ما حرم الله تعالى خُلقاً كالظلم، وما توعد أحدا بمثل ما توعد به الظالمين. قال تعالى: إنا أعتدنا للظالمين ناراً أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقاً (الكهف: 29)، والظلم شر مستطير، وبلاء عظيم، وخُلق ذميم، عاقبته وخيمة، ففي الآخرة خزي وندامة، وظلمات يوم القيامة.

قال الرسول صلى الله عليه وسلم: اتقوا الظلم، إنه ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح، فإنه أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم رواه مسلم.

والله تعالى جعل عاقبة الظلم على أهله دمارا ومأثما، فكم قصم به أعمارا، وفرّق به جماعات، وخرّب به ديارا، وأفنى به أجيالا، وأهلك به أمماً، قال عز وجل: وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوماً آخرين (الأنبياء: 11)، وقال سبحانه: فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون (النمل: 52).

وكم من أمم كما دلت الآيتان اغترت بقوتها، واعتزت بثروتها، وتباهت بأعدادها، وتأهلت بأسلحتها فصدّرت الرعب إلى الأمم الضعيفة، وشوهت تاريخ هذه الأمم المستكينة، وخلطت الحقائق ظلما وعدواناً، وبغيا وتسلطا، فصار المعتدي مظلوما، والمعتدى عليه ظالما، والجاني وديعاً بريئاً، والمجني عليه متهماً سفاحاً، وسلبت تلك الأمم الظالمة إرادة الشعوب، وصادرت حريتها، وانتهكت كل الأعراف الإنسانية طغياناً وعلواً حتى أهلكها الله تعالى، ودمرها تدميراً، ففرّق شملها، وشتّت جمعها، وخرّب ديارها جزاء وفاقا، لأنه سبحانه العدل الحق، الذي حرّم الظلم على نفسه وجعله بين العباد محرما. قال تعالى في الحديث القدسي: يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا رواه مسلم.

وإذا كان للظلم والباطل جولة، فإن للعدل والحق صولات وجولات يقول أبو القاسم الشابي:

ألا أيها الظالم المستبد

حبيب الظلام عدو الحياه

سخرت بأنات شعب ضعيف

وكفّك مخضوبة من دماه

وسرت تشوّه سحر الوجود

وتبذر شوك الأسى في رباه

نوعان مهلكان

الظلم نوعان، أولهما: ظلم الإنسان نفسه بأن يعرضها للهلاك والعذاب بسبب ظلمه، وأشد أنواع ظلم الإنسان نفسه وأعظمه الشرك بالله، وأن يجعل له ندا وهو خالقه، وفي القرآن وصية لقمان لابنه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم (لقمان: 13)، ومن صور ظلم النفس ترك الفرائض والواجبات، وارتكاب المحرمات والمنهيات كترك الصلاة وعقوق الوالدين وخيانة الأمانة.

وهل يرضى عاقل أن يحرم نفسه من رضا الله بما يجلبه عليها من الخسران والبوار والعذاب والانتقام من الله تعالى؟

وثاني أنواع الظلم، ظلم الإنسان لغيره من عباد الله تعالى مسلما كان المظلوم أو كافرا، بارا أو فاجرا، صغيرا أو كبيرا، فالإسلام العظيم يأمر بالعدل مع جميع البشر حتى الأعداء، قال تعالى: ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى (المائدة: 8)، شنآن: عداوة وبغض.

ولقد بين النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة يوم عرفة في حجة الوداع والتي تعتبر دستورا إسلاميا خالصا، ومنهاج حياة متكاملاً، حقوق الناس بعضهم على بعض، حيث يقول: إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا.. (رواه الشيخان).

دعوة المظلوم

إن التعدي على شيء من هذه الحقوق ظلم عظيم يستوجب العذاب الأليم من رب العالمين. يقول الله تعالى في الحديث القدسي الذي رواه الطبراني: اشتد غضبي على من ظلم من لا يجد له ناصرا غيري.ومن الظلم: أخذ حقوق الناس والاستيلاء عليها بالباطل، أو قوة وعنوة. روي ان امرأة عجوزا كان لها كوخ بجوار قصر أحد الملوك الجبابرة، فركب الملك يوما وطاف حول القصر، فرأى كوخ المرأة، فقال لمن هذا؟ فقيل: لامرأة فقيرة تأوي إليه، فأمر بهدمه، وجاءت العجوز فرأته مهدوماً فقالت: من هدمه؟ فقيل لها: الملك، فرفعت نظرها إلى السماء، وقالت: إلهي إذا لم أكن أنا حاضرة فأين كنت أنت؟ ثم جلست فخرج الملك في موكبه، فلما نظر إليها قال لها: ما تنتظرين؟ قالت: أنتظر خراب قصرك. فهزئ بها وتهكم منها، فما أقبل الليل حتى خسف به وبقصره، ووجد على بعض حيطان القصر هذه الأبيات:

أتهزأ بالدعاء وتزدريه

وما يدريك ما صنع الدعاءُ

سهام الله لا تخطي ولكن

لها أمد وللأمد انقضاءُ

وقد شاء الإله بما تراه

فما للملك عندكمو بقاءُ

ولا عجب في ذلك فدعوة المظلوم لا ترد ويرفعها الله فوق الغمام كما ورد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حتى يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام، ويفتح لها أبواب السماء، ويقول الرب: وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين (رواه أحمد والترمذي).

فيا أيها الظالم: لا تحتقر دعاء المظلوم فشرر قلبه محمول بعجيج صوته إلى سقف بيتك، ونبال أدعيته مصيبة وإن تأخر الوقت، فقوسه قلبه المقروح، ووتره سواد الليل، وناصره الذي لا يغفل ولا ينام، صاحب لأنصرنك ولو بعد حين.

ومن الظلم أن يجحد الإنسان ديناً عليه بحلف كذبا وزورا، أو يماطل في أدائه مع القدرة على الوفاء، وهذا النوع من الظلم لا يكفره صوم ولا صلاة ولا توبة ولا جهاد. سئل الرسول صلى الله عليه وسلم: أرأيت يا رسول الله إن قتلت في سبيل الله أتكفر عني خطاياي؟ فقال: نعم إن قُتلت في سبيل الله وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر إلا الدّين، فإن جبريل قال لي ذلك رواه مسلم.

فقد استثني الدّين، لأنه مال امرئ مسلم أخذ من دون رضاه، وهذا يؤكد حُرمة مال المسلم. وقال صلى الله عليه وسلم في حديث آخر: من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرّم عليه الجنة. قالوا: وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله؟ قال: وإن كان قضيباً من أراك (رواه مسلم وأحمد).

ومطل الغني ظلم كما قال صلى الله عليه وسلم وهو من صور ظلم الإنسان لأخيه، فمن استأجر عمالا أو أجراء فاستوفوا أعمالهم ولم يعطهم أجورهم أو أخرها فقد ظلمهم، وهذه ظاهرة منتشرة للأسف الشديد في بلاد المسلمين، ونذكر أرباب العمل بقول النبي صلى الله عليه وسلم: يقول الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، ومن كنت خصمه فقد خصمته، رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه العمل ولم يعطه أجرته (رواه البخاري).

أكل مال اليتيم

ومن أشد أنواع ظلم الغير: أكل مال اليتيم بغير حق، قال تعالى: إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً (النساء: 10).

ولنتأمل الوعيد الشديد في بيان الآية الكريمة، حيث صدّرت الآية بالتوكيد، وجاء القصر في قوله إنما يأكلون في بطونهم ناراً من باب قصر الصفة على الموصوف.

فهؤلاء الظالمون ما يأكلون إلا النار، وعبّر عن المال بالنار، لأنهم يأكلون المال، والنار مسببة عنه، فعبّر عن السبب بالمسبب، فهم يأكلون ما يجر إلى النار، ويؤدي إليها، حيث إن النار لا تؤكل لأنها لا تشتهى. وتأمل الجار والمجرور(في بطونهم) حيث تشعر بأن بطونهم أوعية للنار.

وتأمل التعبير بالصلْي في قوله (وسيصلون) وفيه معنى الاحتراق والشوي، يقال: صلى النار: قاسى حرها، وصليته: شويته، وأصليته: ألقيته فيها. ثم التنكير في قوله (سعيرا) فيه دلالة على أن هؤلاء الظالمين الباخسين حقوق اليتامى، الآكلين أموالهم سيدخلون ناراً عظيمة هائلة لا يحاط بها الوصف. ويروى أن آكل مال اليتيم يبعث يوم القيامة والدخان يخرج من قبره ومن فيه وأنفه وأذنيه وعينيه فيعرف الناس أنه كان يأكل مال اليتيم في الدنيا، كما ورد في تفسير أبي السعود.

إمهال لا إهمال

وقد يظن الظان أن الله غافل عنه، لطول إمهاله له، ولكن حكمة الله تعالى اقتضت أن يملي للظالمين ولا يهملهم، فإمهال الظالم زيادة في استدراجه ليزداد عقابه. قال تعالى ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار مهطعين مقنعي رؤوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء (إبراهيم: 42 43).

وقال صلى الله عليه وسلم: إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ثم قرأ قوله تعالى: وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد (رواه الشيخان والترمذي). قال شريح: سيعلم الظالمون حق من انتقصوا إن الظالم ينتظر العقاب، والمظلوم ينتظر النصر والثواب.

فلتحذر أيها الظالم عداوة من ينام وطرفه باكٍ، يقلب وجهه في السماء، يرمي سهاما ما لها غرض ولا هدف سوى الأحشاء منك. وليعتبر الظالمون بالجبابرة الذين أذاقهم الله الذل بعد عز، والفقر بعد غنى، والوحشة بعد اجتماع، والمهانة بعد كبرياء، وأنزلهم دركات بعد علياء، وألبسهم لباس الخوف والجوع والفقر بما كانوا يفعلون في عباد الله ظلما وطغيانا، والأحداث المشاهدة في حاضرنا خير دليل، ولكن أين من يعتبر فيقلع عن ظلمه، ويتصالح مع خصومه، ويرد الحقوق إلى أصحابها؟

قال صلى الله عليه وسلم: أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار (رواه مسلم والترمذي).

ظلم الحيوان

وتحريم الإسلام للظلم لم يتوقف عند الإنسان بل تعداه إلى تحريم ظلم الحيوان أيضا، وما العجب في ذلك؟ ألم يخبر الرسول صلى الله عليه وسلم ان امرأة دخلت النار في هرة حبستها حتى ماتت، فلا هي أطعمتها، ولا سقتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض؟

وفي الحديث قرصت نملة نبياً من الأنبياء فأمر بقرية فأحرقت، فأوحى الله إليه أن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبح الله (متفق عليه). فلننظر كيف غضب الله على امرأة تسببت في قتل قطة ظلما وعدوانا فأدخلها النار، وكيف عاتب سبحانه نبياً من أنبيائه الكرام حين أحرق قرية النمل من أجل نملة واحدة قرصته.

إن كل فرد في المجتمع مطالب بأن يأخذ على يد الظالم إن استطاع، أو يحول بينه وبين ظلمه إن استطاع حتى لا يستشري الظلم ويستفحل فيعم الفساد في الأرض، ويحل غضب الله بالجميع قال تعالى: واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب (الأنفال: 25).

وقال تعالى في الحديث القدسي: وعزتي وجلالي لأنتقمن من الظالم في عاجله وآجله، ولأنتقمن ممن رأى مظلوماً فقدر أن ينصره فلم يفعل (رواه ابن حبان). وقال صلى الله عليه وسلم: انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً قال رجل: يا رسول الله أنصره إذا كان مظلوما، أفرأيت إن كان ظالماً كيف أنصره؟ قال: تحجزه عن الظلم فإن ذلك نصره (رواه البخاري). ولقد حذر الله من مصاحبة الظالمين ومخالطتهم وزيارتهم وإعانتهم وذكرهم بما فيه توقيرهم. قال تعالى: ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون (هود: 113).

وعيد إلهي

قال تعالى: واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب (الأنفال: 25).

وقال تعالى في الحديث القدسي: وعزتي وجلالي لأنتقمن من الظالم في عاجله وآجله، ولأنتقمن ممن رأى مظلوماً فقدر أن ينصره فلم يفعل (رواه ابن حبان). وقال صلى الله عليه وسلم: انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً قال رجل: يا رسول الله أنصره إذا كان مظلوما، أفرأيت إن كان ظالماً كيف أنصره؟ قال: تحجزه عن الظلم فإن ذلك نصره (رواه البخاري). ولقد حذر الله من مصاحبة الظالمين ومخالطتهم وزيارتهم وإعانتهم وذكرهم بما فيه توقيرهم. قال تعالى: ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون (هود: 113).

[email protected]