زيارة التسوق مع الأطفال من دون مشكلات وبكاء على شراء الألعاب والملابس التي تعجبهم . ويضيف: ما يثير القلق أن إصرارهم دائماً يكون على أشياء وشخصيات كرتونية أو تقليداً للباسها، مما يثبت تأثير الإعلانات في الأطفال . الأكثر من ذلك سوءاً هو استخدام طرق الإصرار وإحراج الأهل في الإعلانات التلفزيونية بشكل يقود الطفل إلى اتخاذ السلوك نفسه مثل: إظهار أن البكاء أو الصراخ هو سبيل لنيل ما نريد أو استخدام الترويج الحواري في تشجيع الطفل على اتخاذ سلوك معين مثل: قول صديقي، في المرة المقبلة عندما تتسوق اشتر اللعبة الفلانية وستراني في داخلها أخبئ لك مفاجأة جميلة، مؤكداً أن الكثير من القنوات وخاصة الخاصة بالأطفال تعرض مثل هذه الإعلانات .
ويوضح محمد خير، مدرس اللغة الإنجليزية في دبي، أن أشكال التأثير الجديدة لهذه الإعلانات تظهر في برامج المسابقات سواء العلمية أو الترفيهية، وبعد أن كانت تستهدف الأطفال بشكل غير مباشر أو من خلال التأثير بالرسوم والصور المتحركة، تحولت اليوم إلى استخدام التأثير المباشر من خلال الحوار والكلام الموجه للطفل والمحرض على القيام بسلوك معين يهدف له صاحب الإعلان . ويضيف: أغلب الإعلانات التي تظهر في قنوات الأطفال تخاطب الطفل بقول: بادر إلى فعل كذا أو أرسل لنا على الرقم التالي وسيحدث بطلك المفضل أو في الزيارة المقبلة ادفع أباك لشراء واحدة وتحصل على الثانية مجانية . ويشير إلى أن ثقافة الجلوس أمام التلفاز لساعات طويلة هي بداية المشكلة، حيث يتأثر الطفل سلوكياً من خلال تمسكه بمظاهر وتصرفات وألفاظ يشاهدها في الإعلانات .
وعن مدى وعي الأهل بالتأثير الواقع على أبنائهم جراء الإعلانات المستهدفة، قالت رانيا رشيد، معلمة سابقة في عجمان: إن دور الأهل في الحد من مظاهر تأثير التلفاز والإعلانات والبرامج المستهدفة بشكل عام، محدود لأنها منتشرة في كل القنوات والبرامج وأفلام الكرتون، والحل الوحيد للحد من تأثيرها منع الطفل من مشاهدة التلفزيون، وهذا يعد مستحيلاً في عصرنا .
وتقول لانا سمير، متطوعة في هيئة الهلال الأحمر: المسألة لم تعد محصورة بإعلانات التلفزيون وبرامج المسابقات فقط، لأنها تغزو حتى الشوارع والطريق المؤدي إلى المدارس وربما داخلها أيضاً، والمجلات التعليمية التي لم تسلم من النهم التسوقي لبعض المعلنين، أو الشركات الكبيرة التي تعوض رقابة الأهل على التلفزيون بوضع الإعلانات في ألعاب البلاي ستيشن، وأقراص DVD التعليمية بعد أن كانت ساحتها بريئة من الإعلانات .
يقول مشهور حسين، محاسب في الشارقة: الإعلان الصادق هو من يحدد الفئة العمرية التي يستهدفها، بعكس ما نشاهده اليوم في معظم القنوات الإعلامية والإعلانية بما فيها التي تعرض برامج الأطفال . ويضيف: الترويج التجاري في الماضي كان ضعيفاً وترصد له أقل الميزانيات، وكان يتركز في الأغلب على لعب الأطفال البسيطة والحلوى، لكن في السنوات الأخيرة بدأنا نشاهد هجمة شرسة من تسويق منتجات الأطفال المستهدفين، ليس فقط عبر التلفزيونية، بل عبر الإنترنت وأقراص الألعاب ومراكز التسوق، ووسط تعدد هذه الوسائل تتسابق القنوات الفضائية والشركات التجارية لجذب الزبائن من الأطفال، وتتفنن في التأثير على قناعتهم بالشراء أو الإلحاح على الأهل للحصول على المنتج يقدم من خلال فضائيات مخصصة للطفل .
وبرأي صلاح يونس، مهندس كهربائي في عجمان، فإن الإعلانات التي تعرض عبر التلفزيون لا تحدث أي تأثير في شخصية الطفل، ولكنها في الوقت نفسه تكون سبباً للصراع الواقع بين الآباء والأبناء داخل الأسرة بسبب تعلمهم الاستهلاك وحب تملك كل ما يشاهدنوه . وعما إن كان يمنع أبناءه من شراء أي منتج إعلاني تأثروا به، قال: الأهل لا يستطيعون رفض طلبات أبنائهم لسببين: الأول الهروب من الضغط والتسبب بإحباط الطفل، والثاني تفادي لجوئه إلى سلوك غير سوي للحصول على المال اللازم الذي يحقق له رغباته، ويلبي له ما يشاهده ويسمع .
يقول سامر حايك، مصمم جرافيك إعلاني بدبي: أحد أهداف الإعلان هو خلق الطلب المحتمل للسلع والخدمات على المدى الطويل، لذلك الأطفال هم الأكثر استهدافاً لأنهم يلبون هدف التأثير والاستمرارية على المدى الطويل، والتالي تحقيق أرباح طويلة المدى . ويضيف: في الميدان التجاري 95% من الإعلانات التي نصممها يطلب أصحابها التركيز على الجانب النفسي والقيم الجمالية التي تجذب الطفل مثل: اللون، وشكل الشخصية الإعلانية أو الصوت، وطريقة تحريكها . ويشير إلى أنه في السنوات السابقة كانت رغبة المعلن تصب في الترويج لبضاعته من خلال إعلان لم يكن يشارك سوى في 15% من فكرته، بينما اليوم أكثر المعلنين يأتون بإعلانات شبه جاهزة من حيث الفكرة والشكل ودرجة التأثير، بحيث لم يبق على الشركات المتخصصة سوى تنفيذ الإعلان .
يقول إبراهيم الشيخ، اختصاصي اجتماعي: إن معظم الإعلانات التي تبث بصورتها الحالية على القنوات التلفزيونية لها تأثيرات سلبية جسيمة في الطفل، منها أنها توظف مشاعره في اتجاه غير مشروع، وهي في معظمها تقوم على تشجيع الاتجاهات المادية، إلى جانب مساهمتها في غرس ثقافة الاستهلاك في الطفل، وتشجع على تبديد الموارد الاقتصادية للأهل في أشياء غير نافعة . ويشير إلى أن أغلب الإعلانات الخاصة بمستلزمات الأطفال، والمتعلقة بالسلع الغذائية والمشروبات مثل: الحلويات ومنتجات الألبان وغيرها من السلع، تتضمن مسابقات تمنح جوائز، مما يؤدي إلى شدة الانبهار بها والتكالب على شرائها، وبالتالي فمثل هذه الإعلانات تدفع إلى إقامة المجتمع الاستهلاكي على حساب أولويات التنمية، مما يولد جيلاً جاهزاً للاستهلاك الترفي الذي يرفضه الإسلام .
وتؤكد آية محسن، الباحثة والمرشدة النفسية في مركز رعاية الطفولة بدبي، أنه لا خلاف على مدى تأثير الإعلانات في الأطفال، خاصة مع وجود وتعدد أشكال التنكولوجيا وأساليب مخاطبة الطفل، لافتة إلى أن الأهم هو البحث عن كيفية وضع حلول لهذه الظاهرة أو على الأقل تخفيف أثرها .
وترى أن الحل يبدأ من الأهل، لدورهم البارز في التوجيه والإرشاد بطريقة تجنب الطفل كل مساوئ هذه الإعلانات، مشيرة إلى أن بعضها تعرض للطفل بطريقة قد تفقده توازنه النفسي، لأن الطفل ينظر إلى التلفزيون على أنه الملجأ الوحيد للتسلية، بينما ينظر له المعلنون على أنه دمية يمكن تحريكها وتسخيرها وفقاً لأهوائهم التجارية . وعن كيفية تأثير الإعلان في استقلالية الطفل، قالت: بعض الإعلانات تستهدف تشجيع الطفل على اقتناء سلعة معينة أو لعبة غالية الثمن، وهنا يبدأ التأثير بحيث لم يعد الطفل صاحب قراره الممثل لرغباته الحقيقة وإنما الإعلان هو صاحب الموقف، ولا سيما أنه يتم تعويده على شيء من الصعب التخلي عنه بسهولة . وتضيف: إلى جانب التأثير النفسي والجسماني للإعلان على الطفل، فهي قد تغرس فيه عادة اجتماعية يحاربها الآباء في أبنائهم وهي هستيريا التملك، فالأطفال يرون في هذه الإعلانات تحقيقاً لأحلامهم على أرض الواقع، وذلك يسهم في إثارة الخيال لديهم . وتضرب مثلاً بالإعلان الذي يتضمن مثيرات تتعلق بالألعاب تجعله مدمناً على اقتنائها من دون أن يقتنع بفكرة رفضها أو تأجيلها .