البيوت عوالم وأسرار، فكثيراً ما نرى بيوتاً فارهة من الخارج، ومحطمة من الداخل، من يعيشون فيها يعانون البرود في المشاعر وانعدام الحوار وفقدان الشعور بالمودة والمحبة والرغبة بين الزوجين . وتفضل عدد من النساء الاستمرار في الزواج شكلياً، في حال إصابة الحياة الزوجية بالطلاق العاطفي، باعتقاد أن ذلك يعكس أمام المجتمع صورة أفضل بدلاً من حدوث الطلاق الشرعي المؤدي إلى تبعات عدة، متجاهلات أن هذه الحالة تمثل قوة تدمير سلبية تلقي بظلالها القاتمة على الزوجين والأطفال والمنزل، ونظراً للمخاطر المتزايدة لهذه الظاهرة، نظمت جميعة الاتحاد النسائية مؤخراً الملتقى الأسري الثاني تحت شعار الطلاق العاطفي . . . بداية النهاية . وفي هذا التحقيق ناقشنا الموضوع من جوانب مختلفة، وتطرقنا لأسباب المشكلة، والحلول، وحالات الطلاق العاطفي .

ف .م متزوجة ولديها طفلان، تقول: تزوجت منذ ما يقارب الخمسة أعوام، وللأسف أصابتني لعنة الطلاق العاطفي، فزوجي مدمن للإنترنت يقضي فيها يومياً ما يقارب 18 ساعة، فلا يترك الجهاز إلا عند النوم، الأمر انعكس بانعدام الحوار بيننا، وإن وجد فلا يتعدى إلقاء السلام الذي بات يعني لي الكثير، إلى جانب السؤال عن وجبة الغداء أو الشاي، ولا أبالغ عندما أقول إنني بدأت أتناسى نبرة صوت زوجي .

ويقول أ .ع: إن أساس الطلاق العاطفي بين الزوجين تراكمات قديمة، ظهرت نتيجة الفهم الخاطئ للعلاقة الزوجية، واللوم هنا يلقى على كل من الزوج والزوجة، فزوجتي تهمل زينتها وأناقتها، وهذا يشعرني بملل منها يوماً بعد آخر، وعدم رغبة في تبادل العاطفة معها .

وتقول أم خالد: أعاني عدم اهتمام زوجي بي في معظم الأيام، وأصبحت كالمتسولة التي تبحث عن نظرة عاطفية في عين زوجها، محاولة كسب رضاه ولفت نظره بأي طريقة إلا أنه يصدني ويتجنب لمسي والنظر إليّ .

س .ل في الثلاثينات من العمر، تقول: أحب زوجي وهو يحبني وينفذ كل ما أطلبه، ولكن هناك شيئاً خفياً عزيزياً تلاشى بيننا، فلا لمسات دافئة، ولا كلمات حنونة، ولاحظت هروبه المستمر مني، وعندما طلبت منه استشارة الطبيب يثور ويغضب ويرد بعصبية بالغة: إنني أعمل لأوفر لك ولأبنائك الطعام والسكن والملبس، وأعاملك أفضل معاملة، ماذا تريدين أكثر من ذلك؟ نسي زوجي حاجتي للحب والعاطفة .

أم مهرة في نهاية العشرينات، تقول: أحب زوجي بشكل جنوني، وهو يقدرني ويقدر الأسرة ويغدق علي بالهدايا، وبنى لي منزلاً فخماً، ورغم ذلك لا أشعر بالدفء بسبب بروده العاطفي، حيث إنه يتجنب لمسي، وإذا بادرت بلمسه ثار وغضب بشكل لافت للنظر، ولا أعلم ماذا أفعل، فأنا أحبه وأريد أن أحافظ على بيتي وأسرتي ووزجي ولكن هناك أشياء خفية داخلي تجعلني إنسانة تعيسة لا تعرف طعم الحياة والسعادة .

ف .س في الثلاثينات، لديها ثلاث بنات أكبرهن في الثامنة عشرة، وزواجها كان نوعاً ما تقليدياً بحكم القرابة، تقول: عهدته رجلاً طيباً، كانت علاقتي العاطفية به لمدة سنتين ممتازة، ومن منتصف السنة الثالثة بدأ البرود العاطفي يتسرب إلى علاقتنا، ورغم محاولاتي لتقريب المسافة بينا بشتى الطرق لم أفلح، ثم بدأت بالتلميح له عن أصل المشكلة تارة بشكل هزلي وتارة بشكل جدي، ورغم عودة العلاقة العاطفية لمدة يسيره، إلا أن البرود العاطفي ساد علاقتنا مرة أخرى، ووصلت الأمور إلى مشاجرات لأتفه الأسباب ومازالت المشكلة قائمة .

عبدالعزيز محمد الحمادي رئيس شعبة الحالات الأسرية في محاكم دبي حدثنا عن الجانب الشرعي لهذه المشكلة قائلاً: الإشباع العاطفي يعني ارتواء قلب الزوجين بالحب والحنان والمودة والرحمة بحيث لا يكون عندهما نقص في المجال العاطفي فيفتشان عنه خارج حدود الإطار الزوجي، والطلاق العاطفي فسره البعض بأنه حالة تعتري العلاقة الزوجية يشعر فيها الزوجان بخواء المشاعر بينهما، وينعكس ذلك على جميع التفاعلات داخل الأسرة، والبعض الآخر فسره بأنه حالة من الانفصال الوجداني والنفسي بين الزوجين، وما ينشأ عن ذلك من بُعد كُلّ منهما عن الآخر في أغلب أمور الحياة اليومية، وغياب روح التوافق على قواسم مشتركة بينهما في المسائل المصيرية المتعلقة بالتصرف والبرمجة والتربية وبناء العلاقات .

وأكد دور الأفراد في معالجة المشكلات الزوجية، إضافة إلى أهمية دور المؤسسات الدينية والاجتماعية والتربوية والصحية والإعلامية والتشريعية والقضائية في نشر المعرفة بضرورة الإشباع العاطفي بين الزوجين، وتدريب المتزوجين الجدد، وسرعة التقاضي في المشكلات الأسرية، وتأهيل القضاة ووكلاء النيابة، وتفعيل دور الحكمين .

د .جاسم محمد المرزوقي، مدير إدارة واحات الرشد، ورئيس قسم الدراسات والبحوث في مركز التنمية الأسرية في أبوظبي، يفسر الطلاق العاطفي من الناحية النفسية، قائلاً إنه انفصال الزوجين نفسياً رغم وجودهما معاً تحت سقف واحد من دون الانفصال بالطلاق الفعلي .

وحول أسبابه يقول: سوء الاختيار، وعدم تفهم كلا الزوجين طبيعة الاختلاف الفسيولوجي بين الرجل والمرأة، وانعدام التوافق كنتيجة لسوء الاختيار، وانعدام الحوار، وعدم تفهم كل زوج متطلبات واحتياجات شريك حياته، واضطراب العلاقة الحميمة بين الزوجين، وغياب التسامح وانعدام مبدأ التنازل بينهما وتقاعس أحد الزوجين عن أداء المسؤوليات المترتبة عليه، والإهمال في صيانة وتقوية العلاقات الأسرية، وتدني مستويات الرضا والتكيف الزوجي، وارتفاع سقف التوقعات، وأفكار مثالية عن الزواج، وتراكم الضغوط المهنية والنفسية، وإهمال الذات فترة من الزمن، والانفتاح الإعلامي .

يختار الزوجان أحياناً هذا الشكل من العلاقة كغطاء اجتماعي لإخفاء مشكلات الأسرة والحفاظ على خصوصيتها، كما أشار د . يوسف الشريف نائب رئيس المجلس الاستشاري لإمارة الشارقة، رئيس اللجنة التشريعية والقانونية والشكاوى والاقتراحات والطعون في المجلس، وعضو مجلس الأمناء للمدارس النموذجية في دبي .

ويقول: الطلاق العاطفي حالة يعيش فيها الزوجين منفصلين، رغم وجودهما في منزل واحد، ويعيشان في انعزال عاطفي، ولكل منهما عالمه الخاص البعيد عن الطرف الآخر . وسبب الطلاق العاطفي هو تدني مستوى الوعي لدى الزوجين، حيث تبدأ المشكلة صغيرة ولكن لا تتم السيطرة عليها بشكل جيد في البداية، وبذلك تتراكم حتى تصل لمرحلة الطلاق العاطفي .

د . منى البحر نائب المدير التنفيذي للرعاية والخدمات المجتمعية، وأستاذ مساعد بقسم الخدمة الاجتماعية في كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة الإمارات تقول: إذا لم يكن هناك أي شكل من أشكال الحوار والحميمية، يحدث الطلاق العاطفي، وهو المرحلة التي تسبق الطلاق الفعلي، وليس بالضرورة أن يقود إليه، فهناك الكثير من الأسر التي تستمر في الزواج رغم الطلاق العاطفي، وهناك أسباب عديدة تؤدي لهذا النوع من الطلاق، منها انشغال المرأة بأطفالها وإهمال الزوج، ما يؤدي إلى فجوة بين الزوجين، وبحث الزوج عن العاطفة خارج أسوار المنزل، وقد يكون بسبب انشغال الزوج بالعمل، وربما بسبب ضعف وسائل الاتصال بين الزوجين حيث أن 90% من أسباب فشل العلاقة الزوجية تعود إلى انعدام التواصل الجيد بينهما .

د .أحلام أحمد بوصابر أخصائية مسالك بولية في مستشفى القاسمي توضح أن انعدام لغة الحوار بين الزوجين تجعل كل طرف منهما محتفظاً بتصوراته الخاصة عن دوره ودور الآخر، وتصل الأسرة إلى حالة يشيع فيها الصمت، وأكدت أن العلاقة الخاصة بين الزوجين من أعمق العلاقات الإنسانية، ونجاحها من أهم عوامل نجاح الزواج واستمرار الحياة الزوجية السعيدة .

وتشير إلى أن المشكلات المتصلة بهذه العلاقة لها أضرار عديدة، أهمها لجوء الرجل لعلاقات خارج إطار العلاقة الزوجية، والأضرار النفسية المتمثلة في الخلافات الزوجية، والقلق والاكتئاب، وأضرار عضوية، والبعد بين الزوجين .

هند الجروان مسؤولة مركز الرؤية أشارت إلى أن الطلاق العاطفي طلاق صامت خلف الجدران، مؤكدة أن هذا الطلاق موجود في مجتمعاتنا، ويرتبط بشكل كبير بنوعية العلاقة العاطفية بين الزوجين، ووقوعه من دون انفصالهما، وبذلك يولد جو محبط ومؤلم للأطفال ولكلا الطرفين، ويسبب بنشوء أمراض نفسية . وتشير إلى أن الكثير من الأزواج يعتقدون أن العلاقات بين الزوجين أمر فطري يمكن ممارسته من دون جهد، متجاهلين أنها فن يحتاج إلى تعلم الوسائل الصحيحة وممارستها .

سارة بن كرم مدير عام جمعية الاتحاد النسائية تقول: لمسنا مشكلة تعانيها أغلب السيدات، وهي انعدام العاطفة بين الزوجين، وهي مشكلة صامتة ولا تطرح في المحاكم بسبب الخجل والمحافظة على الحياة الزوجية، ولكن تعانيها الزوجة، فكم من البيوت تحمل نذر التهدم وهي تبدو في أحسن حالات تماسكها ظاهرياً، وهو ما يولد ظاهرة الطلاق العاطفي . لهذا نسعى لتنظيم ملتقيات ومحاضرات لتسليط الضوء على أسبابه وآثاره وإيجاد حلول قانونية وشرعية ونفسية وصحية .

وتضيف: لابد من التنسيق بين المؤسسات الحكومية والتطوعية وتوحيد جهودها للحفاظ على الأسرة وحمايتها من التفكك والدمار، وضرورة تركز البرامج الإعلامية على نشر المعارف الأسرية وأن تتدخل المؤسسات التشريعية في نشر المعرفة بالمسؤوليات الأسرية من خلال صياغة قوانين الأحوال الشخصية وتعديلها .

وأشارت إلى أهمية تدريب المتزوجين من خلال تبني برامج وطنية وتأهيل القضاة ووكلاء النيابة وتفعيل دور المحكمين وسرعة التقاضي، والعمل على نشر التوعية الأسرية بالمسؤوليات والواجبات عند المتعلم من خلال المناهج الدراسية وأهمية أن تركز المؤسسات الدينية على نشر المعرفة الأسرية من خلال خطب الجمعة والندوات العامة واللقاءات الإعلامية بجانب عمل دراسات وإحصائيات متصلة بالشؤون الأسرية في الدولة، وإلزام المقبلين على الزواج بحضور دورات تعريفية عن أساسيات الزواج وضرورة سن قانون تشريعي بإلزام الزوج دفع مبلغ شهري للزوجة المتضررة من الزواج الانسحابي إذا ثبت أنه في حال طلاق عاطفي أي انفصال وجداني ومادي وذلك تخفيفاً لمعاناة الزوجة في حال لم يلتزم وعلى المحكمة أن تثبت في إجراءات الطلاق الواقعي ضماناً للحقوق في حال طلبت الزوجة ذلك .